تغول التقنوقراط.. الخطر الداهم على العمل السياسي

خالد بوبكري

بعد أن هدأت الأعصاب، ووضعت حرب الفعل ورد الفعل أوزارها، عقب التعيين الملكي لحكومة سعد الدين العثماني الجديدة، والتي منح فيها 9 حقائب وزارية لتقنوقراط، و7 لحزب العدالة والتنمية، و4 للتجمع الوطني للأحرار، وحقيبتين للحركة الشعبية، وحقيبة لكل من الاتحاد الاشتراكي والإتحاد الدستوري، يحق لنا أن نناقش وندلي بملاحظات جوهرية وأساسية تهم الهندسة الحكومية التي سيكون لها ما بعدها، بعد أن حصل التقنوقراط على حصة الأسد من مكوناتها.

فبالقيام بعملية حسابية بسيطة، نجد أن التقنوقراط إستحوذوا على أغلبية القطاعات الوزارية بنسبة %37، متبوعا بالعدالة والتنمية ب %29، بمعنى أن هذين المكونين يستحوذان على %66 من القطاعات الوزارية ذات الاهمية الاقتصادية والاجتماعية.

لكن عند التمعن في اللائحة الحكومية، سنكتشف أن هناك أسماء وزارية تنتمي لفئة التقنوقراط، ولا علاقة لها بالعمل السياسي، حيث تم صبغهم بألوان سياسبة، كما هو الشأن بالنسبة لمحمد بنشعبون، ومولاي حفيظ العلمي، ونادية فتاح عن حزب التجمع الوطني للأحرار، وسعيد أمزازي عن الحركة الشعبية.

وبذلك صار عدد التقنوقراط بحكومة سعد الدين العثماني، 14 وزيرا، و بنسبة استحواذ على القطاعات الوزارية %66.66 من مجموع الوزارات المشكلة للحكومة, بينما تم منح السياسيين %34.34 من المقاعد الوزارية.

هذه الإحصائيات التي تظهر تغول التقنوقراط على حساب رجال السياسة بالحكومة الجديدة، تعيد طرح سؤال قديم من جديد ، يهم دور الأحزاب السياسية في المرحلة الحالية والمقبلة، وجدوى تأطيرها للمواطنين المنصوص عليه في بنود الدستور.

فالمنصب الوزاري، كما هو متعارف عليه كونيا، هو منصب سياسي بالأساس، الهدف منه هو بسط وأجرأة سياسات وتوجهات حزب معين، بناء على برنامج انتخابي وآخر حكومي متوافق عليه، بالشكل الذي يسمح بمحاسبة الأحزاب على إلتزامها وأدائها الحكومي من قبل المواطنين في الاستحقاقات الإنتخابية الموالية.

ورجل السياسة الذي يشتغل في الفضاء العمومي، وينتج أفكارا وبرامجا، ينتظر بشكل دوري الفرصة للوصول للسلطة، -وهذا حقه- لبسط تصوراته وما يراه مناسب لتدبير الشأن العام.

وعندما ينتفي هذا الهدف، أي الوصول للسلطة، ويصبح السياسي مزاحم أو مهمش من طرف جسم بعيد عن الفعل السياسي، فإننا نكون أمام معادلة مختلة، مخرجاتها تصب في إتجاه تنفير الأجيال القادمة والحالية من العمل السياسي، وتجعل من المحفز وهم، فماذا يعني أن تشتغل في السياسة لسنوات للوصول للسلطة، وتكتشف أن السلطة سرقت منك خلسة لتمنح لرجل تقني لا يحاسب من طرف المجتمع على ما قام به بالقطاع الوزاري الذي يشرف عليه.

فأغلبية التقنوقراط الذين تحملوا مسؤولية تدبير الشأن العام، لا يقدمون حصيلة عملهم، ولا يحاسبون ، ويكفي ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر، وزير التربية الوطنية السابق -الغير منتمي لأي حزب انذاك– أحمد اخشيشن الذي أقر المجلس الأعلى للحسابات بالاختلالات التي عرفها البرنامج الاستعجالي، الذي أُطلق ما بين 2009 و2012 في عهد، حيث كشف إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، أمام البرلمان بغرفتيه عن معطيات صادمة حول سوء تدبير هذا البرنامج الذي لم يحقق أهدافه، ورصد مشكلات في إعداد البرنامج منذ البداية، وارتباك في تقدير كلفته، حيث خرج من الحكومة ولم يحاسبه أحد إلى يومنا هذا.

وغدا ستنتهي ولاية 14 وزيرا من التقنوقراط، وسيحصلون على تقاعد مريح بالملايين، ولن يحاسبهم أحد، وستلصق جميع الخيبات والنكسات، إن وجدت، بالأحزاب السياسية، وربما لن يحاسبها الناخب المغربي غدا، بل سيتجه نحو مزيد من العزوف عن التوجه لصناديق الإقتراع، الأمر الذي سيمس بالعملية الديموقراطية برمتها ببلادنا ويضعها موضع الشك والسؤال حول مصداقيتها.

فلست أدري ما هي الرسائل التي يراد إيصالها، من خلال ترسيم هذا الجيش من التقنوقراط بحكومة سعد الدين العثماني؟ هل هذا يعني أن هناك من يريد أن يقول لنا أن الوصول لمناصب المسؤولية لم يعد ممكنا من خلال الأحزاب السياسة ؟ وأن على من يريد ذلك أن يتجه نحو الجامعات الغربية للحصول على شواهد وشهادات وشيء من الحظ والحضوة.

وبغض النظر عن تغول التيقنوقراط بهذه الحكومة، فالملاحظ أن البلاد تتبنى توجهين متناقضين، الأول: يعتمد على رجال السياسة في تدبير مجموعة من المؤسسات الوطنية، كما حصل مؤخرا مع المجلس الإقتصادي والإجتماعي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومجلس المنافسة، ومؤسسة الوسيط…، والتوجه الثاني يميل لتبني المقاربة التقنوقراطية وتجلى بشكل جلي في الهندسة الحكومية الأخيرة.

الأمر الذي يخلق نوع من الخلط في أذهان المتتبعين، ويصعب من مهمة فهم توجهات وتصورات المسؤولين على الإقتراح والتعيين في مناصب المسؤولية، وأي تصور ممكن للمحلة المقبلة.

وكيفما كان الحال، فالواقع يحاصرنا بمجموعة من الأسئلة الجوهرية، والمرتبط بمستقبل النخب السياسي والعمل السياسي ببلادنا، والأدوار المنوطة بها مستقبلا، وهل تم التفكير في عواقب إنهيار الوسائط المجتمعية؟ وهل نحن فعلا أمام تقنوقراط بالمفهوم الصحيح، أم رجال مال، وممثلين لهم في السلطة التنفيدية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *