عاد اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي بقوة إلى النقاش التاريخي والسياسي، تزامنا مع مرور مئة عام على استسلامه للقوات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، في ذكرى أعادت فتح ملف رجل ما يزال حضوره يتجاوز صفحات التاريخ، ويمتد إلى أسئلة الذاكرة والمقاومة وعلاقة الريف بالدولة المركزية.
وتوقفت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية عند هذا الإرث في تقرير حمل عنوان “ما الذي ينبغي فهمه عن أشهر بطل مناهض للاستعمار في المغرب؟”، معتبرة أن مرور قرن على نهاية ثورة الريف أعاد طرح أسئلة عميقة حول شخصية الخطابي وموقعه في الوجدان المغربي، باعتباره أحد أبرز رموز المقاومة المسلحة ضد الاستعمار خلال القرن العشرين.
وينحدر الخطابي من أسرة علمية وقضائية بارزة، وبدأ مساره قاضيا ومثقفا داخل بيئة ريفية عرفت تاريخيا بنزوعها القوي إلى الاستقلالية ورفض الخضوع للنفوذ الخارجي. كما اشتغل في مراحل مبكرة ضمن الإدارة الإسبانية، وخاض تجربة في القضاء والصحافة، قبل أن يتحول تدريجيا إلى معارض صريح للوجود الاستعماري الإسباني، وهو المسار الذي قاده لاحقا إلى الاعتقال.
وفي سنة 1921، قاد الخطابي تحالفا قبليا واسعا ضد الجيش الإسباني، وتمكن من إلحاق هزيمة قاسية به في معركة أنوال، حيث انهارت القوات الإسبانية وسقط نحو 15 ألف جندي، في واقعة صنفت ضمن أكبر الهزائم العسكرية الأوروبية في إفريقيا خلال تلك المرحلة.
وعقب هذا الانتصار، أعلن الخطابي قيام “جمهورية الريف”، مختارا صيغة الجمهورية بدل الإمارة أو السلطنة، في محاولة لبناء تنظيم سياسي جديد يوحد القبائل المحلية ضمن مشروع يتجاوز منطق المقاومة القبلية التقليدية، ويفتح أفقا مختلفا للحكم والتنظيم.
ويشير التقرير إلى أن الخطابي لم يطالب بعرش المغرب، ولم يدخل في صدام مباشر مع شرعية السلطان، غير أنه قدم نموذجا سياسيا مغايرا للحكم الملكي التقليدي، وهو ما جعل إرثه محاطا بحساسية خاصة داخل بعض القراءات السياسية المغربية.
وقد تجاوز صدى ثورة الريف حدود المغرب، بعدما تحول الخطابي إلى رمز عالمي لحركات التحرر ومناهضة الاستعمار، خاصة لدى التيارات اليسارية وحركات المقاومة في أوروبا والعالم العربي والولايات المتحدة، حيث صار اسمه مرتبطا بفكرة مقاومة الإمبراطوريات من مواقع محلية محدودة الإمكانات.
وخلال الحرب، واجهت فرنسا وإسبانيا مقاومة شرسة من قوات الريف، قبل أن تلجآ إلى تعبئة عسكرية واسعة شملت القصف الجوي واستعمال أسلحة كيميائية، من ضمنها غاز الخردل في عدد من مناطق الريف، ما خلف آثارا إنسانية قاسية ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للمنطقة.
وتفيد روايات صحفية أوروبية وأمريكية من تلك الحقبة بأن صور القصف ومعاناة السكان وجدت طريقها إلى الإعلام الدولي، وأسهمت في خلق موجة تعاطف واسعة مع الريف وسكانه في مواجهة القوى الاستعمارية.
وفي سنة 1926، انتهت الحرب باستسلام الخطابي للقوات الفرنسية، بعدما فضل هذا الخيار على الوقوع في يد الإسبان، قبل أن ينفى لاحقا خارج المغرب ويواصل من منفاه التعبير عن مواقفه السياسية المعارضة.
وبعد استقلال المغرب سنة 1956، رفض الخطابي العودة من القاهرة، معتبرا أن الاستقلال لم يكتمل بالصورة التي تنهي كل أشكال النفوذ الأجنبي، كما وجه انتقادات واضحة لاختيارات الدولة وعلاقاتها بالقوى الغربية.
وخلال خمسينيات القرن الماضي، دعم من منفاه “جيش التحرير” الذي واصل مواجهة الاستعمار الفرنسي والإسباني، قبل أن يعرف الريف سنة 1958 احتجاجات مسلحة ضد الدولة المغربية، في سياق توترات مرتبطة بالتهميش وغياب التنمية.
وقد قاد ولي العهد آنذاك، الحسن الثاني، حملة عسكرية لإخماد تلك الأحداث، ما عمق الجراح التاريخية في علاقة الريف بالمركز، وهي علاقة ظلت مشحونة في مراحل لاحقة، وبرزت مجددا خلال انتفاضة 1984.
ويربط التقرير هذا الإرث التاريخي بحراك الريف سنة 2016، الذي انطلق عقب وفاة محسن فكري، حيث رفع المحتجون صور عبد الكريم الخطابي وأعلام “جمهورية الريف”، باعتباره رمزا للكرامة ومقاومة التهميش واستحضار ذاكرة لم تطوها العقود.