بوبكري يكتب: قرار اعتراف إسبانيا بشرعية سيادة المغرب على صحرائه آت لا ريب فيه

محمد بوبكري
يلاحظ المتتبعون للعلاقات بين المغرب وإسبانيا أن فتورا بدأ يطبعها مؤخرا، يرجعه بعضهم إلى غموض وضبابية الموقف الرسمي الإسباني من مغربية الصحراء، حيث قام بعض اليساريين المسؤولين في الحكومة الإسبانية بالتعبير عن عدم موافقتهم على قرار الولايات المتحدة الأمريكية الذي اعترف بمغربية الصحراء. كما أن بلادتهم أصابتهم بالخفة، فاعتقدوا أن قرار الرئيس “دونالد ترامب” الذي يعترف بمغربية الصحراء هو قرار انفعالي شخصي لم يكن محسوبا بناء على المصلحة الإستراتيجية للدول الغربية وأمنها القومي، ما جعل هؤلاء يحاولون الاتصال بمحيط الرئيس الأمريكي المنتخب “جو بايدن” بغية إقناعه بالتراجع عن القرار الذي اتخذه الرئيس السابق “دونالد ترامب”.

وإذا كان جنرالات الجزائر لا يقبلون بالقرار الأمريكي، فلأن هذه الاعتراف سيضطرهم مستقبلا للانسحاب من الصحراء الشرقية المغربية التي ما يزالون يحتلونها، لأنهم ورثوها عن الاستعمار الفرنسي الذي اقتطعها من المغرب وألحقها بالجزائر، اعتقادا منه أن فرنسا كانت ستبقى في الجزائر إلى ما لا نهاية. هكذا، فقد بدأ اليساريون المتطرفون الإسبان يتواصلون مع حكام الجزائر لعرقلة شرعية سيادة المغرب على صحرائه، لأن هؤلاء اليساريين لا يريدون للمغرب أن يحل مشكل صحرائه خشية أن يشرع بعد هذه التسوية في المطالبة باسترجاع مدينتي سبتة ومليلة المغربيتين السليبتين. تبعا لذلك، فقد عبر هؤلاء اليساريون المتطرفون الإسبان عن أنهم مجرد امتداد للفاشية الاستعمارية التي كان رئيس الوزراء الإسباني الأسبق “خوسيه ماريا أثنار” ابنا شرعيا لها.

ويؤكد تطور الأحداث بالملموس أن المحاولات اليائسة لجنرالات الجزائر وحلفائهم اليساريين المتطرفين الإسبان ستذهب أدراج الرياح. وسأحاول في هذه الورقة القصيرة، واعتمادا على معطيات ملموسة، أن أبين أن قرار اعتراف إسبانيا بشرعية سيادة المغرب على صحرائه آت لا ريب فيه.

يجمع المختصون في دراسات العلاقات الدولية وممارسوها على أن هذه العلاقات تنهض على منطق المصلحة، لا على الاختيارات الأيديولوجية. ونظرا لكون الأمر كذلك، فإن المغرب يمتلك أوراقا كثيرة للضغط على إسبانيا لجعلها تعترف بشرعية سيادة المغرب على صحرائه.

تتمثل الورقة الأولى في الهجرة السرية نحو إسبانيا، حيث لا يعقل أن يبقى المغرب حارسا للحدود الاسبانية وجزر الكناري، أو الجزر الخالدات، حتى يجنبها زحف الأمواج العاتية لمختلف المهاجرين على ترابها. فالمغرب ليس خادما أو موظفا لدى إسبانيا لكي يظل حارسا لحدودها. وإذا كان بعض المسؤولين اليساريين المتطرفين الإسبان سيظلون يعادون الوحدة الترابية المغربية، فإن المغرب سيتوقف نهائيا عن التعاون معها في ملف الهجرة السرية وغيره من الملفات الأخرى، ما سيغرق إسبانيا بملايين المهاجرين، الأمر الذي لا يستطيع اقتصادها تحمله. لذلك، فإن مصلحة البلاد تقتضي مراجعة المغرب لتعاونه مع إسبانيا في ملف الهجرة السرية.

وللتدليل على وجاهة هذا الرأي، فعندما أرغمت الحرب الطاحنة في سوريا نحو مليون شخص على الهجرة إلى أوروبا في سنة 2015، خلق هذا الأمر أزمة في أوروبا. ولتجاوز ذلك، عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقا مع تركيا قامت بموجبه بإرجاع المهاجرين من اليونان وبلدان أوروبية أخرى إلى الأراضي التركية مقابل توصلها بـ 6 مليار أورو من الاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل حوالي 65 مليار درهم. ولذلك، فإن ما قامت به تركيا تجاه اللاجئين إلى أوروبا لم يكن عملا بدون أي مقابل، بل كان عملا مؤدى عنه.

وتتمثل الورقة الثانية في المبادلات التجارية بين البلدين التي يستفيد منها الاقتصاد الإسباني كثيرا، حيث يعد المغرب أكبر شريك تجاري لإسبانيا خارج أوروبا. فحسب مكتب الإحصاء الأوروبي، بلغت قيمة صادرات إسبانيا إلى المغرب إلى حدود شهر مارس 2019 مليارين ومائة مليون يورو. ويشكل المغرب الوجهة الثامنة عالميا لصادرات إسبانيا، كما أنه يشكل الوجهة الثانية لصادراتها إلى خارج أوروبا. وتشكل صادرات إسبانيا إلى المغرب %33 من صادرات أوروبا إليه. هكذا، فإن إسبانيا هي أول مصدر إلى المغرب. تبعا لذلك، تشكل المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا ورقة مهمة في يده يمكن أن يستعملها للضغط على إسبانيا لجعلها تعترف بسيادته على صحرائه، حيث إن العلاقات الدولية تقوم كونيا على منطق المصالح، ولا يمكن للمغرب أن يبقى خارج هذا المنطق.

وتتمثل الورقة الثالثة، التي يمكن للمغرب أن يستعملها تجاه إسبانيا للدفاع عن وحدته الترابية، في التعاون الاستخباراتي بين المغرب وإسبانيا، حيث يتوفر المغرب على مؤسسة استخباراتية ذات حس وطني عال، جعلها تمتلك كفاءة كبيرة نتيجة حدسها القوي الذي يمكنها من الكشف المبكر عن الخلايا الإرهابية، كما أن لهذه المؤسسة قدرة فائقة على التدخل لضبط هذه الخلايا الإرهابية وتوقيفها في الوقت المناسب للحيلولة دون قيامها بأعمالها الإرهابية التخريبية… ونظرا لاعتراف المختصين الأوروبيين خصوصا، والغربيين عموما بالكفاءة العالية للأجهزة المغربية في مكافحة الإرهاب، فإن المسؤولين الاستخباراتيين الإسبان يعترفون بفضل الجهاز المغربي الاستخباراتي على سلامة إسبانيا ووقايتها من التفجيرات الإرهابية التي كانت تستهدفها. هكذا، فإن الأجهزة الإسبانية تعترف بأن تعاونها مع الأجهزة المخابراتية المغربية قد ساعدها، على الأقل، على إجهاض 21 عملية إرهابية كانت ستحدث فوق التراب الإسباني. وإذا كان الإرهاب يزهق الأرواح، فإنه يؤثر كذلك على فعالية قطاعات اقتصادية مهمة ومردوديتها، ما يعني أنه ينعكس سلبا على الاقتصاد ونموه.

بناء على هذه العوامل وغيرها، أظن أنه من المحتمل جدا أن تقرر إسبانيا قريبا الاعتراف بشرعية سيادة المغرب على صحرائه، وتطلب منه فتح قنصلية لها في الصحراء المغربية. وإذا ظلت الضبابية تكتنف موقفها، فإن ردة فعل المغرب ستكون صاعقة لها، وستكون هي الخاسر الأكبر، لأن لها مصالح حيوية كبيرة وكثيرة مشتركة مع المغرب، التي بدونها ستختنق، الأمر الذي لا يمكن أن تتحمله.

وإذا كان القومجيون وشيوخ جماعات الإسلام السياسي وجنرالات الجزائر، يراهنون على فعالية عدوانية اليساريين المتطرفين الإسبان في الدفع بالرئيس الأمريكي المنتخب “جو بايدن” لإعادة النظر في قرار الاعتراف بمغربية الصحراء، فإن قرارات هذا الأخير كانت صادمة لهم، بل كانت قاتلة لأحلامهم، حيث تضم الحكومة الأمريكية الجديدة وزاء يهودا من أصل مغربي. ونحن نعتز بذلك، لأن الجالية المغربية اليهودية في المهجر متشبثة بوطنها وتدافع عن وحدته الترابية ومصالحه الحيوية في كل المحافل الدولية. لقد برهن أفراد هذه الجالية وحاخامتها عن وطنيتهم العالية ومحبتهم لوطنهم الأم، ما جعلهم مصدر فخر واعتزاز لنا… لذلك، لا يفوتني الشد بحرارة على أيدي اليهود، المقيمين في المغرب، على ما يبذلونه من جهود مشكورة لاستمرار ارتباط الجالية اليهودية في المهجر بوطنها المغرب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *