انقلاب في قصر آل سعود: التتمة.. ج2

المشهد الثالث: مراسيم الفصل

وهنا يأتي المشهد الثالث. حيث أصدر الملك سلمان يوم السبت الماضي أربعين مرسوما، كان أهمها على الإطلاق هو ذلك المرسوم الذي استهدف استعادة شعبية محمد بن سلمان من خلال إعادة البدلات المادية لموظفي القطاع العام ولأفراد القوات المسلحة التي كانت “رؤية 2030” قد اقتطعتها منهم. ومن عجائب الدهر أن يسند الفضل في عودتها إلى محمد بن سلمان رغم أنه هو الذي أمر بحرمانهم منها بادئ ذي بدء. لعل المقصود من ذلك هو المضي قدماً نحو المزيد من تقليص دور ابن عمه محمد بن نايف.

في المراسيم الأخرى، ورد النص على تعيين شقيق محمد بن سلمان الأصغر، واسمه خالد، سفيراً لدى الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن خبرته الوحيدة في الدبلوماسية الدولية لا تتجاوز قيادة طائرة الإف 16 بوصفه طيارا حربيا. من المثير للغرابة أن نفس رزمة المراسيم تضمنت طرد أحد الوزراء من عمله والتحقيق معه لأنه وظف أحد أبنائه. من الواضح أن هذه القاعدة لا تنطبق على آل سعود.

كما عُين شقيق محمد بن سلمان الآخر، وهو الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير دولة لشؤون الطاقة، كما صدر الأمر بتعيين فرد آخر من أفراد العائلة القريبين من محمد بن سلمان، ابن أخيه  الأمير أحمد بن فهد بن سلمان، نائباً لحاكم المنطقة الشرقية المعروفة بثرائها النفطي، علما بأن حاكم تلك المنطقة هو سعود بن نايف، شقيق محمد بن نايف، الأمر الذي يعني أن تنصيب هذا الأمير نائبا للحاكم يأتي بمثابة تضييق للخناق على رقبة ولي العهد.

واشتملت المراسيم كذلك على تعيين عشرات آخرين من أعضاء العائلة الحاكمة في مناصب مهمة (في المناطق الإدارية للمملكة)، وكل ذلك بهدف تعزيز موقف محمد بن سلمان داخل العائلة وتمكينه من إحكام قبضته عليها.

وبذلك تكون قد أنجزت الشروط الثلاثة، فقد تحقق الوصول إلى واشنطن، وتم شراء ولاء العائلة، وأدخلت السعادة إلى قلوب عامة الناس. ولكن، وبالرغم من كل ذلك، يظل محمد بن نايف عقبة في طريق محمد بن سلمان.

ومن هنا تأتي بعد ذلك المراسيم المتعلقة بالجيش والأمن الداخلي. نصت المراسيم على إقالة الفريق عيد الشلوي من منصبه كقائد للجيش، وذلك على الرغم من أنه ضابط محترف، ليحل محله نائبه الأمير فهد بن تركي، والذي “تصادف ” أن زار أبوظبي مؤخراً لإطلاع محمد بن زايد على آخر تطورات الحرب في اليمن.

إلا أن المرسوم المهم الذي شكل انقلاباً ناعماً على محمد بن نايف لم يكن له أدنى علاقة باليمن. إنه المرسوم الخاص بإنشاء مركز للأمن القومي تحت إشراف الديوان الملكي. ستكون هذه المؤسسة هي المنافس المباشر لوزارة الداخلية التي يرأسها ابن عمه محمد بن نايف. المثير في الأمر أن الكيان الجديد يخضع للديوان الملكي بشكل مباشر، والديوان يديره ويتحكم به محمد بن سلمان.

عندما اضطر محمد بن سلمان إلى الاستقالة (اسميا) من رئاسة الديوان الملكي ليصبح وليا لولي العهد حرص على أن يترك خلفه من يضمن من خلاله الاستمرار في التحكم بمقاليد الأمور. ذلك الرجل هو سعود القحطاني، والذي سرعان ما اكتسب شهرة بأنه التويجري رقم 2.

إلا أن الكاتب السعودي تركي الروقي، مؤسس صحيفة الوئام، اتهم القحطاني بأنه يتصرف كما لو كان صنارة انترنيت ويشن الحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد أهداف معينة ولترهيب المخالفين.

وزعم الروقي أن القحطاني يملك جيشا من المخترقين “الهاكرز”، وأنه يستهدف المواقع بالتهكير والتشهير وتشويه سمعة الكثير من المواطنين.

ومضى الروقي في ادعائه قائلا: “لقد تمادى الرجل كثيرا، وذهب ضحيته الكثير من شباب البلد، وتسبب في توتير العلاقة بين صناع القرار وأبناء الشعب، وامتهن حصانة ورزانة المؤسسات الحكومية ورجال الدولة”.
ما من شك في أن عددا من الأصوات السعودية البارزة تم إسكاتها، مثل جمال خاشقجي، الذي يعتبر واحدا من أهم المحللين السياسيين، ومن داخل المؤسسة الحاكمة نفسها.

المشهد الرابع: الإطاحة بالبيت من الداخل

وما أدراك ما المشهد الرابع؟ ما نزال بانتظار معرفة المصير الذي ينتظر ولي العهد محمد بن نايف. فإدارة ترامب تتجاهله، ويتم استثناؤه من حضور الاجتماعات المهمة، وبات كل النفوذ الآن في قبضة ابن عمه.

هل هي نهاية اللعبة ونهاية المباراة؟

هكذا يبدو الأمر. فقد عاد إلى السلطة ذلك المحور القديم المناهض للثورة ( والتغيير في العالم العربي )، بإضافة وجه جديد، ألا وهو وجه محمد بن سلمان. يتواجد في معيته وجهان آخران، هما محمد بن زايد والرئيس المصري السيسي، والذي ظهر في الرياض نهاية الأسبوع الماضي ليقبل الأيادي ويعتذر عما بدر منه. أما إدارة ترامب الغرة فتقف خلف كل واحد منهم وتدعمهم دعما كاملا بمباركة من إسرائيل.

لقد عاد كل شيء إلى حيث كان في عهد الملك عبد الله. حينما تكلم الملك سلمان مع ترامب حرص على أن يبين له أن أسامة بن لادن كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين (في تحريض واضح).

ولكن، وبالرغم من كل ذلك، ثمة فرق واحد صغير.

لقد تغير الشعب العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. لقد نزفت دماؤهم، وتهدمت بيوتهم، وخسروا أفراد عائلاتهم، وضاعت وظائفهم، وتلاشت حريتهم. ويقبع اليوم الآلاف منهم في السجون، بينما غرق الآلاف في مياه البحر المتوسط، وشرد الملايين منهم من ديارهم. لم يعودوا يشعرون بالهيبة تجاه المستبدين من حكامهم ولا تجاه ما يرتع فيه هؤلاء من ثروة وما يتنعمون به من امتيازات. وباتوا على استعداد تام للقتال في سبيل الحصول على أبسط حقوقهم الإنسانية.

أما آل سعود، بكل ما يحاك في ديوانهم من حبائل، وباندماج عبد الله في سلمان ثم في محمد بن سلمان، فلم يتغيروا. يعتمد الوصول إلى السلطة على شجرة العائلة، وثمة فرق كبير بين أن تكون أخا شقيقا أو أخا غير شقيق.

ماتزال الحقائب الوزارية تورث من الآباء إلى الأبناء تماما مثل البضائع والمواشي. ومازال المحترفون وأصحاب المهارات يستبعدون ليحتل مواقعهم الموالون. وتستمر العائلة في تركيز السلطات كافة في يدي رجل واحد، وتستمر في ارتكاب الأخطاء الجسيمة في اليمن وفي سوريا، وتظل، بكل ثروتها التي يصعب على المرء تصور حجمها “بيتا من ورق”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.