جنرالات الجزائر يفشلون في إغلاق ملف خالد نزار المعروض على القضاء السويسري

محمد بوبكري

لقد قامت وزيرة العدل والشرطة السويسرية مؤخرا بزيارة للجزائر اجتمعت خلالها مع “عبد المجيد تبون” ووزيره في العدل “بلقسم زغماتي”، وأخبرتهما بأن الوكيل الفدرالي السويسري سيوجه للجنرال “خالد نزار” استدعاء للمثول أمام القضاء السويسري بهدف التحقيق معه في التهم المنسوبة إليه المتعلقة بارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد توسلها “بلقاسم زغماتي” طالبا منها التدخل لدى القاضي الفدرالي السويسري لإلغاء المتابعة، ما جعله يبدو قزما في عينيها، لأنه اعتقد أن السلطة السياسية السويسرية تتحكم في القضاء السويسري، ما يؤكد جهله بالمبادئ الأولية للقانون السويسري، والمعاهدات الدولية، التي تسمو فوق القوانين المحلية. وبعد إنصات الوزيرة إلى هذا المخلوق الجزائري ردت عليه بصرامة قائلة له: “إن سويسرا هي دولة الحق والقانون، حيث يسود مبدأ الفصل بين السلط، ما يعني أن القضاء مستقل، ولا يقبل التدخلات”. هكذا أغلقت هذه السيدة الباب في وجه “شنقريحة” ومبعوثه، حيث اعتذرت لهما عن استحالة تلبية طلبهما، لأن ذلك يتعارض جذريا مع القانون السويسري، الذي لا يخضع للأساليب التي يخضع لها قضاء جنرالات الجزائري.

لقد سبق لي أن تحدثت عن الكيفية التي عاد بها خالد نزار من “برشلونة” إلى الجزائر على متن طائرة رئاسية، حيث ُخصص له استقبال رسمي، وذلك لعوامل عديدة، منها تدخل جهات فرنسية تعتبر أن هذا السفاح تابعا لها، وتعتمد عليه دوما في خدمة مصالحها الإستراتيجية في الجزائر، كما أنه عمل على ابتزاز جنرالات الجزائر، حيث أخبرهم بأنه سيفضحهم، بل إنهم سيغرقون معه، لأنه هددهم بأنهم كانوا جميعا شركاء في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال “العشرية السوداء” في تسعينيات القرن الماضي. ويؤكد العارفون بالشأن الجزائري أن “سعيد شنقريحة” قد ورط نفسه بنفسه في كل ما ارتكب من جرائم، حيث كان يشتغل تحت إمرة الجنرال “عبد العزيز مجاهد” الذي كان يأمره بالنزول بضحاياهم إلى الواد، لأنهم كلما أوقفوا شخصا معينا، كان يقول لهم: ” أنزلوا بدين أمه إلى الواد، “وعجلوا بعلاج دين أمه”. وكان معنى هاتين العبارتين معروفا في أوساط القتلة آنذاك، وهو: “اقتلوه في الواد بسرعة”. ويفيد ذلك أن ” شنقريحة” مورط في جرائم هذه “العشرية السوداء”، ما أصابه بالرعب، فقرر إلغاء متابعة الجنرال خالد نزار وتمكينه من العودة منتصرا إلى الجزائر”، كما أغلق ملف الجنرال “توفيق”، وأطلق سراحه، وسراح أفراد عصابته، وسمح لبعضهم بالعودة من الخارج. أضف إلى ذلك أن أفراد عصابة “توفيق” و”نزار”، قد تم تعيينهم مستشارين أمنيين في قطاعات ومؤسسات عديدة، ما يعني أن الأمر يتعلق بعصابة، وليس بدولة.

وبعد أن اقتنع حكام الجزائر بأن الحكومة السويسرية لا تستطيع إغلاق ملف نزار، لأن ذلك غير مسموح به قانونيا، توصلوا باستشارة قانونية تنصحهم بإقناع ضحايا “خالد نزار”، الذين سبق أن رفعوا به دعاوى لدى القضاء السويسري، بالتنازل عن دعاويهم ضده، فاتصلت المخابرات الجزائرية الموجودة بمركز التعذيب المعروف في الأوساط الجزائرية بـ “عبلة”، وطلبوا منه سحب الدعوة التي رفعها ضد نزار، وأخبروه بأنه إذا سحب هذه الدعوة، فإنه يمكنه العودة إلى الجزائر، وآنذاك سيمدونه بكل ما يطلبه منهم مقابل تنازله عن الدعوة.

ويتعلق الأمر بالمناضل “الصديق دعدي” الذي أعلن في الأوساط المقربة منه أنه رفض الاستجابة لطلب الاستخبارات الجزائرية. علما بأنه إذا قدم الضحية شكاية بأن الجناة يمارسون عليه ضغوطا ومضايقات، فإن هذا سيقود حكام الجزائر إلى متابعات أخرى قد تكون كارثية عليهم، حيث ستزداد صورتهم سوءا دوليا.
وجدير بالذكر أن “الصديق دعدة” ليس هو الوحيد الذي رفع دعوة بـ “خالد نزار” أمام القضاء السويسري، بل هناك ضحايا آخرون فعلوا الشيء نفسه، وهم كثر من بينهم: “عبد الوهاب بوقزوطة” و”إلياس العريبي”… وقد حكى المناضل “الصديق دعيدة” لأحد المقربين منه عن جبن الجنرال “خالد نزار” أمام القضاء السويسري ورعبه منه، حيث لما عقد هذا القضاء مقابلة بينهما في شأن التهم التي وجهها له، بدا هذا الجنرال خائفا متلعثما، ما جعله يطلب من القاضي أنه يريد أن يدخن، فنهره هذا الأخير بكلمة ” شت”، التي تعني “اصمت”، فابتلع الجنرال لسانه، وخلد إلى صمت رهيب وانزوى كالقط…

ومن المعلوم أن “الصديق دعدي” قد سبق له أن عاد إلى الجزائر لزيارة والديه عندما فر هذا الجنرال من القضاء الجزائري الذي حكم عليه بعشرين سنة سجنا نافذا، ولما طلب منه رجال المخابرات سحب الدعوة التي رفعها ضد نزار، ووعدوه بأنهم سيعطونه كل ما يطلب منهم عند عودته، قالوا له: اسحبها، أو لن تدخل أبدا إلى الجزائر، وهذا ما يؤكد أن جنرالات الجزائر هم ضعاف النفوس، لأنهم يبيعون أنفسهم ببساطة لمن هو أقوى منهم، ويعتقدون أن جميع الناس يشبهونهم في ذلك.

وإذا كانت وزيرة العدل السويسرية قد أغلقت الباب في وجه التدخلات السياسية في القضاء السويسري، فإنها عللت ذلك بأنه لا يمكن لأي سلطة أن تتدخل في عمل القضاء لإيقاف أي مسطرة مهما كانت بسيطة، لأن ذلك يتنافى مع القوانين والقيم المحلية والكونية. وفي حالة ما إذا تجرأ أحد على فعل ذلك، فإنه سيدفع الثمن باهظا، لاسيما أن الضحايا لن يتنازلوا عن دعواهم… لأن خالد نزار مارس عليهم شتى أساليب التعذيب التي تعلمها من الأنظمة الدكتاتورية للمعسكر الشرقي، حيث قام باختطاف ابن أحدهم، ووضع مسدسا على رأسه، ما حول حياة أسرته إلى جحيم لا يطاق…

هكذا، فليس هناك أمل لحكام الجزائر في إلغاء الدعاوى المرفوعة ضد هذا الجنرال من قبل ضحاياه. وليس مستبعدا أن يلجأ ضحايا كثر إلى رفع دعاوى أخرى ضده، ما يعني أن العدالة الدولية قد حرمت هذا الجنرال من مغادرة التراب الجزائري، حيث لن يكون في إمكانه قضاء عطله في الإقامات الفخمة التي اشتراها بأموال الشعب الجزائري التي نهبها وهربها إلى الخارج، كما لن يكون في إمكانه السفر إلى الخارج بهدف العلاج، خصوصا أنه بلغ من العمر عتيا، وأن جسده محمل بالعلل…

ومن الغريب أنه منذ عودة هذا الجنرال إلى الجزائر، استغل ضعف “شنقريحة” وانكب على بناء مؤسسات خاصة به لتدعيم سلطته هناك، حيث أكد بعض العارفين بخبايا النظام الجزائري أنه وظف مكره مستعينا بالجنرال “توفيق مدين” للإمساك بخيوط السلطة في الجزائر، حيث يتحدث البعض عن أنه صار هو الرئيس الفعلي للجزائر، وأنه يحكمها من الخلف، ويتمتع بسلطة أكبر من الجنرال “سعيد شنقريحة”، الأمر الذي مكنه من الانتقام من جميع خصومه، ومن كل الإعلاميين الذين فضحوا تاريخ خيانته وفساده ومؤامراته وانقلاباته.

لذلك، فقد تأكد أنه هو الذي يقف وراء المذكرة المشؤومة التي تروم توقيف كل من الصحفي “هشام عبود” والدبلوماسي السابق ” محمد العربي زيتوت”، والإعلامي ” أمير دي زاد”، حيث سعى إلى تلفيق تهمة الإرهاب إليهم بهدف توقيفهم من قبل الشرطة الدولية، وترحيلهم إلى الجزائر ليتمكن من إعدامهم… لكن كل تلك المحاولات وغيرها باءت وستبوء بالفشل، لأن كل شيء قد تغير، إلا ثقافة الجنرالات وعقليتهم الغارقتين في ظلمات الغاب…

وإذا كان الجنرال خالد “نزار” يمسك بخيوط السلطة في الجزائر، فكيف يمكن لـ “تبون” الحديث عن جزائر جديدة”؟! ألا يشكل ذلك إعادة إنتاج لأحلك فترة من تاريخ الجزائر؟ أليس في هذا تلطيخ لسمعة الشعب الجزائري وبطولاته؟…

من الاكيد أن الحراك الشعبي قد عبر عن رفض الشعب الجزائري لنظام العسكر. وندعو للشعب الجزائري بالتوفيق في مسعاه الرامي إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *