بوبكري يكتب: في لا وطنية جنرالات الجزائر

محمد بوبكري

بعد مواكبتي لما تنشره أجهزة الإعلام الموالية لجنرالات الجزائر، خرجت بخلاصة مفادها أن هؤلاء الجنرالات حريصون كل الحرص على أن يرسخوا في ذهن الرأي العام الجزائري أنهم جاهزون دائما للدفاع عن الوطن، ما يعني أنهم يقدمون أنفسهم على أنهم “وطنيون” أكثر من الجميع.

وبعد تفكيري في فكر وممارسات هؤلاء الجنرالات تبين لي أنهم يروجون لهذه الفكرة بهدف تلميع صورتهم المهترئة، وتقديم أنفسهم بكونهم استمرارا لحركة التحرير الجزائرية التي حاربت الاستعمار الفرنسي وقدمت تضحيات جسيمة من أجل أن تنال الجزائر استقلالها. وهذا ما يعني أن الهدف هو ترويجهم لـ”وطنية” مزعومة بغية التغطية على فسادهم وما يرتكبونه من جرائم في حق الشعب الجزائري ومصير الجزائر.

لقد أصبحت الأسطوانة التي تتغنى بـ”وطنية جنرالات الجزائر” أسطوانة مشروخة يرفض الرأي العام الاستماع إليها، لأن الجزائريين ينظرون إليها بكونها مجرد ترسيخ للدمويين الذين كلما كادت روائح فسادهم تزكم الأنوف إلا وانخرطوا في مؤامرات تنتهي بذبحهم لمئات آلاف الجزائريين، حيث تكرر ذلك مرات عديدة. وهذا ما مكنهم اتهام معارضيهم بالخيانة، ووأد أصواتهم، ما يمنحهم شرعية الفتك بهم. لذلك فإن هذه الدعاية التي يمارسها الجنرالات هي مجر تحايل وتضليل هدفه تكريس سلطتهم ومنح شرعية لما يرتكبونه من جرائم في حق الشعب والوطن الجزائريين.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدعاية صارت تركز مؤخرا كثيرا على استعداء المغرب وتقديمه في صورة خطر يتهدد الجزائر!! لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، حيث إن المغرب ليس خطرا على الجزائر الشقيقة التي فتحنا صدرنا لها ونمد أيدينا لها لنحتضنها، لأننا لا نرى مستقبلا للمغرب الكبير بدون تقارب بين دول المغارب جميعها يرمي إلى التعاون بينها، لأننا نرى أنها لا تتنافس فيما بينها، بل إن بعضها يتكمل البعض الآخر، ما يستوجب احترام بعضها للبعض الآخر وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، أو السعي إلى الاستقواء عليه بغية الهيمنة عليه والتوسع على حسابه.

وبناء على هذا المنطق، فإذا كانت المصلحة الوطنية للمغرب تقتضي انفتاحه على الجزائر واحتضانه لها، فإن الأمر نفسه يجب أن ينطبق على الجزائر وعلى سائر بلدان شمال أفريقيا.

لكن النزعة القومجية لـ “بومدين”، التي يتشبع بها حكام الجزائر حتى أصبحوا ضحاياها، تحول دون قبول جنرالات الجزائر بالتعاون مع المغرب ودول المنطقة، بل إنهم جعلوا من أنفسهم محور كل شيء، وعلى باقي دول المنطقة أن تكون تابعة لهم. وهذا ما يشكل عقبة كأداء في وجه التعاون بين بلدان المنطقة، حيث إن التعامل بمنطق الهيمنة يشكل تهديدا للآخرين، ويفقد ثقتهم في الجزائر. وهذا هو واقع الحال في علاقة الجزائر مع دول المغرب الكبير والشرق الأوسط ودول الساحل.

وإذا نظرنا إلى الدعاية لـ”وطنية” جنرالات الجزائر من الزاوية الداخلية الجزائرية، وجدنا أن النزعة القومجية للراحل هواري بومدين” لا تقبل بفكرة “المواطنة، بل إنها رسخت ثقافة الحزب الوحيد الأوحد، حيث لا حرية، ولا ديمقراطية، ولا تطور، ولا نمو، ولا. خيال، ولا إبداع… ولا يمكن أن تكون هناك وطنية لا تحترم المواطنة، لأنه لا مستقبل للوطن بدون مواطنة. والذي لا يحترم “المواطنة” لا يحب مواطني بلاده، والذي لا يجب مواطني بلده لا يحب وطنه، إذ من الصعب الفصل بين الوطن والمواطنين.

لقد قضى جنرالات الجزائر على المجتمع وهمشوه واخترقوا تنظيماته للتلاعب بها لخلق ظروف تستجيب لمصالحهم. فما يزال الشعب الجزائري يتذكر بألم مآسي “العشرية السوداء” وما عرفته من تقتيل له، الأمر الذي أدى إلى فراغ سياسي في المجتمع، حيث انعكس ذلك سلبا على مؤسسات البلاد التي لم تنتج اسما سياسيا واحدا له صيت مسموع في المجتمع. ويؤدي الفراغ السياسي في المجتمع إلى فراغ مؤسسات الدولة وهشاشة أركانها، حيث تضعف مناعة الدولة، لأنها كلما هبت الرياح إلا وأصابها الضعف والوهن. وعندما يسود الفراغ السياسي في البلد يكون الوطن في مهب الريح، حيث يمكن أن يكون عرضة للتفتت. وهذا ما تعيشه الجزائر اليوم، حيث ليست هناك دولة، وإنما هناك حضور لأجهزة قمع وردع المعارضين الذين يحتجون على النتائج الكارثية لسياسية الجنرالات.

ونظرا للفقر الفكري لهؤلاء الجنرالات العاجزين عن تطوير أي مشروع مجتمعي تنموي، فقد أصبح الوطن عاجزا عن الانخراط في المستقبل، ما يهدده بالشلل والتقهقر. وبالتالي، لا يمكن لأي مواطن جزائري أن يؤمن بأية دعاية تسعى إلى ترميم البكارة السياسية لعصابة من السفاحين وتحويلهم إلى “وطنيين”.

وإذا كان جنرالات الجزائر قد عاثوا فسادا في أموال الشعب الجزائري، فإن ذلك يتعارض جذريا مع مفهوم “الوطنية”، حيث إن الوطنية تفترض الحفاظ على خيرات البلاد وتنميتها وتوظيفها بشكل سديد لما هو في صالح الوطن والمواطنين ومستقبلهما. ونظرا للنزعة التوسعية لجنرالات الجزائر، فإن علاقاتهم بجيرانهم وبأغلب الدول يسودها التوتر، ما جعلهم يعيشون في عزلك دائمة، لأنهم لا يحترمون الآخر، ويحشرون أنفهم في شؤنه الداخلية. وهذا ما قد ينعكس سلبا على الوطن الجزائر حاضرا ومستقبلا

وخلاصة القول أن هذه العوامل وغيرها تفيد أن جنرالات الجزائر لا يخدمون وطنهم، وإنما هم في العمق يسيئون إليه ويخربونه حاضرا ومستقبلا، ما يعني أنهم يمارسون دعاية لذواتهم تتعارض مع مصلحة الوطن. وبذلك، فهم ليسوا وطنيين، وإنما هم لا وطنيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *