بوبكري يكتب : إصرار جنرالات الجزائر على تنظيم الانتخابات سيجر الكوارث على البلاد

محمد بوبكري

يلاحظ المتتبعون للشأن الجزائري أن الجنرالات يدفعون البلاد نحو المجهول، رغم أن جهات فرنسية نصحتهم بتأجيل الانتخابات المزمع تنظيمها يوم 12 يونيو المقبل، معللة ذلك بأن تصاعد الحراك الشعبي قد يؤدي إلى كارثة لا يمكن التنبؤ بعواقبها، ما قد يحول دون تنظيم تلك الانتخابات التي لن تكون سوى مسرحية يطغى عليه التزوير الذي يروم توفير بعض الشكليات التي تتناقض جوهرا مع الديمقراطية، حيث سيستمر نظام العسكر بفساده وعنفه وتهميشه للشعب الجزائري، ما قد يهدد الكيان الجزائري بالتفتت والانهيار…

لكن هل الانتخابات هي الحل لما تعيشه الجزائر من أزمات مكعبة؟ لقد جرت العادة أن تكون الانتخابات هي الحل في الظروف العادية، لكنها لا يمكن أن تأتي بحل للوضع المتأزم في الجزائر، لأن الشعب الجزائري لم يعد يثق فيها، ولا في المشرفين على تنظيمها، ولا فيما ستفرزه من مؤسسات، لاسيما في غياب الاستقرار الاجتماعي… فهناك مظاهرات شعبية تطالب برحيل العسكر، والشعب الجزائري يعي أن الجنرالات يريدون أن ُيسوقوا دوليا أن هناك انتخابات وأن لهم مؤسسات، وأن دولتهم ديمقراطية…

لذلك، فالشعب رافض لهذه الانتخابات، ويطالب برحيل النظام العسكري الذي يمارس النهب والفساد ويحمي المفسدين والقتلة، حيث أطلق الجنرالات سراح الجنرال “توفيق مدين” وأغلقوا ملف فساده وجرائمه، كما أعادوا الجنرال “خالد نزار” معززا مكرما من إسبانيا، وأغلقوا ملف فساده وتقتيله للشعب الجزائري، وذلك بقرار من الجنرال “سعيد شنقريحة” الذي ألغى قرارات القضاء بطريقة انفرادية، ما شكل ضربا للمأسسة، وتجسيدا للحكم المطلق المتحكم في رقاب الشعب الجزائري، وصدمة للشعب الجزائري الذي عانى من عسف وعنف وإجرام هذيت الجنرالين.

إضافة إلى ذلك، فالوزير الأول السابق” أويحيى” لم يعد في زنزانته، حسب ما يؤكده أهالي المعتقلين الذين كان يقبع معهم في السجن. وتروج أخبار، مصدرها أسماء لها وزن إعلامي، مفادها أنه يوجد في إقامة خاصة بمدينة وهران، لكن السلطة التزمت الصمت، ولم تقدم أي توضيح حول اختفائه من السجن، لأن نظام العسكر ينهض على الغموض والتضليل والتدليس… كما أن “أويحيى” كان يردد على مسامع المقربين منه: “لا تخافوا، فأنا في مهمة تتطلب التضحية”، ما يعني أن الأمر يتعلق بمسرحية من تأليف وإخراج العلبة السوداء لنظام العسكر. فوق ذلك، فعندما طالب الشعب الجزائري بحل كل المؤسسات المزورة، لجأ الجنرالات إلى استعمال البرلمان لفرض دستورهم، وعندما طالب الشارع الجزائري برحيل النظام قام العسكر بحل البرلمان.

تبعا لكل ذلك وغيره، فالشعب الجزائري يرفض الانتخابات لأنه يدرك أنها مؤامرة وتحايلا من أجل استمرار نظام العسكر الذي ضاق الجزائريون به ذرعا، وباتوا يطالبون بالقطيعة معه، لأنهم يعتبرونه أصل كل مشاكلهم السياسية والحقوقية والثقافية والاجتماعية والمالية والاقتصادية…

لذلك، فإذا تمت هذه الانتخابات كما يريد العسكر، فإنها ستفرز مؤسسات مزورة وغير شرعية سيرفضها الشعب، ما قد يؤدي إلى تصاعد حدة الحراك الذي سيفضي إلى زوال نظام العسكر، وانهيار الكيان الجزائري، ما جعل بعض المعارضين يرون أن استمرار نظام العسكر يشكل خطرا على الوحدة الوطنية وعلى الوطن.

ويرى المتتبعون للشأن الجزائري أن لجوء حكام الجزائر إلى توجيه تهم الإرهاب إلى الصحفي “هشام عبود” والدبلوماسي السابق”محمد العربي زيتوت” يشكل خطأ كبيرا لا ينهض على أي منطق، ونابعا من نفس المنطق الذي كان معتمدا في عهد “بوتفليقة”، ومستمدا من الفكر الانقلابي لكل من “خالد نزار و”توفيق مدين”، ما جعل المتتبعين للشأن الجزائري داخليا ودوليا ينظرون إلى هذه التهمة بكونها مجرد انتقام من ناشطين إعلاميين ضد نظام العسكر، هدفها تشويه صورتهما حتى لا يكون لهم تأثير إعلامي، لكن تأثيرهم الإعلامي داخليا ودوليا ما يزال مستمرا، لأن الجزائريين أصبحوا مقتنعين بأن خطاب العسكر تضليلي هدفه إضعاف الحراك…

وقد قامت الأمم المتحدة بالرد بقوة على سلوك العسكر هذا، حيث استقبل “عبد المجيد تبون”، البارحة بمقر “رئاسة الجمهورية”، وزيرة العدل والشرطة السويسرية، كارين كيلير-سوتر، التي تقوم بزيارة رسمية إلى الجزائر. إضافة إلى ذلك، فإن “الجنرال خالد نزار” مطلوب دوليا للعدالة بسبب ارتكابه لجرائم ضد الإنسانية، ما يستوجب تسليمه للمحاكم الدولية المختصة عاجلا أم آجلا. وقد تركز موضوع هذه الزيارة على إبلاغ حكام الجزائر بأن ما يمارسونه من قمع للحراك مدان من قبل الأمم المتحدة، وأن مذكرات التوقيف الدولية الصادرة في حق كل من الصحفي “هشام عبود” والدبلوماسي السابق” محمد العربي زيتوت” والناشط “أمير دي زاد” باطلة، لأنها ترمي إلى الانتقام من معارضين سياسيين. وقد قامت هذه الوزيرة بتحذير الجنرالات من مغبة الاستمرار في قمع الحراك السلمي ورموزه…

وإذا أضفنا إلى كل ذلك الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تخنق الشعب الجزائري اليوم، فإنه يمكن أن نستخلص أن شروط تنظيم الانتخابات في شهر يونيو القادم غير متوفرة، وأنها ستعرف مقاطعة مكثفة لم يسبق لها نظير في الجزائر، ما يعني أنها ستكون مزورة، وستفرز وجوها قديمة محروقة، وأخرى بئيسة… وإذا كان النظام يريد الاعتماد على الأحزاب الكارتونية التابعة له في إنجاح الانتخابات، فإن هذه الأحزاب لا تمتلك قاعدة مجتمعية، كما أن انتهازية زعاماتها وتبعيتها للجنرالات جعلتها مرفوضة من قبل الشارع الجزائري المطالب برحيل العسكر. لذلك، يرى المعارضون الجزائريون أن الانتخابات ستكون منعطفا لإعادة إنتاج الجزائر القديمة، الأمر الذي يدحض حديث الجنرالات على لسان “تبون” عن أنهم يسعون إلى بناء ” جزائر جديدة”.

نتيجة ذلك، يبدو أن السلطة تتخبط، ولم تستطيع إيجاد مخرج لها من الأزمة التي خلقتها للوطن والشعب الجزائريين، حيث تصر اليوم على تنظيم انتخابات مزورة ستفرز مؤسسات مشبوهة تابعة للعسكر، ما سيفضي إلى مواجهات بين الشارع الجزائري وهذه المؤسسات المزورة، وسيعطل الجزائر في ظرفية داخلية ودولية صعبة. ونتيجة لجهل العسكر وفراغهم الفكري وخوائهم السياسي، فإنهم أصبحوا يثيرون السخرية والشفقة في الآن نفسه…

إن الوضع في جزائر اليوم يقتضي النظر إلى الأمور من زاوية واقعية، لا من زاوية دعائية، لأن العلبة السوداء لنظام العسكر تدفع البلاد نحو السقوط في هوة سحيقة لا قرار لها، لكن الخطير هو أن الوطن قد يدفع ثمن أخطاء النظام العسكري. نسأل الله سلامة الوطن وانتصار الشعب الجزائري الشقيق الذي سيكلل برحيل العسكر وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *