الاتحاد الاشتراكي في مواجهة الارض المحروقة !!!

علي الغنبوري

لا احد يمكنه ان ينكر ان الاتحاد الاشتراكي ، عاش على وقع صراعات و تجاذبات قوية و طويلة المدة ، عمقت الهوة بين مناضليه من جهة و بين المجتمع من جهة اخرى ، صراعات دفع الحزب ضريبتها غاليا ، و جعلت و جوده على المحك .

هذه الصراعات التي تعود جذورها الى سنوات طويلة من التدبير الترقيعي للازمة التنظيمية و السياسية التي يتخبط فيها الحزب ، بعيدا عن اي نقاش جدي رسمي او غير رسمي ، جعلت الكل ينهج اسلوب الجلد و الضرب المبرح في حق الحزب ، و رسخت عند الكل منطق الطهرانية و البراءة السياسية و التنظيمية ،و دفعت الجميع الى البحث عن شماعات تعلق عليها كل الاخطاء و كل التراكمات السلبية التي التصقت بعجلة الحزب منذ عقود من الزمن .

هذه الوضعية المأزومة ،لا يختلف حولها احد ، فحتى القيادة الحزبية الحالية تدرك تفاصيلها و تقر بوجودها ، و اكدت على خطورتها في عدد من المناسبات ، بمنطق نقدي ،دفع الى بلورة مفهوم جديد على الحياة التنظمية الاتحادية ، اساسه المصالحة الداخلية ، و الدعوة الى العودة الى صفوف الحزب و تجاوز اخطاء الماضي القاتلة ، و تصفية الاجواء ، في افق عقد مؤتمر ديمقراطي ، يختار فيه الاتحاديون و الاتحاديات من يمثلهم .

صحيح ان التفاعل و الاستجابة مع نداء المصالحة داخل الاتحاد الاشتراكي عرف تباينا مضطردا بين مناضليه ، فمنهم من اختار العودة الى صفوف الحزب ،و منهم من فضل البقاء على مسافة من الوضع التنظيمي الحالي ، لكن المشكل لا يكمن في هادين المكونين ،بل المشكل يكمن في مكون ثالث اختار اصحابه الخروج العلني من الحزب ،و الانخراط في تجارب سياسية اخرى ، مع الابقاء على نفس نسق الجلد و التقريع و الضرب في الحزب ، و كانهم لا زالوا داخله ، يشكلون معارضته و حماته .

ان ما عاشه الاتحاد ، كان يقتضي على الجميع الاتفاف حوله و الصمود داخله ، و العمل بشتى الطرق على اصلاحه ،و اعادة وهجه ، لا الانسلال في اول منعرج ، و البحث عن افاق سياسية جديدة ، و كان هذا الحزب لم يكن في يوم من الايام بيتهم و مدرستهم التي منحتهم كل شيء .

ان اختيار الاتحاد الإشتراكي، يفرض البقاء فيه و التشبت به و الحفاظ على وحدته ،و البحث عن كل المخارج الممكنة لتجميع مناضليه ، من خلال الاعتراف الجماعي بالاخطاء و الاختلالات المتراكمة داخله منذ نشأته ،و عدم نحو طريق البحث عن اكباش فداء ، تمكن من تجاوز ظرفي و تنميقي للازمة ، لاعادة اجترار نفس الدورة التنظيمية و السياسية .

أن تعارض الاداء التنظيمي و السياسي للاتحاد الاشتراكي ، يعني ان تكون داخله و ان تتشبت به ، و الا سيصبح الامر متعلق بخصومة سياسية ، يكون اساسها التنافس السياسي اللاخلاقي بين انتمائيين سياسيين مختلفين ، يصر احد اطرافها على تسفيه و تشويه الاخر ، دون اي احترام لضوابط و قواعد و اخلاق العمل السياسي النبيل .

العمل الحثيث على تشويه الاتحاد و تصويره للراي العام كجثة ميتة يتوجب دفنها ، و الاصرار على الخوض في اموره وشؤونه التنظيمية ، رغم الانخراط بحزب سياسي اخر ، لا يمكن تفسيره الا في اطار ، استراتيجية الارض المحروقة ، التي تنطلق من منطلقات انانية ، يكون دافعها الاساسي هو ” اما نحن و اما الجحيم”.

فالانبعاث و التأسيس الجديد لا يستقيم مع النزعات الانانية و الهدامة ، التي تغفل و تتناسى دور الاتحاد و ما قدمه لمناضليه قبل ان يقدموه هم له ، ولا تستقيم كذلك مع الرؤى الشوفينية التي تجعل من اختياراتها ، الحقيقة المطلقة ، و تدفع نحو تسفيه كل الاختيارات غير المتوافقة معها .

اختيار الخروج من الاتحاد الاشتراكي و الانخراط بتجارب سياسية اخرى ، هو حرية شخصية ، لا يمكن الوقوف امامها او الطعن فيها ، اذا ما توافرت العناصر المؤسسة لقناعة الفرد على اتخاد هذا القرار ، لكن هذا الاختيار لا يمكنه ان يجعل من الاتحاد مطية يتوجب الدوس عليها و امعان اقبارها تحت الارض ، لصناعة متنفس سياسي جديد ، لا يحقق في العمق الا رغبات شخصية و فردية في الانتقام و محاولة اثبات الذات بشكل اناني يتجاوز كل ما هو مشترك.

نقد الاتحاد هو حق ليس لمناضليه فقط، بل هو حق لكل المغاربة باعتبار الحزب اداتهم و قناتهم السياسية ، لكن هذا النقد اذا سلك طريق الاقبار و الاجهاز و الوأد، و خاصة من من ينتمون لاحزاب اخرى ،يصير حربا مفتوحة تداخل فيها عناصر الذاتية و محاولات الهدم غير المبررة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *