تسييس كرة القدم !!!!

علي الغنبوري

من المؤكد ان ظاهرة إلتراس كرة القدم تحتاج الى كثير من التفكير و الاستيعاب المتأني و الموضوعي ، لفهم اهدافها و طرائق اشتغالها ،بالاضافة الى المحتويات السياسية التي باتت تتغنى بها و ترفعها داخل الملاعب الرياضية .

فصدى و امتداد هذه الرسائل السياسية الصادرة من الملاعب لم يعد مقتصرا على المدرجات ، او كما يريد البعض اختزاله في كونه لحظة تنفيس عن اوضاع اجتماعية تعيشها هذه الجماهير ، وتجد في الملاعب المكان المناسب لتفريغ همومها و معاناتها ، بل اصبحت هذه الرسائل تجد لها موطأ قدم داخل مختلف الاوساط الاجتماعية ، كما اصبحت هي الشعارات الرئيسية التي تؤطر مختلف الاحتجاجات الشعبية ،بل رأينا كذلك كيف اقتحمت هذه الرسائل خطابات مجموعة من الاحزاب السياسية ، و كيف اصبح يرددها و يتغنى بها زعماؤها .

وقد يتجه الكل الى تفسير هذا الهامش السياسي الكبير الذي باتت تحتله الالتراس ، الى غياب الوسائط التقليدية للتاطير و الفعل السياسي ، و احجامها عن لعب ادوارها و مهامها داخل المجتمع ، لكن هذا التفسير يفتقر لعناصر الموضوعية ، و تغيب عنه كثير من الحقائق الميدانية داخل مجال كرة القدم و مدى ارتباطها بالسياسة .

اكيد ان الالتراس اليوم هي التمظهر الابرز لتداخل السياسة بكرة القدم ، نظرا لقوة و جرأة خطابها و شعبيتها الجارفة ، لكن سيكون من المجحف اختزال هذا التداخل في هذه الروابط الجماهرية لوحدها ، فكثير من المياه السياسية تجري تحت جسر الكرة المغربية.

تسييس كرة القدم لم يبدأ مع الالتراس ، التي تبقى على كل حال، ظاهرة جديدة على الساحة الرياضية الوطنية ،فهي لم تعلن عن وجودها الرسمي الا سنة 2005، بل بدأ و ترعرع و تشعب مع السياسيين انفسهم .

فالكل يعلم ، ان جل الاندية الوطنية خاضعة منذ وقت طويل لسيطرة الفاعلين السياسين ، يتحكمون في دواليبها و اجهزتها ،و يوظفون شعبيتها و نتائجها في معاركهم السياسية و الانتخابية .

و الكل كذلك ، يعرف كيف تمول جل الاندية ، و كيف تستفيد من اموال دافعي الضرائب من ميزانيات الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية ، و كيف يكون اللون السياسي لرؤسائها و مسيريها ،عاملا محددا و رئيسيا في حصولها على هذا المال تحت مسمى الدعم .

معادلة كرة القدم هي معادلة ثلاثية الاطراف ، فيها المسير ،و الممول و الجمهور ، و تسييس هذه المعادلة لا يقتصر على طرف دون طرف ، بل هذه العملية تشمل كل الاطراف ، فالكل مسؤول عن تسييس الرياضة و تدجينها ،لجعلها قناة اساسية تسمح بتصريف اهدافه و توجهاته و مصالحه .

و هذا الاستغلال البشع للرياضة و لكرة القدم على وجه الخصوص في المجال السياسي ، هو من أثار انتباه بعض الاطراف السياسية لاستغلال الطرف الشاغر داخل المعادلة الرياضية ، و هو من زكى توجهه نحو جعل الجمهور اداة فعالة لتمرير رسائله السياسية .

فلا يمكن لاحد اليوم ان يمحو بصمات بعض التنظيمات السياسية و خاصة الراديكالية منها ، فيما تقوم به بعض الالتراس داخل الملاعب الرياضية، فخطابها و رسائلها البعيدة عن الرياضة ، تدل بشكل واضح على توافقها مع أطروحات هذه التنظيمات السياسية .

كما لا يمكن كذلك تفسير بعض التصرفات الانتهازية في التعامل مع هذه الروابط الجماهيرية و كا يصدر عنها من خطابات و رسائل ، من قبل بعض الشخصيات و المسؤولين السياسيين ، فكلنا تابع مثلا كيف كان يغني السيد صلاح الدين مزوار و هو وزير خارجية و امين عام سابق لحزب سياسي ، شعار “عايشين عيشة مهبولة او خارجين على قانون الدولة ” في احد الجموع العامة لنادي الرجاء الرياضي.

تداخل السياسة مع الرياضة بشكل عام و كرة القدم بشكل خاص ، ليس مسؤولية طرف دون اخر ، بل هي مسؤولية مشتركة ، بين جميع اطرافها ، فالكل جعل منها حصان طروادة ، الذي سيقوده الى النصر و تحقيق المكاسب .

و خطورة هذا التداخل اليوم ، هو ظهور هذه الانحرافات القوية كنهج سياسي فوضوي ، يطغى على المجال السياسي المنظم و يسلبه اسباب وجوده و شرعية عمله و فعله داخل المجتمع ، و هو ما يمكن ان يقود الى حالة افلاس سياسي شامل ، لن تهدد فقط الاحزاب و الفاعلين السياسين لوحدهم ،بل يمكنها ان تهدد استقرار و سلامة البلاد برمتها .

فكرة القدم يجب ان تحافظ على طابعها الرياضي الصرف ، و السياسة و ممارستها يجب ان تبقى داخل مجالها و إطاراتها الشرعية و الفعالة داخل المجتمع ، بديمقراطيتها و انفتاحها و تأطيرها و عملها المستمر و المتواصل خدمة لهموم و تطلعات الشعب المغربي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *