الاتحاد الاشتراكي المتحرر !!

علي الغنبوري

عندما أقرت قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي مبادرة المصالحة و الانفتاح ، ساد النقاش داخل الحزب وخارجه في اتجاه جعل هذه المبادرة منطلقا للتفكير في إعادة الاتحاد الى سابق عهده ، على المستوى التنظيمي و السياسي ، لكن ما لم ينتبه له البعض و للاسف ، ان المطلوب ليس هو إعادة الحزب الى نفس سكته و بنفس آليات اشتغاله و إنتاجه السياسي و التنظيمي ، فالمطلوب هو إعادة بناء حزب بمنهج جديد و بفعل سياسي و تنظيمي مغاير ، قادر على الحفاظ اولا على فكر و توجهات الاتحاد السياسية و الفكرية ، و يستطيع ثانيا مواكبة المتغيرات الهائلة التي عرفتها البنية المجتمعية المغربية ، و يمكنه ثالثا ، الفعل السلس و المؤثر داخل المنظومة السياسية .

ما لا يريد البعض فهمه أن الاتحاد الاشتراكي بصيغته القديمة ، قد استنفذ مهامه و لم يعد قادرا على الفعل داخل المجتمع ، ولم تعد له القوة المؤسساتية لترجمة برنامجه المجتمعي على أرض الواقع ، واصبح مثقلا بقواعد و ضوابط تنظيمية بالية و متجاوزة ، تمنعه من الانفتاح على المجتمع و طاقته و تحد من قدرته على تجديد دمائه .

فالاتحاد الاشتراكي كان قويا لانه كان حركة مجتمعية ، تضم في صفوفها كل التناقضات المجتمعية الممكنة ، يوحدها نضالها المشترك ضد الاستبداد و القمع ، سرعان ما ستظهر هذه التناقضات و هذه الاختلافات و التمايزات ، مباشرة بعد حكومة التناوب التي قادها الحزب ، حيث ظهرت هشاشة الحزب التنظيمية و تباينات مكوناته السياسية ،وسار الحزب نحو الدمار الذاتي .

اذا كان الاتحاد الاشتراكي مطالب بالمصالحة مع مناضليه فإنه في المقابل مطالب بالانفتاح على المجتمع و طاقته، و لا يمكنه ان يظل حبيس منطق نضالي جاف يجعل من المنتمين اليه عناصر تقديس ، لا يمكن له أن يبني و يؤطر المجتمع الا بهم وحدهم ، فهو اليوم حزب سياسي يهدف إلى ممارسة السياسة و التأثير و التفاعل مع المتغيرات المجتمعية .

اصلاح الاتحاد الاشتراكي و إعادة توهجه يكمن بالاساس في تحوله إلى حزب سياسي حقيقي بادوات سياسية موضوعية و ببرنامج سياسي واضح ، ينطلق من تصوراته الإشتراكية الديمقراطية ،و من قناعاته الوطنية غير القابلة للنقاش او السجال ، و التي لا تخضع لأي مساومة او ابتزاز .

صحيح ان الصراع التنظيمي داخل الاتحاد الاشتراكي ، و خاصة بعد المؤتمر التاسع ، افقد الاتحاد كثيرا من نقاطه السياسية ، لكنه في المقابل حرره من نظام المحمايات التنظيمية التي كان يمارسها عدد من اقطابه ، و التي كانت تمنع اي تغير او تقدم في صفوف الحزب ، في ظل توافقات عقيمة كانت تكرس لمنطق “الوزيعة” داخل الحزب.

هذا التحرر و ان كان باهظ الثمن ، الا انه مكن الحزب من التعافي التدريجي من تأثير الصراعات التنظيمية الطويلة الامد ، و من العودة الى المنافسة السياسية و الجذب المجتمعي ، و من تقديم نفسه كحزب سياسي قادر على التأثير داخل المنظومة السياسية ،و من تلبية طموحات و رهانات الشعب المغربي ، وفق تصورات مضبوطة و موضوعية تستحضر الحاضر و تستشرف المستقبل ، و تنطلق من عمق مشروعه المجتمعي .

ما يقوم به الاتحاد الاشتراكي و ما يشهده من دينامية سياسية و تنظيمية قوية ، خلال الفترة الأخيرة ، يؤكد بالملموس ، نجاح استراتيجيته المبنية على المصالحة و الانفتاح ، و نجاح تصور قيادته لإصلاح الحزب و جعله فضاء سياسي متصالح مع مناضليه، قريب من المجتمع و قادر على قيادته .

فالدينامية التي يشهدها الحزب، و عمله المتواصل للتحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة ، لم يعد خاضع لمنطق العشوائية و الشعارات العاطفية ، بل هو اليوم و لأول مرة مؤطر بتصور سياسي واضح و متوافق مع قناعاته السياسية و الفكرية، فالحزب اختار على لسان كاتبه الاول قبل أن يخوض في موضوع الانتخابات ،ان يؤطرها بشعار التناوب الاجتماعي كاساس لكل تعاقداته سواء مع الشعب او مع مناضليه و مرشحيه .

الاتحاد الاشتراكي لا يخوض الانتخابات المقبلة ، فقط من أجل المنافسة و الفوز ، بل يخوضها من اجل برنامجه المجتمعي الوطني ، و ينفتح على كل الطاقات المجتمعية المؤمنة بهذا البرنامج و القادرة على ضمان تمكين الحزب من ترجمته على أرض الواقع مؤسساتيا و مجتمعيا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *