في ظرف زمني قصير، تحولت “أكديطال” من اسم محدود التداول إلى شبكة مصحات تمتد على عشرات المدن، برقم معاملات بلغ 4,4 مليارات درهم سنة 2025، ونمو قياسي بنسبة 49 في المائة، وهي أرقام توحي بنجاح استثماري، لكن خلف هذا الصعود السريع تبرز أسئلة سياسية واقتصادية لا تقل ثقلا عن الأرقام المعلنة.
كيف استطاعت مجموعة صحية خاصة أن تتمدد بهذه السرعة في سوق حساس كقطاع العلاج؟ ومن يقف وراء هذا الصعود الذي تزامن مع ورش تعميم التغطية الصحية الإجبارية، الذي ضخّ مليارات الدراهم من المال العمومي إلى منظومة العلاج؟
لقد تزامن صعود “أكديطال” مع تعميم التأمين الإجباري عن المرض، وتوسيع قاعدة المستفيدين من “أمو تضامن” و”أمو الشامل”، حيث عملياً، أصبح القطاع الخاص شريكاً أساسياً في استقبال موجات جديدة من المؤمنين.
وفي هذا السياق، لم يكن الطلب على الخدمات الصحية مجرد طلب سوقي تقليدي، بل تدفقاً مدعوماً بقرارات عمومية وتمويلات غير مباشرة من الدولة وصناديق التأمين.
امتدت شبكة المجموعة إلى 41 مؤسسة بطاقة تفوق 4505 أسرة، مع طموح معلن لبلوغ 6200 سرير بحلول 2027، مدعومة ببرنامج استثماري يتجاوز ملياري درهم. وفي موازاة ذلك، لجأت إلى تعبئة 1,2 مليار درهم عبر إصدار سندات، لترتفع مديونيتها إلى 4,24 مليارات درهم.
وهكذا، تبدو المعادلة المالية مكشوفة: تكثيف التوسع اليوم لضمان عوائد أكبر غداً، في سوق يعتبره رأس المال مجالاً آمناً للنمو، لأن الحاجة إلى العلاج لا تخضع لدورات الانكماش ولا تنتظر تحسن المؤشرات الاقتصادية.
لكن الجدل لا يتوقف عند التوسع المالي. داخل البرلمان، وُجهت اتهامات ثقيلة تتعلق بأسعار بعض الأدوية، خاصة أدوية السرطان. الحديث عن فوارق كبيرة بين سعر الشراء وسعر الفوترة أعاد النقاش إلى جوهر المسألة: أين ينتهي الاستثمار المشروع وأين يبدأ منطق تعظيم الأرباح على حساب هشاشة المرضى؟
في الكواليس، يطرح سؤال النفوذ. توسع بهذا الحجم، في ظرف وجيز، يحتاج إلى شبكة علاقات، وثقة من الأبناك، وتسهيلات عقارية، ومواكبة تنظيمية.
ورغم أن المجموعة تقدم نفسها كمقاولة خاصة ناجحة، فإن تزامن نموها مع التحولات الكبرى في السياسات الصحية يثير نقاشاً حول حدود الفصل بين القرار العمومي والمصالح الاستثمارية في قطاع اجتماعي بامتياز.
البورصة أيضاً لعبت دورها، إذ أن إدراج المجموعة ومنحها قدرة أكبر على تعبئة الرساميل فتح الباب أمام منطق مالي بحت: النمو، التوسع، تحسين الربحية، رفع قيمة السهم. لكن السوق المالية تنظر إلى الأرقام، بينما ينظر المرضى إلى الفاتورة.
أكديطال لم تعد شبكة مصحات تبحث عن موطئ قدم، بل قوة مالية تضبط إيقاع جزء مؤثر من سوق العلاج في البلاد.
ومع كل سرير جديد يُضاف، تتعاظم المسؤولية وتكبر مساحة الأسئلة، حيث أن توسع بهذا الحجم داخل قطاع يمس حياة الناس يفرض شفافية كاملة ومحاسبة دقيقة، لأن الأرباح هنا تُستخلص من فاتورة المرض ومن قلق الأسر أمام أبواب المصحات.
وعندما تتراكم المليارات في مجال يرتبط بالعلاج والنجاة، لا يعود الحديث عن الحكامة والتسعير والعدالة الصحية ترفاً سياسياً، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لضمير المنظومة برمتها.
إن المسألة تتجاوز سجال القبة البرلمانية؛ إنها تتعلق بحدود الربح في قطاع يفترض أن تحكمه أخلاقيات المهنة قبل منطق السوق، وبقدرة الدولة على ضبط ميزان حساس بين الاستثمار وحق المواطنين في علاج منصف غير مُستنزِف.