نادية بنصالح تكتب : آن الأوان (5)

الوفاء

غريبة هي الدنيا حيث أصبحت الخصال شبه غائبة رغم وجودها وملامستها في شيم العقد، فلا يختلف اثنان في الهدف الذي يرجى من كل فرد/ عقدة في الشبكة المجتمعية، الكل يحيى لأجل تحسين أوضاعه والحلم برقي عام؛ إلا أن الملاحظ هو أن هذه الشيم أضحت تطبعها الفردانية والذاتية كقطيع أغنام مشتتة يسهل على الذئاب التغذي بها تصديقا لمقولة ” إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”، ذاتية الشيم الصورية هي نتيجة الفهم الضيق والمشوه لماهية الحرية ولكيفية تصريفها للتفاعل أو التعبير عن هذه الشيم.
والفهم الضيق يؤدي لتشعب الدلالات ويجزئ الأحقية ويسفه المحتوى ويكثر النظريات حول مسائل هي في الأصل بديهية ومتفق عليها، فالخصال هي عبارة عن سلسلة مترابطة بحلقات تكمل بعضها البعض إن في تعابيرها أو في تفاعلها : شيمة الوفاء مرتبطة بالثقة وهذه الأخيرة لها علاقة بالصدق الذي مبعثه الطمأنينة الناتجة عن الأمان والإيمان وهكذا دواليك؛ شيم كلها نبيلة تؤلف بين القلوب وتوقظ الضمائر وتؤاخي النفوس والأرواح فتجعل العقد/الأفراد موحدة بكل عفوية وتلقائية لأنها مدركة بأنها ليست لوحدها في هذه المنظومة وأن الذاتية هي سبيل التفرقة والتشتت القاضيان على التعاون والتكافل ويصبح كل مجهود بمثابة ريشة في مهب الريح طائشة.
وجوب الوفاء بين العقد هو في الأصل شيمة تعبير وتفاعل بين اثنين على الأقل، أولا بين المرء ونفسه وفاء لمبادئه ومعتقداته ولروح المنظومة المجتمعية وثانيا بين الفرد/العقدة وباقي العقد، وبمعنى آخر الوفاء يؤطر ويقوم المقولة الشائعة بين بني الإنسان “الغاية تبرر الوسيلة” والتي باتت شعارا للعيش المشوه والفهم الخاطئ للحرية، شعار يضرب كل القيم الجميلة والمثل العليا والمبادئ النبيلة عرض الحائط ويخلف عقد مدمرة للشبكة المجتمعية أسلوبهم في الحياة نرجسي أنا ومن بعدي الطوفان.

قال الشاعر البحتري:
عزمي الوفاء لمن وفى
والغدر ليس به خفا
صلني أصلك فإن تخن
فعلى مودتك العفا.

الفردانية/الخيانة

المصلحة غاية أدركها الإنسان منذ الأزل بكونها هي المحرك الأساسي لجل تفاعلاته ما دام حيا، بل وفي أمور عدة حتى لما بعد موته (الإرث)، خاصة أنه عارف بأن وجوده مقترن بالآخر؛ لأجل ذلك سال مداد كثير في محاولة تأطير وضبط هذه الغاية (المصلحة) لأن النفس الأمارة بالسوء للبشر فهي في الأصل متوحشة، جشعة وغير قنوعة هي كالنار لا تبقي ولا تدر.
وللمصلحة وجهان خاصة و عامة فالخاصة متعلقة بالعقدة/الفرد والعامة تتعلق بالمنظومة المجتمعية، وبما أنها هي من تحرك التفاعل فالمنطق أوجد الجدلية ليكون هذان الوجهان يلتقيان في نقط عديدة في مشوار الحياة، جدلية تحكمها النظرة الموسعة والشاملة ب : (المشاركة، الاتفاق، التوافق، التعاون، التكافل، التآخي و….) أي الإقناع والاقتناع بين عقد الشبكة المجتمعية ليسود التناغم بين مكوناتها في جو من الثقة والوضوح.
لكن الملاحظ هو تغلب النفس الأمارة بالسوء، لتحقيق الغاية (المصلحة) بالطرق اللامشروعة، لتبرز عقدا/أفرادا ذات نزعات انفرادية ونرجسية ذات التوجه المكيافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) لتحقيق غايتها مع سبق الإصرار والترصد ويصبح تفاعلها داخل المنظومة المجتمعية كفيروس معد ينشر عدواه بين النفوس الضعيفة، عقد حساباتها ضيقة وآنية، اللحظة هي الأهم بالنسبة إليها مهما كلفها الثمن. هي كالمطرقة تهدم وتكسر وتفتت، وهي في الأصل خائنة لكل حلم جميل وراق وكل عمل هادف وبناء؛ خيانة بني جلدتها لا تستشعرها لأنها مقتنعة أنها هي الأجدر والأفضل والأحق و…. تعرف من أين تؤكل الكتف، على عينيها غشاوة تحجب عن فؤادها الإحساس بالآخر وتطمس عقلها عن التفكير السوي والمنطقي بأن الفرد في خدمة الجماعة والجماعة في خدمة الفرد، غير مدركة للدمار المعنوي والمادي الذي تحدثه داخل الشبكة المجتمعية. وثمن خطيئة الخيانة باهض جدا، لأن خاتمة هذا النهج وهذا الاختيار دائما ما تكون ذل وهوان وعبرة كالمثل القائل “أكلت يوم أكل الثور الأبيض” المستوحى من قصة استسلام الثور الأسود للأسد في كتاب كليلة ودمنة لمترجمه عبد الله ابن المقفع.

النفاق الاجتماعي

هناك مقولة مشهورة عند الساكنة الرباطية خاصة الشعبية منها لياسين الركراكي الملقب ب : (القرع) وهو حكواتي ونجم الحلقة بامتياز وصانع الفرجة بمدينة الرباط، كان غالبا ما يرددها “القوم إذا همت رغبتهم أكل أي نبتة، أطلقوا عليها إسما” وفي ثقافتنا الشعبية ما أكثر البقوليات التي تؤكل (الخبيزة، الرجلة، كرينبوش، …) مقولة تحمل الكثير من الدلالات والمعاني، ففعل أكل مرتبط بالإسم، والغاية في جوهرها إشباع الرغبة أي المصلحة، معنى بسيط لكن لبه هو الفكر الميكيافيلي، هذا المعنى ينطبق على مجموعة من التسميات التي أدخلت في قاموس الشبكة المجتمعية لأجل تنميق وزركشة التفاعلات الهدامة، فلأجل شرعنة النفاق ذو المعاني القبيحة لتفاعلات الكذب، الغش، الخيانة، التحايل، التملق، الغدر، … أضيفت للنفاق كلمة اجتماعي لصبغه بشيم النبالة كالأدب، اللباقة، الكياسة، الحكمة، التواصل، … والغاية هو العيش وسط الكل متظاهرا (المنافق) بالتفهم لجميع المواقف وإن تعارضت مع بعضها أو حتى معه، جاعلا من الحياد الورقة الرابحة عند الإدلاء بها، لكن الأصل المخفي هو انتهازيته. والحياد هو التظاهر بالمسالمة للوصول إلى غايته، الكل محق رغم الاختلاف البين، مواقفه دائمة التشتيت والتفرقة والدعوة للتوافقات الهشة، لأن كنه لباس الحكمة الذي يرتديه هو الهدم وإضعاف المكونات المختلفة لإنعاش الفكر الإنتهازي والوصولي وتلويث وتسميم محيط الفكر الباني والهادف. بهذا الفعل توجه سهام الغدر للإرادة الصالحة ويخلق جو من الإحباط واليأس وعدم الثقة والتشكيك في القدرات و….
والنفاق اصطلاحا وشرعا يحدد في ثلاث : الكذب، الخيانة، وعدم الوفاء وتلك آيات المنافق أي الفرد الذي لا يصدق قوله، لا يؤتمن جانبه ولا يعهد وعده، سلوكات كلها قبح ومكر ورذيلة ومساوئ لا يقبلها عقل سليم ويحتاط المتعامل معها.
لكن المتغير بتجميل إسم النفاق بإضافة الاجتماعي أصبح الصالح طالحا والطالح صالحا، لأن كلمة اجتماعي هي البهارات التي تضاف للمرق لتعطي نكهة لذيذة للمتذوقين (وهم كثر) ما يهمهم هو اللذة فقط دون الجودة والمنفعة للجسد.
عبارة النفاق الاجتماعي هي حيلة العصر، فالنفاق نفاقا رغم ان آياته الثلاث طورت أساليبها وتسلحت بالمكر والحيل والخبث لإيهام المغرر بهم والقبول بالعيش مع المنافق الذي أصبح يعتمد في تفاعلاته على أدوات الخديعة كالتظاهر بعكس ما يبطنه في صدره، إخفاء النوايا، الحل الوسط، التكيف، المراوغة، عدم الإفصاح عن المكنون….

قال الشاعر صالح بن عبد القدوس:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *