الأحزاب السياسية وجائحة كورونا “مشروع قانون 22.20 نموذجا”دراسة دستورية قانونية تحليلية

البشير الحداد الكبير.يكتب الأحزاب السياسية وجائحة كورونا “مشروع قانون 22.20 نموذجا”دراسة دستورية قانونية تحليلية.

إن الهندسة الدستورية التي أقرها دستور 2011(1)، أفرزت لنا وضعا مؤسساتيا جديدا تلعب فيه الأحزاب السياسية دورا مهما مما سيؤدي إلى تعزيز الوجود الحزبي وتجديد النخب وانخراطها في العمل السياسي خصوصا مع مواكبة الأحزاب السياسية بالقانون التنظيمي الجديد 29.11 (2).
إن الحديث عن دستور 2011 الذي جاء تجسيدا للإدارة الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله،يحتاج لطبقة سياسية تتناسب مع حجمه.
مع انتشار فيروس كورونا، تم اتخاذ التدابير الإحترازية بفضل القيادة الرشيدة لجلالة الملك أعزه الله، وفي المقابل صادقت الحكومة في مجلسها الحكومي، على مشروع قانون 22.20 المتعلق بوسائل التواصل الإجتماعي، فلقي هذا الأخير معارضة من طرف الشعب ومن طرف أحزاب المعارضة، سنحاول من خلال هذا المقال فهم الأحزاب السياسية المغربية حتى يتسنى فهم مشروع قانون 22.20، بمعنى أين يكمن الخلل؟
ولهذا قسمنا هذا المقال لمبحثين:
المبحث الأول:الأحزاب السياسية بين التأصيل الدستوري والإطار القانوني
تعتبر الأحزاب السياسية حجر الزاوية في المجتمعات الديمقراطية، إذ يكفل لها الدستور والقوانين المؤطرة لها الإطار والقاعدة للمارسة الديمقراطية ويؤمن لها حرية التعبير والرأي، ويضمن لها تنفيذ برامجها، من خلال المنافسة النزيهة فيما بينها.
لقد ارتقى دستور 2011 بالأحزاب السياسية إلى مستوى مؤسسة دستورية، وهو بخلاف الدساتير المتعاقبة في الأمر، منذ 1962 إلى 1996، إذ نلاحظ أن دستور 1962 (3) قد فرد فصلا وهو الفصل الثالث للحديث عن أدوار الأحزاب السياسية وإقراره بالتعددية الحزبية، لكن دساتير 1970(4) و 1972 (5) و 1992 (6) و 1996 (7)قامت بإقحام المنظمات النقابية والجماعات المحلية(الترابية حاليا مع دستور 2011) والغرف المهنية، لتتقاسم نفس الدور مع الأحزاب السياسية وهذا ما نجده في الفصل الثالث من الدساتير التي ذكرناها، وإن كان الفرق فقط في المصطلحات،فمنذ دستور 1970 إلى غاية 1992،لم يكن الفصل الثالث ينص على الجماعات المحلية وإنما المجالس الجماعية، ولكن في دستور 1996 تغير المصطلح بالجماعات المحلية، وبهذا أصبحت تتقاسم نفس الدور بجانب الغرف المهنية و المنظمات النقابية مع الأحزاب السياسية في تنظيم وتمثيل المواطنين، وكان من الأجدر فصل كل منهم عن الآخر حتى يتسنى للأحزاب القيام بدورها على أحسن وجه، لأنه بإشراكنا هيئات أخرى يضعف الطرف الرئيسي، لكن دستور 2011 قام بتدارك الأمر وعمل على تخصيص فصل للحديث عن الأحزاب السياسية وهو الفصل السابع، ووسع من صلاحياتها، إذ بقراءة متأنية للفصل السابع من دستور 2011، نجد أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم سياسيا وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، وتشارك في ممارسة السلطة، كما أن هذا الفصل، أقر بالتعددية الحزبية والتناوب على السلطة وفق منهج ديمقراطي، بل أكثر من ذلك أنه كفل للأحزاب السياسة ممارسة انشطتها بكل حرية ولكن في إطار إحترام القانون، على إعتبار أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة وعلى الجميع الإمتثال له حسب منطوق الفصل 6 من الدستور.
ومن أجل محاربة و مواجهة أي أشكال التمييز، فقد منع دستور 2011 في فصله السابع أن يكون تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو لغوي أو جهوي، كما يجب على الأحزاب السياسية احترام الدين الإسلامي، بإعتباره دين الدولة حسب الفصل الثالث من الدستور، وإحترام النظام الملكي، بإعتباره هو نظام الحكم في المغرب حسب منطوق الفصل الأول من الدستور، كما لا يجوز لها المساس بالأسس الدستورية والديمقراطية والوحدة الوطنية أو الترابية،وينبغي أن يكون تأسيس وتنظيم وتسيير كل حزب مطابقا للمبادئ الديمقراطية،وبالرجوع للفصل 9 من الدستور الجديد فإن الأحزاب السياسية تحل بمقرر قضائي بمعنى من طرف المحكمة الإدارية بالرباط حسب ما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي 29.11 ، ففي السابق كانت تحل بمرسوم حسب القانون السابق للأحزاب السياسية 36.04(8)،ولقد عمل دستور 2011 على تحصين حرية الإنتماء السياسي بموجب الفصل 29،ومن أجل ضمان الحكامة الجيدة داخل الحزب السياسي فقد أوكل المشرع الدستوري مهمة تدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الإنتخابية، للمجلس الأعلى للحسابات، حسب منطوق الفصل 147.
جاء القانون التنظيمي 29.11 تفعيلا للفصل السابع من الدستور، الذي رفع من مستوى المقتضيات المنظمة للأحزاب السياسية من قانون عادي (36.04) إلى قانون تنظيمي،ويعتبر القانون التنظيمي 29.11 أول قانون تنظيمي مكمل لدستور 2011 دخل حيز التطبيق.
وقد حدد هذا القانون التنظيمي، تعريف الحزب السياسي والقواعد المتعلقة بتأسيسه والإنخراط فيه وممارسة أنشطته، ومبادئ تنظيمه وتسييره، ونظام تمويله وكفيات المراقبة، ومعايير تخويله الدعم المالي للدولة(9).
ويمكن للمواطنات والمواطنين البالغين سن الثمانية عشر الإنخراط بكل حرية في أي حزب، وتتخذ الأحزاب السياسية جميع التدابير الكفيلة بتشجيع الإنخراط فيها، وقد حدد هذا القانون التنظيمي، أنه يجب على الحزب السياسي، أن ينظم ويسير وفق مبادئ الديمقراطية، تسمح لأي عضو من أعضاءه بالمشاركة الفعلية في إدارة وتسيير مختلف أجهزته، كما يتعين مراعاة مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير شؤونه، ولاسيما مبادئ الشفافية والمسؤولية والمحاسبة(10)،ولقد استجاب هذا القانون التنظيمي لمطالب الحركة النسائية والحقوقية ومطالب الشباب، إذ يجب على الأحزاب السياسية تمكين النساء الثلث من المواقع القيادية في الحزب، تماشيا مع الفصل 19 من الدستور المغربي الذي ينص على المناصفة بين الرجل والمرأة، وبالإضافة إلى هذا ،نجد أن القانون التنظيمي أكد على ضرورة توفر الحزب السياسي على الهياكل الجهوية(11)،تماشيا مع ورش الجهوية المتقدمة.
ويتجلى ذكاء المشرع المغربي في تمكين الأحزاب السياسية من تمثيل كل المغاربة، حتى لا تسقط في الطابع الجهوي أو اللغوي، فقد نص القانون التنظيمي على رفع نسبة تمثيل عدد الجهات، سواء بخصوص 300 عضو المطلوبة لوضع طلب التأسيس أو 1000(في القانون السابق 36.04 كان العدد فقط 500) عضو المطلوبة لعقد المؤتمر التأسيسي، من النصف المنصوص عليها في القانون السابق 36.04،إلى الثلثين،وهذا التغيير يعد جوهريا يتماشى مع منطق دستور 2011.
ويلاحظ أن القانون التنظيمي الجديد المنظم للأحزاب السياسية واجه ظاهرة الترحال السياسي مثل دستور 2011 (الفصل 61)، وذلك بالتجريد من العضوية، بل أكثر من ذلك النص على الغرامة (12).
كما أن هذا القانون التنظيمي نص على دعم الأحزاب السياسية، بإعتبارها مكون أساسي في الدولة، ودورها أساسي في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، وإن كان تم الإبقاء على الدعم المنصوص عليه في القانون السابق(36.04)،فإن هذا القانون التنظيمي، أضاف أنواعا جديدة من الدعم، تتجلى فيما يلي:
+السماح للأحزاب بإمتلاك المنقولات والعقارات الضرورية لنشاطها؛
+الإستفادة من الدعم للمساهمة في تغطية مصاريف تدبير الأحزاب؛
+الإستفادة من دعم الحملات الإنتخابية؛
+الإستفادة من دعم سنوي يعتبر فيه عدد الأصوات المحصل عليها الذي يراعي الأحزاب الصغيرة،وهو الأمر المستجد في هذا القانون التنظيمي، الذي يسمح بالإستفادة من الدعم حتى للأحزاب التي تحصل على نسبة 3٪؛
+الإستفادة من إعفاءات تتعلق بالضرائب والرسوم المطبقة على الممتلكات العقارية والمنقولة؛
+حق الأحزاب في الإستثمار في المقاولات الصحفية ومقاولات النشر والطباعة.
كما أن القانون التنظيمي 29.11 نص على الرقابة المتمثلة في فحص صحة النفقات برسم الدعم السنوي الممنوح لها(13)،بل أكثر من ذلك أنه ألزم التداول على المسؤوليات وعدم البقاء على نفس المسؤولين بصفة أبدية،إذ نجده يلزم الأحزاب بأن تنص في نظامها الأساسي على مدة الإنتداب في الهياكل وعدد الإنتدابات التي لا يجوز تجاوزها(14)،وكل إخلال بهذه المقتضيات يمكن أن يعرض الحزب إلى إمكانية المطالبة بحله.
المبحث الثاني:الأحزاب السياسية في ظل جائحة كورونا
لقد حاول دستور 2011 والقانون التنظيمي 29.11 المنظم للأحزاب السياسية من ضمان الحكامة الحزبية والديمقراطية داخل الحزب، من أجل إفراز نخب ذات كفاءة، تساير منطق دستور 2011.
منذ ظهور فيروس كورونا، قامت الحكومة المغربية بإتخاذ إجراءات إحترازية تنفيذا للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، إلا أنها صادقت على مشروع قانون 22.20 المتعلق بوسائل التواصل الإجتماعي، فضربت بذلك الدستور والإتفاقيات الدولية عرض الحائط، فهذه الأوقات الصعبة،تحتاج للتضامن والوحدة ولا تحتاج لسن قوانين غير مطابقة للدستور،فهذا المشروع قانون 22.20،ما هو إلا دليل قاطع عن إنعدام النخب ذات الكفاءة،وهذا بسبب عدم مسايرة الأحزاب السساسية لروح دستور 2011 والقانون التنظيمي 29.11،فالأحزاب السياسية بالمغرب يمكن تشبيهها ب”الزوايا” نظرا لإستمرار نفس الوجوه ونفس الأشخاص في المشهد الحزبي، بحيث يتم توريث المناصب بين العائلات داخل الحزب، ولا يتم تزكية أصحاب الكفاءة، فمنذ تسريب مشروع قانون 22.20، الجميع تبرأ منه، مع العلم أن الدستور الجديد واضح(الحكومة تتحمل المسؤولية بكيفية تضامنية) ، بل أكثر من ذلك أن القانون التنظيمي 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها هو بدوره واضح، فقد أعطى لرئيس الحكومة دورا محوريا، وحتى للأمين العام للحكومة، فالمواطنات والمواطنون ينتظرون من الحكومة إصدار قرارات تبعث روح التضامن في هذه الفترة بالذات وليس التفرقة، وكما قال نابليون: “لن يذكر الشعب الفرنسي الانتصارات الكثيرة التي حققتها، لأن هزيمة واترلو مسحت من ذاكرته تلك الانتصارات، ولكن النصر الأكيد الذي حققته والذي سيعيش طويلا وسيتذكره العالم أجمع هو القانون المدني الفرنسي”(16)، فالقوانين توضع ليتذكرها الجميع ويتذكر بفخر واضعيها ويمجد المراحل التاريخية التي شرعت فيها(17).
وكما يقول الدكتور” المنتصر السويني”إن الأحزاب السياسية المتشبعة بالديمقراطية والحرية والقيم الكونية حينما تصل لسدة الحكم (الحكومة والبرلمان) تفضل تشريع قوانين تحمل الصيغ التالية “تسمح” وتشتق منها كلمة “تعميم” مثلا تعميم التغطية الصحية وتعميم الترقية… إلخ، وفي بعض الأحيان عند الضرورة تلجأ إلى صيغة الأمر ونادرا ما تلجأ لصيغة المنع، كل هذا لضمان الحرية للشعب، بينما الأحزاب السياسية السلطوية الديكتاتورية،تلجأ في تشريعها دائما إلى صيغة “المنع” وتستخدم هذه الكلمات “يسجن، يعاقب، يغرم… إلخ” ونادرا جدا ما تلجأ لصيغة “تسمح”،شهيتها تكون هي القمع لهذا السبب تثرثر وتفقد القاعدة القانونية خاصياتها وكما يقول جورج بورديو:”إن القاعدة القانونية لم تعد عامة،ولم تعد مجردة، ولم تعد دائمة”.
إن مشروع قانون 22.20 ما هو إلا كشف عن الخلل الذي تعاني منه المنظومة الحزبية بالمغرب، فالتعددية المفرطة كانت سببا.
إذا عدنا للوثيقة الدستورية نجد أن المشرع المغربي لا يقصد به البرلمان فقط، بل حتى الحكومة وهذا ما لامسناه في حالة الطوارئ الصحية من خلال تفعيل الفصل 81 من الدستور، في إطار تكريس العقلنة البرلمانية،لكن الدكتور “المنتصر السويني” ، يصنف المشرع المغربي إلى نوعين،فهناك نوع عادي وهو الذي ذكرنا، وهناك نوع إستثنائي ويقسمه لأربعة أصناف:
+التكنوقراط؛
+المكاتب الإدارية؛
+محرري المشاريع؛
+اللوبيات.
ويضيف، أن هذا المشرع الإستثنائي الذي يشرع خلف الستار، لا يترك بصمته،ومشاريع القوانين التي يقدمها، لا تنسب لجهة معلومة،ويمكن إسقاط هذا الكلام على تجربة مشروع قانون 22.20،فالجميع تبرأ منه، الأحزاب السياسية المكونة للحكومة، رغم أن الدستور المغربي واضح والقانون التنظيمي 065.13 واضح كذلك، ويبقى السؤال إذا كانت جميع الأحزاب السياسية في الحكومة تتبرأ من مشروع قانون 22.20، إذن من الذي صادق عليه في المجلس الحكومي، ومن يترأس المجلس الحكومي؟ أليس رئيس الحكومة هو من يترأسه بموجب الفصل 92 من الدستور؟ بل أكثر من ذلك، لاحظنا إرتباك حتى في المواقف الحزبية، فحتى الأحزاب التي كانت في المجلس الحكومي، خرجت ببيانات ضد مشروع قانون 22.20 ، ولاحظنا أن مسار إعداده كله إرتباك (إقتراح-تقديم-إجتماع مجلس حكومي-مصادقة-عدم المصادقة؟).
قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2018:”… والواقع أن المغرب يحتاج، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم؛ وإلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات…” المشكل الذي تعاني منه الأحزاب السياسية كما يقول الدكتور “المنتصر السويني” أن قادتها ليسوا بحجم الوطن، بمعنى قادة ماضيهم لم يثبت للشعب أنهم وطنيين بالتضحية، قادة ينتظرون الإنتخابات لكسب عطف الشعب، برامجهم الإنتخابية مبنية على التنبؤ، قادة تغيب فيهم الكفاءة، قادة همهم الوصول إلى السلطة للحصول على الريع السياسي(التقاعد)،قادة عند وصول موعد الإنتخابات وولايتهم الحكومية والتشريعية ستنتهي يعملون على سن قوانين لصالحهم حتى يظلوا في الحكم،مما دفع الشعب وأسطر على هذا القول “للثقة فقط في المؤسسة الملكية و العزوف عن الإنتخابات”، يقول بيل بلازيو عمدة نيويورك عن حملة هيلاري كلينتون: “لم تقدم لنا السيدة هيلاري كلينتون الأفكار القوية”. أما الكاتب كيفان ويليمسون فقال عن حملتها: “نعرف أنها تريد أن تصل إلى البيت الأبيض ولكن لا نعرف ماذا تريد أن تفعل بعد الوصول إلى البيت الأبيض”. وبالتالي فإن البحث عن المناصب والريع قتل للسياسة(18).
إن القادة بحجم الوطن زمن قد ولى(عبد الرحمان اليوسفي، عبد الرحيم بوعبيد، علال الفاسي، عبد الله إبراهيم… إلخ) هؤلاء القادة كانت تتوفر فيهم الكفاءة والقدرة على قيادة الجموع وتلبية حاجياتهم بل أكثر من ذلك هؤلاء القادة بحجم الوطن لهم ماضي جيد يتذكره الشعب وهو الكفاح من أجل الإستقلال، نحن الآن فقط أمام قادة عاديين في الأحزاب السياسية، ليس لهم ماضي يتذكره الشعب، لا تتوفر فيهم الكفاءة، غير قادرين على قيادة الجموع، بل أكثر من ذلك يتخذون القرارات وغير قادرين على الخروج أمام العموم وتبرير قراراتهم بكل شجاعة وهذا ما لاحظناه مع مشروع قانون 22.20 الكل يتبرأ منه، إن الجواب عن الضعف الحزبي نجده في الخطاب الملكي السامي(عيد العرش 2017) لجلالة الملك محمد السادس نصره الله حيث انتقد جلالته أعزه الله السياسيين.
إن المطلوب من الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة سحب مشروع قانون 22.20 وليس تعديله أو تأجيل البت فيه، وأن تركز في إفراز نخب ذات كفاءة تسير هذا الوطن، وتتماشى مع فلسفة وروح دستور 2011،لا أن تفرز لنا قوانين لا علاقة لها مع الدستور ولا مع المواثيق الدولية، إرضاءا للشركات.
إن الأحزاب السياسية تعتبر مسؤولة عن تدني الأخلاق والقيم السياسية، وعن أزمة السياسة،من خلال نفور قطاعات شعبية واسعة جدا سواءا من الإنتظام داخل الأحزاب أو المشاركة السياسية ذاتها، الأمر الذي يغذي العديد مم الآفات السوسيوسياسية، نجد على رأسها السعي إلى البحث عن البديل في قوى وتيارات توجد على هامش النسق السياسي.
فمن الواضح أن تطوير ممارسة حزبية فاعلة وبناءة قادرة على المساهمة إيجابيا في إنجاح مهام الإنتقال الديمقراطي رهينة أساسا بأسلوب الممارسة الداخلية للأحزاب،وبربح معركة التغيير الديمقراطي الذاتي، فعوض أن تكون الأحزاب السياسية تمارس الماركتينغ السياسي،يجب عليها الإبتعاد عن منطق الربح والخسارة وأن تضع مصلحة الوطن والمواطنين هي الأولى وليس الظفر بالمقاعد أو سن قوانين لتحقيق المصلحة الذاتية أو لتعبيد الطريق للبقاء في السلطة. فلا يمكن أن نطمح إلى تطوير المجتمع وإصلاح الدولة بآليات تعاني خصاصا ديمقراطيا ذاتيا، وهي ذاتها في حاجة إلى إصلاح وتقويم هيكلي.
إننا نعيش عصر الحكامة، والحكامة الحزبية تعني وضع الأحزاب السياسية قوانين ومبادئ أساسية وأخرى داخلية، تنظم العمل الداخلي وتحدد الإختصاصات والمسؤوليات ومن جانب آخر تؤسس لعملية تكريس الديمقراطية الداخلية من خلال انتخاب الهيئات التقريرية والتنفيذية، كما تحدد إطار اشتغال كل منها عبر قنوات تواصلية داخلية تجعل ممارسة الحكامة وتطبيق الديمقراطية أمرا عاديا سليما(19).
لقد أدت الوضعية التي آلت إليها الأحزاب، بفعل عوامل كثيرة، إلى جعلها ليس فقط غير قادرة على ممارسة وظيفتها في مجال تأطير المواطنين فقط،ولكنها حالت دون تمكينها من تكوين وإفراز نخب سياسية مؤهلة تساهم إلى جانب الدولة في تسيير وتدبير الشأن العام، واقتسام أعباء الحكم عند الإقتضاء(20).
وفي الختام، ينبغي على الأحزاب السياسية أن تنشغل في إصلاح ذاتها، والتركيز على التأطير وتكوين النخب ذات الكفاءة وإعطاء التزكية لمن يستحقها، حتى تستطيع بذلك إنتاج جيل من الكفاءات الحزبية، يستطيع تسيير الشأن العام واتخاذ قرارات لصالح الوطن والمواطنين، ويساهم بقراراته في بناء الوطن وتنميته ويحافظ على كرامة وحرية مواطنيه وكما قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في خطاب العرش لسنة 2019:”…إن المغرب ملك لجميع المغاربة، وهو بيتنا المشترك. وعلينا جميعا، كل من موقعه، أن نساهم في بنائه وتنميته، وأن نحافظ على وحدته وأمنه واستقراره.
مغرب يتسع لكل أبنائه، ويتمتع فيه الجميع، دون استثناء أو تمييز، بنفس الحقوق، ونفس الواجبات، في ظل الحرية والكرامة الإنسانية… “.
الهوامش :
1-ظهير شريف 1-11-91 الصادر بتنفيذ دستور 2011،بتاريخ 29 يوليوز 2011،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر،بتاريخ 30 يوليوز 2011،الصفحة: 3600.
2-ظهير شريف 1-11-166 الصادر بتنفيذ القانون التنظيمي 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية،بتاريخ 22 أكتوبر 2011،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5989،بتاريخ 24 أكتوبر 2011،الصفحة :5172.
3-الظهير الشريف الصادر بتنفيذ دستور 1962 بتاريخ 14 دجنبر 1962،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 2616 مكرر بتاريخ 19 دجنبر 1962،الصفحة:2993.
4-الظهير الشريف 1.70.177 الصادر بتنفيذ دستور 1970 بتاريخ 31 يوليوز 1970،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 3013 بتاريخ 1غشت 1970،الصفحة:1930.
5-الظهير الشريف 1.72.177 الصادر بتنفيذ دستور 1972 بتاريخ 10 مارس 1972،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 3098 بتاريخ 15 مارس 1972،الصفحة:626.
6-الظهير الشريف 1.92.155 الصادر بتنفيذ دستور 1992 بتاريخ 9 أكتوبر 1992،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4172 بتاريخ 14 أكتوبر 1992،الصفحة:1247.
7-الظهير الشريف 1.96.157 الصادر بتنفيذ دستور 1996 بتاريخ 7 أكتوبر 1996،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4420 بتاريخ 10 أكتوبر 1996،الصفحة:2281.
8-ظهير شريف 1.06.18 الصادر في 14 فبراير 2004 بتنفيذ القانون 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5397 بتاريخ 20 فبراير 2006،ص:466.
9-المادة 1 من القانون التنظيمي 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية.
10-المادة 19 من القانون التنظيمي 29.11.
11- المادة 27 من القانون التنظيمي 29.11.
12-سعيد جادلي،جريدة الأحداث المغربية، الخميس 27 أكتوبر 2011.
13-المادة 42 من القانون التنظيمي 29.11.
14- المادة 29 من القانون التنظيمي 29.11.
15-ظهير شريف 1.15.33 الصادر بتنفيذ القانون التنظيمي 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها.
16-المنتصر السويني،”مشروع القانون 22-20 ما بين اليد المسؤولة واليد الخفية” ،مقال منشور بجريدة هسبريس، تاريخ التصفح، يوم السبت 9 ماي 2020،على الساعة الرابعة صباحا.
17-نفس المرجع السابق.
18-نفس المرجع السابق.
19-طارق أثلاثي،”الحكامة الحزبية بالمغرب، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والإقتصاد عدد 8، 2008،الصفحة:18.
20-أحمد بوجداد،”الملكية والتناوب:مقاربة الإستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي”، الطبعة الأولى سنة 2000،الصفحة: 113.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *