الامين مشبال يكتب.. خلفيات إعتراف تاريخي (2)

الامين مشبال
تغير العالم، وسقط جدار برلين، وعالم ما بعد كورونا قيد التشكل. وشرعنا،نحن جيل السبعينيات وسنوات الرصاص، في الرحيل نحو العالم الآخر تباعا، تاركين القضية الفلسطينية بدون حل عادل على المدى المنظور.و الأكيد أننا سنورث همومها لأولادنا وأحفادنا.
بعد طول تردد، ارتأيت أن أدلي بدلوي، بتأملات(على شكل سلسلة حلقات) تتطرق لبداية علاقتي كمناضل يساري بالقضية الفلسطينية، ودورها في تشكيل وعيي السياسي. ثم سأنتقل بعد ذلك للتطرق لإشكالات من وحي الحاضر من قبيل العلاقة الاستراتجية مع أمريكا، وانعكاسات الاعتراف المغربي بإسرائيل، وموقع فلسطين في الفكر والنضال السياسي على ضوء تجارب تاريخية عشناها كمغاربة.

أثار قرار تأسيس حلف استراتجي مع الولايات المتحدة الأمريكية واستئناف علاقاته مع إسرائيل، في أفق ترسيم العلاقات بينهما، زوبعة لن تهدأ قريبا، وانقساما ليس فقط وسط النخبة السياسية والمثقفة بل لدى عموم المواطنين ما بين مؤيد ومعارض للخطوة التي أقدمت عليه الدولة المغربية.

صحيح هناك إجماع وترحيب لدى المغاربة (باستثناء شرذمة من أصحاب الكهف)بالاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على صحراءه، لأن الجميع يدرك أهميته وانعكاساته المحتملة على نزاع بدأ مشروعا وطنيا وثوريا، وانتهى به المطاف إلى لعبة أمم ومصالح جيو استراتجية بيد النخبة العسكرية الحاكمة بالجزائر.

القرار الأمريكي بالاعتراف بالسيادة المغربية لم يكن نتيجة نزوة سياسية أو أحد ردود الفعل الانفعالية التي اشتهر بها الرئيس ترامب. فالسياسة الخارجية الأمريكية هي نتاج تدخل عدة أطراف ومؤسسات تصنع القرارات، والتي يمكن تحديدها إجمالا في الكونجرس ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع،ناهيك عن أطراف تؤثر في تلك العملية مثل وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث.

من هنا فإن قرار الولايات المتحدة هو اختيار استراتجي ولا يمكن اختزاله في عملية مقايضة: الاعتراف الرسمي بدولة إسرائيل مقابل الاعتراف بمغربية الصحراء. فالقرار المذكور، الذي يتضمن شقا اقتصاديا يتمثل في استثمارات أمريكية بإقليم الداخلة تصل إلى ثلاثة ملايير دولار، يتعين النظر إليه كأحد تجليات الحرب الباردة الجديدة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين التي أخذت حدة كبيرة في ظل حكم ترامب والتي لن تخفت في ظل الإدارة المرتقبة لجون بايدن.
ولإدراك جدية الموضوع وخطورته على مستقبل الولايات المتحدة كأول قوة اقتصادية وعسكرية في العالم يمكن الرجوع لعدة دراسات كانت آخرها ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية على موقعها بالأنترنيت أمس السبت 26 دجنبر2020 ،استندت فيها على دراسة أنجزها مركز بريطاني للبحث والتفكير،مفادها أن الصين ستصبح قبل نهاية 2030، وتحديدا سنة 2028، القوة الاقتصادية الأولى في العالم، أي خمس سنوات قبل التاريخ الذي كانت تشير إليه دراسات سابقة حول الموضوع.ومما يرجح هاته التوقعات،حسب نفس الدراسة، التراجع الحاد للاقتصاد الأمريكي بخمسة نقاط نتيجة جائحة كوفيد19، مقابل تعاف سريع للاقتصاد الصيني الذي سيشهد رغم هاته السنة الاستثنائية نموا بنسبة 2 بالمائة.

هذا الخطر المحدق بزعامة العم سام للعالم، يجعل الولايات المتحدة تتخذ إجراءات وقرارات على عدة واجهات بغية تلافيه ومن ضمنها السعي لتدارك السبق الاقتصادي الذي حققته الصين بالقارة الإفريقية. فلقد أصبحت الصين منذ سنة 2019، أول شريك اقتصادي للقارة الإفريقية عالميا.فبعد أن كان رقم المبادلات التجارية للصين مع القارة الإفريقية يبلغ 10مليار و600 مليون دولار سنة 2002، نجده يقفز إلى أزيد من 208 مليار دولار سنة 2019. وتتركز الاستثمارات الصينية بالدرجة الأولى في مجال البنيات التحتية والتكنولوجيا، ونقل التكنولوجيا.

ضمن هاته الرؤية الاستراتجية الأمريكية للحد من النفوذ الاقتصادي الصيني في إفريقيا،يعتبر المغرب شريكا مهما، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته التاريخية مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربي عموما منذ فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي والتي انتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي نهاية سنة 1991.ومما يزكي واقعية هذا الاختيار الانفتاح الاقتصادي المغربي على إفريقيا وسعيه لبناء علاقات شراكة تقوم على مبدأ رابح /رابح، بحيث بلغت الاستثمارات المغربية في إفريقيا في ظرف زمني وجيز 10 ملياردولار.

فدروس التاريخ تؤكد دوما أن العلاقات بين الدول والشعوب تنمو وتتطور اعتمادا على مصالح ومكاسب اقتصادية مفيدة للجميع.ولعل أكبر مثال يؤكد صحة هذا الطرح الوضع الراهن للعلاقات العربية/العربية من المحيط إلى الخليج.فرغم روابط الدين واللغة والتاريخ التي تجمع ما بين الشعوب والدول العربية فإن النزاعات والصراعات(بما فيها العسكرية)تكاد لا تخلو بين بلدين عربيين جارين مما يجعل أن ما يفرق أكثر مما يدعو إلى التآزر والوحدة.مقابل ذلك نرى أن الأوروبيين رغم الاختلافات في اللغة والتاريخ والدين، وماض مليء بالحروب الدامية (الحرب العالمية الثانية خلفت لوحدها زهاء 60 مليون قتيل)، تمكنوا من تجاوز إرث الماضي المؤلم وشرعوا في بناء مستقبل مشترك انطلاقا من بناء سوق أوروبية مشتركة وعملة موحدة وبرلمان أوروبي.وهذا يذكرنا بقولة العلامة ابن خلدون في الفصل الأول من مقدمته:” إن اختلاف الأجيال في أحوالهم،إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش”، أو ما عبر عنه الفيلسوف والاقتصادي كارل ماركس بقولته الشهيرة:”إن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي”.

مخاوف خليجية

من جهة ثانية فإن الانشغال الأمريكي بتعزيز الوجود الاقتصادي في إفريقيا للحد من نفوذ التنين الصيني، هو جزء من الملفات الحساسة لسياسته الخارجية ومن ضمنها قضية الشرق الأوسط حيث تقوم تصورات الأمن القومي الأمريكي (التي لا تتغير بتغير الرؤساء) على ضمان إمدادات النفط من جهة، وحماية إسرائيل من جهة ثانية.
ضمن هذا السياق التقت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وموقفها الثابت من إسرائيل باعتبارها حليفا استراتجيا، بتصاعد تخوفات الدول الخليجية من تزايد النفوذ والتواجد الإيراني في المنطقة الذي عرف تزايدا ملحوظا ما بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق وقيام نظام شيعي على أنقاضه، وتدعيم التواجد الإيراني في اليمن عبر الحوثيين ، وفي لبنان عبر حزب الله.ناهيك عن نجاح إيران عسكريا في تحقيق النصر السوري ضد داعش وباقي التنظيمات الموالية لتركيا والسعودية وقطر، رغم تكلفته العالية التي تتراوح ما بين 6 و20 مليار دولار سنويا.

تجدر الإشارة إلى أن دول الخليج ظلت تخشى من تدخل عسكري إيراني ما قبل نظام الملالي الحالي.فعلى سبيل المثال لم تتخلى إيران رسميا عن مطالبتها التاريخية بالبحرين إلا بعد مرور 26 شهرا من المفاوضات السرية مع إنجلترا .وسيؤكد الشاه سنة 1972 رفضه للتواجد الأمريكي بالبحرين (التي أصبحت حليفا للسعودية منذ تلك الفترة).ولا ننسى أنه بعد انسحاب بريطانيا أصبحت إيران الشاه تطمح في لعب دور دركي المنطقة. وبعد سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أخذ يتعمق، مع مرور الوقت، التناقض الجيو سياسي مع النظام السعودي الذي اتخذ طابعا مذهبيا( الخلاف السني-الشيعي)، وصراعا من أجل النفوذ في اكتسى طابعا داميا أحيانا كما تشهد عليه أرض اليمن حاليا. وفي سبيل ضمان حماية أمريكية أبرمت السعودية صفقة أسلحة مع إدارة ترامب بلغت مبلغا خياليا (350 مليار دولار)، كما عبرت السعودية عن دعمها ل”صفقة القرن”التي أعلن عنها ترامب في أواخر يناير 2020، والتي تتضمن مشروع تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن لنتانياهو أن يعرض أفضل منه.

خلاصة القول، أضحى الصراع الإيراني/ الخليجي يمثل محدد الصراع في المشرق العربي، ونشأ عنه واقع سياسي جديد على أساسه تتأسس الأحلاف السياسية والعسكرية، وجعل بلدانا خليجية تعتبر إقامة علاقات ديبلوماسية واقتصادية مع إسرائيل والاحتماء بترسانتها العسكرية وإمكانياتها العالية في المجال الأمني والتكنولوجي، سبيلها الوحيد لضمان أمنها الاستراتجي.وبالتالي فإن اعتراف السعودية وباقي الدول الخليجية بإسرائيل مسألة تفاصيل واختيار توقيت سياسي ملائم.

أعتقد أن المغرب بحكم علاقاته التاريخية مع الملكيات الخليجية والمملكة العربية السعودية، ولكون علاقاته الديبلوماسية مقطوعة مع إيران منذ سنوات على خلفية تواجد عناصر من حزب الله في مخيمات تندوف قصد تدريب جبهة البوليزاريو على حرب العصابات وشق الانفاق وما إلى ذلك، قد اختار المعسكر الذي سيتحالف معه بما يضمن مصالحه الحيوية.وهو بذلك لم يأت بجديد، إذ أن المغرب منذ ستينيات القرن الماضي اختار التموقع ضمن المعسكر الغربي، بخلاف دول عربية أخرى اختارت آنذاك المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي كما كان الشأن بالنسبة للجزائر وليبيا ومصر وسوريا.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *