المساوي يكتب : هو نداء الملك والشعب

عبد السلام المساوي

خصص جلالة الملك جزءا مهما من خطاب العرش لهذه السنة للعلاقات المغربية الجزائرية ، حيث استعرض الوضع الحالي لهذه العلاقات وما يشوبها من خلافات وتوترات ينبغي تجاوزها ، وخلص الى المغرب والجزائر أكثر من بلدين جارين ، انهما توأمان متكاملان .

هو نداء الملك والشعب مرة أخرى ….يوم السبت الماضي قال ملك المغرب بصوت شعب المغرب ، وشجاعة أهل المغرب ، وأصالة وعراقة أهل المغرب ان المغرب لا يريد استمرار هاته العداوة الغبية ، لأنه بلد عاقل .

قال ملك المغرب ما يقوله الشعب المغربي دوما وأبدا : افتحوا الحدود ، وتوقفوا عن زراعة الجسم الدخيل الذي تسبب لنا في هذا الدمار ، وامنوا ان المستقبل سيبنى بنا جميعا اذا ما توفرنا على قليل من الحكمة ومن الذكاء ومن القدرة على قراءة القادم من التطورات …

ان الدعوة إلى التقارب والتسامح والمصالحة تجعل ملك المغرب يتربع على موقع القوة ، فقد كان بإمكانه ، في سياق مشحون بالتوتر الحاد بين الرباط والجزائر ظل يتغذى لشعور وسنوات من خطاب الكراهية والعداء الذي ينتجه حكام الجارة الشرقية ، أن يبادلهم التعامل بالعملة الرديئة نفسها ، لكن ذلك لا يتماشى مع أخلاق الملكية الضاربة في التاريخ ، فلا ينبغي ان يغيب عن أذهاننا أن ملك البلاد يمثل مؤسسة وراثية عريقة محكومة بتقاليد وأعراف لن تسمح لها بالنزول للمناكفات السياسية والرد بالمثل ، ولذلك ظلت الملكية ، خصوصا في عهد محمد السادس ، في منأى عن خطاب انتاج التجييش والكراهية وتصدير الأحقاد بين شعبين جارين يجمعهما أكثر مما يفرقهما بينما انغمس حكام الجزائر في مستنقع الإساءة والتحريض . ولذلك ، فعلى خلاف ما كان يتوقع حكام الجزائر والمتاجرون بسيادة الشعوب والجسم الدخيل ، جاء الخطاب الملكي متساميا على الأزمات مشحونا بالدين والأخلاق والمصالح المشتركة ، ومتسلحا بالعقلانية والمعقولية ومتعاليا عن كل التفاهات اليومية والانفعالات الدبلوماسية ، وهو ما يستحق من حكام الجزائر وحكمائها هذه المرة وقفة تأمل حقيقية .

لقد انتصر جلالة الملك للشعبين المغربي والجزائري واعتبرهما شعبا واحدا وجه له خطاب العرش ، وهو يدرك التقدير الكبير الذي يكنه أغلب الجزائريين لشخص جلالته وكرمه وعطفه ومبادراته الشعبية والانسانية وعمله الدؤوب في اصلاح ذات البين ، بينما تنتصر بعض الأبواق في الجيش الجزائري والاعلام والدبلوماسية للتفرقة والفتنة والاصرار على الخطأ الجسيم نفسه لأكثر من 42 سنة .

ان الخطاب الموجه الى الشعب الجزائري العزيز يدعو على نحو واضح ، الى استحضار المكاسب التي يمكن أن يجنيها من إعادة فتح الحدود المغلقة منذ تسعينيات القرن الماضي ، تحت ضغط سياق لم يعد قائما ، كما جرت مياه كثيرة من تحت الجسور وتغير مسؤولون وأجيال من الحكام لا علاقة لهم بما حدث ، لكن يتحملون مسؤولية أخلاقية وسياسية لتصحيح هذا الخطأ .

فلم يحدث أن خص خطاب ملكي للعرش موجه الى الشعب المغربي ، شعبا جارا بكل هذه الحفاوة والتقدير ، وهو ينبهه الى مخطط ” إغلاق العقول ” المعتمد من قبل جهات في الداخل ، ودعا جزائريين الى زيارة المغرب كي يروا بأم أعينهم ان ما يردده البعض حول الفقر والتهريب والمخدرات مجرد أساطير .

في المقابل حذر جلالة الملك الشعب الجزائري من الشر الحقيقي القادم من التهديدات الأمنية والجرائم العابرة للقارات ، ومن سوء استغلال الإمكانيات المتوفرة للمنطقة المغاربية لتحقيق الاقلاع المنشود ، لما فيه رخاء الجميع .

يؤكد جلالة الملك أن ” المغرب والجزائر أكثر من بلدين جارين ، انهما توأمان متكاملان ” ، ولن يكتمل هذا الارتباط العضوي الا اذا حسنت الإرادات ، وتم التخلي عن أطروحات الماضي ، والتوجه نحو المستقبل ، بكل صدق وحسن نية ، لما فيه مصلحة شعوب المنطقة المغاربية وشركاؤها ، والفضاء الاورومتوسطي والافريقي عموما .

ومهما كان تفاعل القوى الحاكمة في الجزائر فإن التاريخ والأمم والشعوب سيشهدون أن ملك المغرب رفض رد السيئة بسيئة أسوأ منها ، وسيتذكر العالم ان جلالة الملك خاطب عقل النظام الجزائري وقلب الشعب . وسيسجل التاريخ ، بدون شك ، من كان يسعى للخير والحب ومن يبث الشر والأحقاد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *