سقطت الأقنعة دفعة واحدة، وخرجت إلى السطح تفاصيل ظلت لسنوات تتحرك في المنطقة الرمادية بين الإشاعة والاتهام. فالتسريبات التي نشرتها صفحة “أطلس هاكرز” أعادت فتح ملف هشام جيراندو والمهدي حجاوي من زاوية مختلفة، بعدما قدمت معطيات توثق، بحسب مضامينها، مسارا كاملا من التنسيق الرقمي والاستهداف المنظم الذي تجاوز حدود المعارضة الافتراضية إلى استهداف مؤسسات الدولة وأطرها عبر حملات تشهير وتضليل واسعة النطاق.
فالمعطيات المنشورة، من تسجيلات ومحادثات منسوبة للطرفين، تقدم صورة مقلقة عن شبكة تشتغل على صناعة المضامين الموجهة، وبناء روايات رقمية تستهدف مؤسسات وأسماء أمنية مغربية، عبر التشهير والضغط واستعمال الحياة الخاصة كسلاح في معركة التشويش.
وحسب ما نشرته “أطلس هاكرز”، فإن جيراندو الذي ظل يقدم نفسه بوجه المعارض أو الناشط الإعلامي، يظهر داخل هذه المعطيات في موقع المنفذ الإعلامي، بينما يبرز حجاوي، الموظف السابق بالمديرية العامة للدراسات والمستندات، كطرف حاضر في التوجيه وبناء السيناريوهات وتحديد زوايا الاستهداف.
وتشير التسريبات إلى انتقال خطير من نقد الأداء المؤسساتي إلى استهداف الحياة الشخصية والعائلية لمسؤولين وأطر أمنية، في ممارسة تفتح نقاشا واسعا حول الفرق بين الرأي والتشهير، وبين التعبير السياسي والجريمة الرقمية المنظمة.
كما تطرح المعطيات المنشورة أسئلة حول البنية التقنية واللوجستية التي تقف خلف إنتاج هذه المضامين، خاصة مع الحديث عن فيديوهات مصممة بعناية، ومونتاج احترافي، وصفحات موجهة، وتمويل محتمل لعمليات نشر واسعة تستهدف التأثير على الرأي العام.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى أن جزءا من هذه الأنشطة يتم، وفق المعطيات الرائجة، من خارج المغرب، وخصوصا من الأراضي الكندية، ما يضع سلطات أوتاوا أمام سؤال واضح: هل يتعلق الأمر بحرية تعبير، أم باستعمال ترابها قاعدة خلفية لحملات ابتزاز وتشهير ضد مؤسسات دولة أخرى؟
وفي هذا السياق، تبدو كندا مطالبة بتوضيح موقفها من هذه المعطيات، وفتح مسار قضائي وأمني للتأكد من طبيعة الأنشطة المنسوبة إلى المعنيين، وتتبع مصادر التمويل، والتحقق من مدى احترام القوانين المرتبطة بالجريمة المعلوماتية وحماية المعطيات الشخصية ومنع الابتزاز الإلكتروني.
فحرية التعبير، مهما اتسع مجالها، لا تمنح حصانة لمن يستعمل المنصات الرقمية لترويج مواد تستهدف السمعة والحياة الخاصة أو تحاول ضرب ثقة المواطنين في مؤسسات بلادهم عبر مضامين موجهة ومركبة.
وتضع تسريبات “أطلس هاكرز” الملف في مستوى جديد من الخطورة، لأنها لا تكشف خلافا رقميا محدودا، وإنما تقدم، وفق مضمونها، بنية اشتغال قائمة على التخطيط والتوزيع والتوقيت وصناعة الأثر، وهي عناصر تقرب القضية من منطق الحرب السيبرانية الناعمة أكثر من منطق التعبير الحر.
وبين المعطيات المنشورة والمسؤولية القانونية المفترضة، تبقى الكرة في ملعب الجهات المختصة، سواء داخل كندا أو عبر آليات التعاون القضائي والأمني الدولي، لأن تحويل الفضاء الرقمي إلى منصة للابتزاز والتشهير يهدد سمعة الأفراد وأمن المؤسسات وثقة الرأي العام.
وفي انتظار ما ستسفر عنه أي إجراءات محتملة، تؤكد هذه القضية أن معركة المغرب اليوم لا تدور داخل الحدود التقليدية، وإنما تمتد إلى منصات رقمية تحاول صناعة التأثير عبر الضجيج والتضليل، في اختبار جديد لقدرة الدول على حماية مؤسساتها من الحروب الرقمية العابرة للحدود.