الصادق الحيرش: في الحاجة لوقف النزعة التبسيطية في معالجة موضوع كورونا بعالمنا العربي

الصادق الحيرش؛ استاذ بكلية الآداب و العلوم الإنسانية يكتب:
“في الحاجة لوقف النزعة التبسيطية في معالجة موضوع كورونا بعالمنا العربي”

يقول تعالى في كتابه الحكيم: “ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم”
يملك المرء وهو يتابع بعض ما يُكتب هنا وهناك في عالمنا العربي عن الجائحة وتداعياتها القريبة والبعيدة إلا أن يصاب بالخرس أمام سذاجة ما يقال ويتداول.

لقد بات عدد من “كتبتنا” بين عشية وضحاها وفي الآن نفسه أطباء وعلماء فيروسات وخبراء في السياسة والاقتصاد والاستراتيجيا، كما باتوا فلاسفة وعلماء بمستقبل الإنسانية ومصير العالم.

إنه في الوقت الذي نلاحظ لدى جيراننا كيف يتواضع كبار مفكريهم وكتابهم تاركين الجائحة وشجونها للمتخصصين، ومكتفين بإبداء انطباعات أولية ونسبية حول ما يمكن أن يترتب عليها من آثار، يندهش المتتبع للمشهد في سياقنا العربي من النزعة التبسيطية التي تهيمن على طائفة من خطاباتنا وتحليلاتنا والوثوقية التي توجهها وتصدر عنها… بل إن المثير في هذه التحليلات أنها أضحت تمعن في التعامل مع أزماتنا ومآسينا كما يتعامل دجالٌ دعِيٌّ مع جسدِ مريضٍ يحتاج إلى جراحة معقدة ومتخصصة.

لا شك في أن كثيرين منا لم يكونوا ينتظرون أن ينيرنا المتعجلون وهواة السبق من كتبتنا في هذه الظروف العصيبة بتحليلات “عميقة” و”وجيهة”. ذلك أن تحليلات عديد من أمثالهم لأزمات سياسية سابقة عاشها العالم العربي في العقود القليلة الأخيرة ما زالت شاهدة على الهوة السحيقة التي ظلت شاخصة بين تلكم التحليلات وبين واقعنا العربي وتحولات العالم من حولنا.

أتذكر عشرات الدراسات والتفسيرات التي صدرت عقب اندلاع أزمة الخليج الأولى وكيف تحول أصحابها إلى صناع رأي عام وإلى خبراء سياسيين واستراتيجيين حربيين سرعان ما تهاوت “خرائطهم الجيوسياسية”، وتلاشت تحليلاتهم بفعل تحولات كاسحة لم يتحسسوها ولم يدخلوا أسبابها في حسبانهم؛ لأنهم ببساطة كانوا يفتقرون إلى العُدة المعرفية والكفاءة الفكرية التي تسمح لهم بإبداع أفكار ومفاهيم قادرة على فهم ما جرى ويجري أمامهم .

كم هو مفيد لنا اليوم جميعا لو رأفنا بذواتنا وتحلّينا في مثل هذه الأزمات بفضيلة الكف عن الادعاء والدجل، ومنع أنفسنا من اقتفاء ما ليس لنا به علم ومن استباحة مجالات وتخصصات لا نفقه ألفها من يائها. فقديما لم يكن لأحد من علمائنا أن يجيز لنفسه الحديث فيما لا يجيده ولا يُحْكمه؛ فحتى المشتهرون منهم بكثرة التصنيف في العلوم نجدهم يعترفون دون تحرج بما يجهلونه من آلات العلوم وفنونها احتراما لأنفسهم وللمسؤولية العلمية الملقاة على كاهلهم. لقد كان الجلال السيوطي على سبيل المثال، وهو الذي صنف في معظم علوم القدماء، لا يتحرج من الاعتراف بما يجهله منها أو لا يتقنه، يقول في هذا: “وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني؛ وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله” (حسن المحاضرة…).

وبالأمس وأنا أتابع محاضرة على اليوتيوب ألقاها الفيلسوف الفرنسي ووزير التعليم الأسبق لوك فيري Luc Ferry على هامش إصداره كتابا حول:
(La révolution transhumaniste: comment la technomédecine et l’ubérisation du monde vont bouleverser nos vies, Plon, 2017)
وهو الكتاب الذي رصد فيه من منظور فلسفي عديدا من التحولات الجذرية التي تنتظر الوجود الإنساني من جراء ما بدأت تشهده علوم الطب وعلوم الجينوم وغيرها في تداخلها مع التكنولوجيات الرقمية الجديدة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ؛ وأنا أتابع تلك المحاضرة تملكني الشعور بالخجل من أنفسنا ومن البضاعة التي يروجها بعضنا، وخاصة حين أشار إلى أن كتابه المتوسط الحجم تطلب منه سنوات من الإعداد، جزء منها قضاه في دراسة البيولوجيا والجزء الآخر في مطالعة ما يعادل أربعمائة من المراجع والدراسات المتخصصة.

فما أحوجنا في هذه اللحظات الحرجة إلى أن نصمت ونصيخ السمع أولا لعلمائنا وأطبائنا، وأن نفسح المجال لكل من له القدرة على إنقاذ أرواح الناس والحيلولة دون تدهور الوضع؛ أي لكل من يتسلح بالعلم.. بالأمل وحب الحياة. فالوباء لن تنفعنا معه عُدة متقادمة نقدية ومنهجية متخفية في نسخة مكررة من النزعة الظاهرية أو الباطنية؛ لأنه أساسا ليس نصا يمكننا الادعاء بأننا نقبض على حقائقه قبضا نهائيا وأن ما دون “حقائقنا” ليس سوى مجازات كاذبة أو تفسيرات متعارضة ومتهافتة.

محبتي ودعائي للجميع بالسلامة والعافية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. مقال يستحق التنويه. نظرة صاءبة لكيفية التعامل مع هدا الوباء. كثرت التفسيرات والتاويلات ولكن كورونا كان لها رأي آخر. البعض أعطاها صبغة دينية والآخر سياسية او اقتصادية. باختصار تركوا الموضوع الرءيسي وهو البحث عن اللقاح او الدواء وانشغلوا بالتفاهات والحسابات الضيقة. مجمل القول لم يتم التعامل مع كورونا كما كان ينبغي