المخفي يكتب: الدعوة للمقاطعة بين الحرية في التعبير و المقتضيات القانونية ألمانيا نموذجا

عزيز المخفي يكتب: الدعوة للمقاطعة بين الحرية في التعبير والمقتضيات القانونية: ألمانيا نموذجا

منذ ان انطلقت الدعوة لسحب مشروع قانون 20.22 وانا أحاول جاهدا ان أجد، أولا مشروع القانون المثير للجدل، ذلك انه دون قراءته لا يستقيم التعقيب عليه ولا الحكم عليه ان كان فعلا قانونا لتكميم الافواه بما يحيل قطعا الى لا دستوريته، ام هو قانون تكميلي لقانون المنافسة ام قانون الحريات العامة. فلا حكم فبدون نص. أحاول جاهدا كذلك ان اعثر على نقاش عمومي او مقالات لحقوقيين او قانونيين يفصلون في مواد وثنايا هدا القانون المثير للجدل وتبيان مدى ملاءمته او تعارضه مع الحق في حرية التعبير وما الى ذلك من اتهامات له بإرجاع المغرب الى العهد البائد في مجال الحقوق والحريات. كل ما وجدت كان عبارة عن تنديد مبهم دون تعليل او تبرير وبيانات بئيسة لأحزاب تختبا وراء عموميات الحق في التعبير ولا تستطيع الدفاع عن موقفها وموقف ائتلافها الحكومي. يا للبؤس!

وطالما لم أجد من المعلومات غير الشح القليل وبعد نقاش مستفيض مع كثير من الأصدقاء المؤيدين والمعارضين للقانون، من داخل المغرب وخارجه وحول جواز قانون كهذا بالديار الاوربية كدول ديمقراطية تتخذ من الحق في التعبير قاعدة للمنظومة القانونية لها، ارتأيت ان اتقاسم معكم قراءة الوضعية القانونية للدعوة الى المقاطعة من خلال البنية والترسانة القانونية لألمانيا الى حين ان تتضح صورة مشروع القانون بالمغرب.

بألمانيا ليس من السهل الحصول على جواب واضح لتقاطع وتداخل جملة من القوانين في تأطير الموضوع، فبين القانون الأساسي (الدستور) الذي يضمن لكل شخص الحق في التعبير عن رايه دون قيد او شرط، وبين رزمانة قوانين المنافسة، الاحتكار، التجارة و القانون المدني، اللذين يضمنون عدم التمييز والحق في المنافسة المتكافئة والنزيهة، مجال للتأويل لكل دعوة للمقاطعة على حدة. فهناك مطرقة الدستور وسندان قانون المنافسة، غير ان القانون الألماني عموما يحد من الدعوة للمقاطعة ولا. يجيزها الى استثناءا وبشروط.

المقاطعة من الناحية السياسية والقانونية هي الرفض، عدم المساهمة وعدم التفاعل. فالمقاطعة هي وسيلة ضغط منظمة لاستبعاد شخصية خاصة او شركة من المعاملات التجارية، وحسب قانون المنافسة الألماني هي عملية رفض منظم لشراء منتجات رجل اعمال او شركة معينة ينتج عنه خلل وإعاقة للمنافسة الحرة بين المتنافسين، ومن خلال قانون الاحتكار فان الدعوة للمقاطعة هي محاولة من طرف للتأثير على حرية القرار والاختيار لطرف ثاني (المستهلك) كي لا يدخل في معاملة تجارية معينة مع طرف ثالت او يحافظ عليها.

فهل تدخل فعلا الدعوة للمقاطعة في خانة الحق في التعبير المعبر عنه دستوريا دون شروط ام تصطدم بصرامة قانون المنافسة الذي يدعو صراحة الى اتجاه المنع؟ من الناحية المبدئية يسري قانون المنافسة الذي لا يسمح باي ممارسة من شانها الضرر مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين وحماية المنافسة النزيهة بين الفرقاء. غير ان المحكمة الدستورية حكمت في احدى الحالات سنة 2016 بقانونية حملة مقاطعة على الانترنت لإحدى الناشطات ضد شركة لإنتاج ملابس تستعمل فرو الحيوانات. وكان تبرير المحكمة الدستورية كالاتي: تدخل الدعوة للمقاطعة ضمن المادة الخامسة من الدستور الألماني التي تضمن الحق في التعبير عن الراي، إذا كان الهدف منها أي المقاطعة تكوين او التأثير على الراي العام حول قضية سياسية، اقتصادية، اجتماعية او ثقافية دون ان يكون لها مغزى او مصلحة اقتصادية. بمعنى يجب عند الدعوة للمقاطعة النظر في دوافع وهدف وغرض الدعوة للنظر في قانونيتها. لقد كان هدف الدعوى للمقاطعة هو تحريك الراي العام لحماية الحيوانات التي يستعمل فروها في صناعة الملابس من الانقراض والذي يؤطره قانون خاص بألمانيا. وفي تتمة لقرار المحكمة، ان لا تتجاوز الدعوة للمقاطعة أهدافها في التأثير على الراي العام الى إحدات الضرر الاقتصادي، لان القانون يحمي كذلك المؤسسات الاقتصادية من الإفلاس اللاإرادي والغير ذاتي لنتائجه الاقتصادية والاجتماعية السلبية، وأخيرا وسائل واليات الدعوة للمقاطعة لا يجب ان تخرج عن المسموح به دستوريا.

هناك مثال اخر لهذا النوع من الدعوة للمقاطعة وهو الذي تعرضت له شركتا الملابس الألمانية “سي اند أي” و السويدية “اتش اند ام” لاتهامهما بالتعامل مع مصنعين ببنغلاديش يستغلون الأطفال في عملية الإنتاج، وهو ما يتعارض مع القانون الألماني للطفل.

كخلاصة لا يسمح في القانون الألماني في عمومه بالدعوة لمقاطعة منتوج او خدمة أحد المنافسين غير الاستثناء المعبر عنه في اجتهاد المحكمة الدستورية الذي يسمح بالدعوة للمقاطعة حين:
الا يكون الهدف منها اضعاف مؤسسة اقتصادية ومحاولة تقليص حظوظها اتجاه منافسيها.

ان يكون الهدف من الدعوة هو التأثير على الراي العام في قضايا سياسية، اقتصادية، اجتماعية وثقافية في حدود عدم تجاوز هدا الهدف يجب ان لا تكون وسائل تنفيذ الدعوة للمقاطعة مرفوضة دستوريا، ومحدودة في الصراع الفكري للراي والتعبير وان لا تعتمد على وسائل القوة او الاكراه لتبربر الراي من خلال التهديد او الإعلان عن عيوب خطيرة غير مبررة لتدعيم الموقف.

يجب ادن التمييز في طبيعة ونوع وهدف الدعوة للمقاطعة لأنه غالبا تستعمل المواد الصارمة لقانون المنافسة الذي يمنع اضعاف او إعاقة احد المنافسين، فحرية التعبير هنا مقيدة بشروط عدم الحاق الضرر بالغير وتخضع لمبدا التحفظ، فيما يسمح قانون المنافسة في سياق معين الدعوة لمقاطعة منتوجات شركات اجنبية غير فاعلة داخل الاتحاد الأوربي، كدعوة المقاطعة لمنتوجات الفلاحة المغربية من طرف المزارعين الاسبان ولنا عودة لمشروع قانون 22.20 فور نشره لنرى مدى احترامه للحق في التعبير وحماية الحق في تكافئ الفرص بين المؤسسات الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *