سعيد جعفر.. تأملات فلسفية في النقاش الدائر حول العلم والأسطورة والدجل والخرافة

سعيد جعفر: تأملات فلسفية في النقاش الدائر حول العلم والأسطورة والدجل والخرافة

ينخرط كثيرون، ولا سيما هؤلاء الذين يعتبرون مناقشة أطروحة أو نقدها هو مس بمقدس أو متعالي فينبرون للرد بكل الوسائل سبا وقذفا و تكفيرا وتهديدا، في صلب نقاش فكري صاحب كل المحطات العلمية الكبرى والتحولات الكبرى التي تصاحبه.

فالمعلوم أن العلم صارم في منهجه ونتائجه، ولهذا فهو يرفض كل تلك الأطروحات التي لا تتقيد بمنهج و تفترض نتائج غير خاضعة للبروتوكول العلمي. وقد أعتبرت هذه الصرامة معيارا للعلمية من طرف كل الطيف العلمي، كما أعتبرت نوعا من الدوغمائية والإقصاء لباقي المنهجيات العلمية خصوصا التي تجعل من الأسطورة والخرافة وغيرها مادة علمية.

تعود هذه الصرامة العلمية الى القرن 17 خصوصا مع الفلسفة العلمية الصناعية التي أسسها ديكارت والتي تتوقف حصرا على العقل، والتي ميزت العلم آنذاك ودخلت في نقاش علمي كبير مع المعيار التجريبي قبل أن يضعنا كلود برنار أمام حالة مركزة من التجريب العلمي.

منذ ذلك التقابل العقلي-التجريبي تأطر العلم والعلمية ولم يعد هناك أي مجال للبحث خارج هذا الإطار، وفعلا أدى هذا البراديغم العلمي والمنهجي إلى فورة وغنى في المعارف العلمية ستطبع القرن 17 و18 خصوصا وسيكون القرن 19 قرن تحويل النظريات والمعارف العلمية إلى تطبيقات وتقينات.
وليس من شك في أن البشرية وصلت أقصى تركيزها العقلي في هذه المرحلة وابتعدت عن القوالب والمنهجيات الفكرية الأخرى، ولم يعد ممكنا مثلا التفكير من خارج العقل.
لقد كان الأمر إيجابيا للفاعلية الإنسانية وللنشاط الذهني البشري وجعل البشرية تتحدى عوزها التاريخي الذي حفزته الكنيسة خصوصا، ولهذا كان طبيعيا أن يجعل من العقل ليس مجرد فاعلية للتفكير والإبداع ولكن، وتحت الألم الذي تركه التجهيل باسم المسيحية، فإنه تم تقديس العقل و بدأ السقوط في نوع من العقلنة والعلموية الجافة وقد عبر عنها ديكارت مثلا صراحة باعتبار الحواس خداعة.

لقد سقطنا في دوغمائية قاتلة وفي الوقت الذي كان من الضروري توسيع أفق وممكنات التفكير ومراجعه ومنهجياته أطبقنا على أنفسنا في إطار مرجعي عبر عنها مثلا كارل بوبر بأسطورة الإطار، وسيستفز بول فايبرند المؤمنين بها بضد المنهج (كتاب لفايربند بهذا العنوان الأخير).

وبالفعل فقد طرح هذا النقاش في أوربا مهد العلمية وبدأت موجة واسعة من نقد العلمية والمنهج الصارمين خصوصا ممن لا ينتمون حصريا للحقل العلمي وللمختبرات العلمية وخصوصا من رجال الدين والفلاسفة بالمعنى الحصري للفلسفة.
بل أن فايربند مثلا سيضع قاعدة لهذا التوجه “بمقدور الرجل العادي، بل من واجبه، أن يتولى الإشراف على العلم” معتبرا العلم مجرد إيديولوجية من بين ايديولوجيات أخرى.

وهكذا فتح هذا النقاش في أوربا في النصف الثاني من القرن 20 بنوع من المعرفة الدقيقة بطبيعته وبأفقه ومخرجاته قبل أن يحيد عن هدفه الصميم وربما انزلق خصوصا في المجتمعات التي ليس لها أعراف وتقاليد علمية.

عندما أسس له بوبر مثلا بنقد أسطورة الإطار فهو كان ينتقد الدوغما التي يمكن أن يسقط فيه المشتغلون بالعلم مخافة من أن يصبح للعلم كهنوتا خاصا به وينغلق على نفسه فيضعف نفسه من الداخل، ولهذا ربط غنى النظريات العلمية بقابليتها للتكذيب، ونبه بيير تويليي من أحادية الاختبار لفقرها.
وبدون شك ففايربند حتى وهو يضع قانونه في ضد المنهج فهو كان يضبط حدود هذا الضد-منهج.

“إن العلم ليس كتابا مغلقا لا يمكن فك طلاسمه، بل هو نظام عقلي يمكن لأي شخص معني بأمر العلم انتقاده. لكن الصعوبة المزعومة للعلم تكمن في الحملة الإيديولوجية المنظمة التي يشنها كثير من العلماء لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم”.

فهو لا يشكك في الحقائق العلمية على أنها حقائق وإنما يشكك في السلطة التي يصبغها العلم على نفسه مع أن النظريات العلمية كيفما كانت تدين في تكوينها لعناصر غير علمية.
و يسجل مفارقة أن هذا العالم الغربي الذي يتبجح بالديمقراطية هو نفسه الذي ينتصر للعلمية العقلانية في اقصاء لكل المنهجيات الأخرى.
وأخيرا إذا كان هدف العلم هو خدمة الإنسانية فإن السحر والدجل والخرافة والغيبيات قد تخدم الإنسان.

إن الاستشهاد بفايربند بالضبط للرد على هذا الدفاع المغالط الذي يرمى كلما طرحنا على أنه ليس كل ما ينسب للعلم هو من العلم، وأن علمية المعارف والنظريات العلمية يكون بانتظامها لمعايير علمية صارمة.
وقد كان سيرد بعنف على طرحنا لو تمسكنا بالمعايير العقلية التي رسمها ديكارت أو اسبينوزا أو برنار أو إينشتاين أو غيرهم، ولهذا عدنا إلى أطروحة فايربند باعتبارها ضد المعايير العلمية الصارمة ولأنها تضع في نفس الوقت قواعد صارمة للامنهج كما حددنا ذلك.

إن أول سلوك ينبه منه فايربند هو أن ينزلق الباحث في العلوم من إيديولوجية العلم (التي حدد قواعدها الأربع في رفض سلطة العلم وليس حقائقه، والدفاع عن الحق في التعبير داخل العلم، والإيمان بضرورة حاجة العلم لعناصر غير علمية، وأخيرا تسخير العلم لخدمة الإنسان) إلى إيديولوجية شخصية، أي أن يحول العلم إلى دعوة (سياسية أو دينية أو مذهبية أو عرقية) لأن هذا سيخرجنا من هدف دعم العلم إلى تقويض الحقائق.

إن العلم حسب فايربند لا يجب أن يتحول إلى سلطة تمنع الآخرين من الدلو فيه وإلا تحول إلى نقيضه، وهذا ما سيضر بالمكتسبات البشرية التي خدمت الإنسان.

ما يحدث اليوم، خصوصا في الدول التي عجزت عن التأسيس لأعراف وتراكم علمي وفي الغالب لمسؤولية السياسيين، هو أن هناك نزوع نحو خلق علمية تناسب حاجات ومجتمعات هذه الدول، وربما ساعد مستوى الوعي الجماعي في خلق علمية تناسب هذا الوعي، فبدأ الانزياح شيئا فشيئا ليس عن العلمية العقلية الصارمة، ولكن حتى على العلمية الرخوة التي نادى بها خصوصا فايربند.
وربما استفحل الأمر عندما لجأت مرجعيات دينية ومذهبية إلى تسخير هذه العلمية لأهداف سياسية وسلطوية، فتقوى الإيمان بإمكانية اكتشاف علاجات لأمراض مستفحلة كالسيدا والسرطان و فيروس كورونا وغيرها. وقد رأينا في السنوات الأخيرة دعوات مثل هاته في دول فقيرة علميا كاليمن و مصر والمغرب وغيرها.

إن حالات زغلول النجار و الزنداني والفايد والددو تمثل نموذجا لهاته “العلمية الرخوة” الجديدة التي تستغل هامش الحرية الذي وفرته الديمقراطية العلمية وضعف البحث العلمي و تشوش الوعي الشعبي بين مرجعيتين دينية فقهية وعلمية مخبرية.

لا أحد يمنع تطوير العلم و تلقيحه بكل العناصر العلمية التي يمكن أن تساعد على تطويره خارج الاستنباط العقلي والتجربة المخبرية، وقد تمت الاستفادة فعليا من التخييل العلمي (روني طوم) ومن العقلانية المطبقة (غاستون باشلار) ومن الحرية والإبداع المنهجي الذي سمح بالاحتمال الرياضي و التناقض في الهندسة والاكسيوماتيك.
وهي دعوة مفتوحة تطرح اليوم حتى داخل المجمعات العملية الكبرى في المختبرات العالمية من خلال السماح لهامش ممكن من الميتافيزيقا العلمية أو الاستفزاز العلمي خصوصا في الكوسمولوجيا وعلوم المناخ، إذ هناك هوامش فوق إدراكية يمكن تطوير النظر فيها عبر التجريب عليها أو القياس العقلي عليها.

ولكن المؤكد أن هذا لا يعني السماح بتحويل العلم إلى حقل للأخطاء والمغالطات عبر تسخير تشوش الوعي الشعبي وعجز السياسيين عن تقوية البحث العلمي وعن تحريك القانون كلما كان هناك تعريض صحة الناس للخطر.

يضع فايربند قاعدة أساسية في السماح لهذه العلمية الرخوة وهو أنها كلما كانت لا تخدم الناس فلا حاجة لها.

والحال أن افضل مرحلة لإختبار العلمية العقلية الصارمة والعلمية الرخوة، وخصوصا في مجالي البيولوجيا والطب، هو مرحلة الوباءات وقد كشف وباء كورونا المعروف بفيروس كوفيد19 عن مقاومة شديدة للعلمية العقلية ونجاح مهم في التعرض للفيروس اختبارا و علاجا مقابل انسحاب كلي للعلمية الرخوة.

عندما تعرضت البشرية لأعتى الأوبئة عبر التاريخ من طاعون وكوليرا وتيفويد هلك ملايين البشر لأن العلمية الرخوة التي تعتمد الأعشاب الكي والحجامة وربما استخدمت الدعاء واستدعاء الأساطير والقوى الغيبية لم تنجح في التعرض لهذه الجراثيم والفيروسات،

وعندما تصلب عود العلمية العقلية والتجريبية الصارمة وتعرضت البشرية لفيروسات فتاكة كسارس وإيبولا وأنفلونزا الخنازير والدجاج والطيور وأخيرا فيروس كورونا كوفيد 19 لم يتجاوز عدد القتلى مئات الآلاف وربما نحن في حوالي100000 (مئة ألف وفاة وربما أقل) منذ سنة 2000.

إن النتيجة دائما هي المعيار الفاصل عندما يكثر النقاش والجدل واللغط وفي سنة 2020 العلمية العقلية والتجريبية الصارمة من حسمت الحرب مقابل انسحاب للعلمية الرخوة بله الخرافة والشعوذة والدجل والأسطورة والبركات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *