الكفاءة السياسية.. بين الثرثرة و الاستبداد

خالد القارني

على مدى الخمسين عاما الماضية شكل غياب الكفاءة السياسية العربية واحدة من أبرز مسببات وعوامل الانتكاسات العربية المتلاحقة مخلفة وراءها تاريخا طويلا من صراعات دموية

على مدى الخمسين عاما الماضية شكل غياب الكفاءة السياسية العربية واحدة من أبرز مسببات وعوامل الانتكاسات العربية المتلاحقة مخلفة وراءها تاريخا طويلا من صراعات دموية وأخطاء سياسية داخلية وخارجية قاتلة وإخفاقات اقتصادية وتنموية غير مسبوقة في تاريخ الأمم المعاصرة.

في اللغة الكفاءة تعني : المماثلة في القوة والشرف وأما الكفاءة في العمل اصطلاحا فتعني :التمتع بقدرة فطرية على أداء عمل محدد يماثل أداء المحترفين له أي أنها قدرة ذاتية أو خلقية في الإنسان.. عكس مفهوم الخبرة أو القدرة المكتسبة عبر ممارسة زمانية تراكمية وهناك تعريفات اختلافية أخرى متعددة.

وتعد الكفاءة مطلبا إنسانيا حضاريا كشرط شروط استخلافه على البسيطة وكمعاير عملي لتطبيقه نواميس هذا الاستخلاف وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري كانت الأمم التي تستطيع سبر أغوار كفاءة الإنسان الذاتية وفهمها وفهم ما يرتبط بها أو ما تقوم عليه من أسس ومتطلبات كانت تحقق أفضل غاياتها دون غيرها من الأمم وتاريخ الحضارات الإنسانية غني بالكثير من الأمثلة الدالة على ذلك.

والكفاءة متنوعة ومتعددة بتعدد حاجات الفرد والجماعة والشعب والأمة وسنام تعدد وتنوع الكفاءة الذاتية تأتي الكفاءة السياسية لما لها من أهمية كبيرة وتأثير واسع النطاق على الوجودي الإنساني باعتبارها واحدة من بين أهم مقومات بناء الدولة وتحديد حجمها وقوتها بين دول العالم الأخرى.

صحيح أن من الشائع هو أن متطلبات العمل السياسي ليست بالضرورة مرتبطة بالمستويات الأكاديمية العالية باعتبار أن السياسة ممارسة حياتية للفرد بواسطتها يحقق أهدافه وطموحاته وبالتالي الإنسان بطبعه سياسي لكن الفكر الإنساني الذي أسس حضارات قوية وعظيمة لم يقف عند هذه المسلمة وذهب للبحث ودراسة هذه المجال وعلاقته بشؤون الفرد وعلاقته بالدولة فجاء أرسطو وسقراط وأفلاطون منذ آلاف السنيين كل بنظريته السياسية المختلفة وأتذكر أن واحدا منهم قال حكمة: “إن الإنسان بدون الدولة بهيم”.

وكذلك الحال جاءت كل من: الحضارة الهندية الصينية الفارسية الرومانية وكان لمفكريها ومنظريها أقوالهم وآراؤهم في السياسية والحكم وعلى هذه المبادئ أو الأسس أقاموا أعظم حضارات في التاريخ ستظل خالدة إلى ما شاء الله.. وفي مرحلة النهضة الأوروبية وامتدادها إلى عصر الحداثة ثم إلى عصر المعاصرة شهد العالم ثورة فكرية شاملة في مقدمتها ثورة الفكر السياسي وأصبحنا اليوم نقرأ ما يعرف بـ” علم السياسة” أي أن الأمر تحول إلى “فن” له نظرياته ومعادلته العلمية وقوانينه الرياضية المنظمة.. نستطيع أن نسميه عملية تغيير من حالة فطرية أو طبيعية إلى حالة مركبة أكثر تطورا وأدق أداء.

وبالتالي لم تعد لدى الأوروبيين الكفاءة السياسية في موضع القدرة الفطرية وحسب وإنما أيضا في موضع القدرة المركبة معا.. بمعنى الذي لا يمتلكها فطريا تزرع له كفاءة سياسية في معاهد ومراكز تدريب مزودة بمناهج وبرامج علمية متخصصة لهذا الغرض كما تزرع الكلية أو الكبد في المستشفيات المتخصصة.

لهذا السبب وغيره من الأسباب غادر الأوروبيون نوع وشكل الصراعات التي نخوضها اليوم في عالمنا العربي مثلما غادروا من قبلها الأمراض الصحية التي يواجه المجتمع العربي اليوم فلم يعد لديهم مرض السل أو الملاريا أو شلل الأطفال أو…أو…!!.

وهكذا نرى أن الكفاءة غدت جزءا أصيلا من مكونهم الثقافي ومن رحم هذه الثقافة خرج المبدعون الذين وصلت اختراعاتهم في جميع العلوم النظرية والعلمية إلى أرجاء العالم.. أسهموا بصورة رئيسية في صناعة العالم المعاصر الحديث الذين نحن فيه مجرد سوق(العولمة) فقط نستهلك ما يصنع ومجرد ميدان مفتوح لتطبيق نظرياته العلمية( التفوق التقني والتكنولوجي ).. واستطاعوا تغيير وجه العالم بل واستطاعت دولة واحدة منفردة أن تقود عالمنا اليوم وفق ما تقتضيها مصالحها.. يقيم المختصون في السياسية الدولية أن من ضمن عوامل تبوأ الولايات المتحدة الأميركية مكانة الدولة الأكبر والأقوى في عالم هو تميز منظومتها السياسية والدبلوماسية بجعل الكفاءة السياسية شعار ممارسا على الواقع وخاصة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ العالم يلمسها بشكل قوي في عهد الرئيس روزفلت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *