جنرالات الجزائر نهاية دبلوماسية الغاز.. والمؤامرة ضد وحدة موريتانيا

محمد بوبكري

يرى خبراء في الشأن الموريتاني أن حكام موريتانيا قد بدأوا يستوعبون ضرورة التعاون مع المغرب، لأنه صار قوة إقليمية مهمة يمكنهم أن تستفيد منها بلادهم… ويعود ذلك إلى أن المغرب هو البلد الوحيد في جوار موريتانيا القادر على ضمان الأمن الغذائي للشعب الموريتاني…

لقد دفع جنرالات الجزائر أزلامهم في زعامة مليشيات” البوليساريو” لإغلاق معبر “الكركرات”، لأنهم يرومون من وراء ذلك قطع المغرب عن جذوره الإفريقية، ما سيشكل عزلته، حيث يعتقدون أن معبر “تندوف” يمكن أن يكون بديلا لمعبر”الكركرات”… كما كان هدفهم من وراء ذلك، هو القيام بمبادلات تجارية مع موريتانيا ودول الساحل وغرب أفريقيا… لكنهم لم ولن يفلحوا في ذلك، لأن الشعب المغرب يعي مؤامراتهم ضد وحدته الترابية، كما أن الشعب الجزائري يرفض نظام الجنرالات، وصار مقنعا بأن افتعاله لمشكلة الصحراء المغربية، هو السبب في تفقير الشعب الجزائري وتجويعه وتجهيله، لأن الجنرالات ينفقون جبالا من الملايير على مليشيات “البوليساريو”، ويستغلون هذه المشكلة لنهب أموال الشعب الجزائري عبر صفقات مشبوهة، وتهريبها إلى الخارج، الأمر الذي شكل سببا في انفجار الحراك الشعبي السلمي في وجههم، حيث يطالب المتظاهرون برحيل هذا النظام العسكري الذي أتى على كل شيء، وصار يشكل خطرا الوطن…

إضافة إلى ذلك، فإن سياسة الإقصاء والتهميش التي ينهجها جنرالات الجزائر قد تدفع العديد من المناطق إلى المطالبة باستقلالها عن هذا النظام، والحال أن الحراك الشعبي قد رفع شعار استقلال الجزائر عن نظام العسكر، لأن الشعب الجزائري يعتبر أن هذا النظام هو استمرار للاستعمار، بل إنه قد شكل منذ البداية ردة وثورة مضادة لثورة التحرير الجزائرية، التي انقلب أحمد بن بلة و”هواري بومدين”. على مبادئها ومؤسسيها الكبار.

ويكاد يجمع المؤرخون على أن “بومدين” هو من قام بتأسيس النظام العسكري في الجزائر، الذي ما يزال الشعب الجزائري يعاني من ظلمه وجبروته إلى اليوم. لهذا، تشكل الأحداث الداخلية، التي تجري في الجزائر عائقا أمنيا في وجه استخدام أرباب الشاحنات للطريق التي تعبر الجزائر في اتجاه معبر ” تندوف”، الذي يتوهم جنرالات الجزائر أنه سيشكل بديلا لمعبر “الكركرات”…

فضلا عن ذلك، فإن هؤلاء الجنرالات لا يستطيعون القيام بمبادلات تجارية مع دول الجوار جنوبا، لأنهم لا يمتلكون فلاحة قوية، ولا صناعة مهمة، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فالاقتصاد الجزائري عاجز عن ضمان الأمن الغذائي للشعب الجزائري، ما جعله يعاني من مشاكل اجتماعية خطيرة، ودفعه إلى المطالبة برحيل نظام العسكر. كما أن اقتصاد الجنرالات لا ينتج إلا الغاز والبترول، ما جعل جنرالات الجزائر ينهجون دبلوماسية الغاز، حيث أعطوه لحكومة إسبانيا مقابل استقبالها لزعيم مليشيات “البوليساريو”، وقبول دخوله إلى التراب الإسباني بهوية مزورة، كما أن نظام العسكر الجزائري قد أعطى الغاز رشوة لحكام ألمانيا، مقابل مساندتهم لـ “البوليساريو” في ألمانيا وأوروبا والأمم المتحدة.. وإذا كان جنرالات الجزائر فاسدين لأنهم قدموا الرشوة لحكام ألمانيا وإسبانيا، فإن هؤلاء الحكام فاسدون، لأنهم قبلوا الارتشاء من قبل جنرالات الجزائر. لذلك فإن قبول حكام ألمانيا تلقي رشوة من جنرالات الجزائر، قد جعلهم يبرهنون على أنهم لا يحترمون فكر الأنوار الألماني الذي يناهض الفساد. هكذا، فإن الفاسد في علاقاته مع غيره، يكون قابلا، بطبيعته، لممارسة الفساد مع ذويه… أما حكام إسبانيا، فإنهم ذهبوا بعيدا في الخضوع لأوامر جنرالات الجزائر، حيث انخرطوا في تسليمهم المعارضين الجزائريين المقيمين في إسبانيا، الأمر الذي يعد انقلابا على المواثيق الدولية والأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان، لأن هذه المواثيق تمنع على الحكومات تسليم المعارضين السياسيين إلى حكام بلدانهم. لقد قام حكام إسبانيا بالشروع في تسليم المعارضين الجزائريين إلى الجنرالات، رغم أنهم يدركون أنهم سيعذبونهم، وربما سيغتالونهم. ويدل سلوك حكام إسبانيا هذا أن هؤلاء يتصرفون وكأنهم تخرجوا من مراكز “عبلة” المخابراتية الجزائرية، التي أسسها الجنرالان “توفيق مدين” و”خالد نزال”… لذلك فإن حكام إسبانيا يخرقون مبادئ وقيم حقوق الإنسان.

ويؤكد خبراء اقتصاديون جزائريون أن البترول والغاز الجزائريان قد نضبت آبارهما، ما يعني أن الجزائر ستعجز عن إنتاج اكتفائها الذاتي منهما، ما سيضع حدا لدبلوماسية الغاز، كما أن عائدات الجزائر منهما إلى درجة الصفر، حيث لن يكون في إمكان الجنرالات تغطية نفقات “البوليساريو”. كما أن مشاكل الاقتصادية والاجتماعية للشعب الجزائري ستتعمق. ويعود ذلك إلى أن الجنرالات لم يبنوا اقتصادا قويا يضمن لهم عائدات يمكن أن تعوض عائدات البترول، حيث نهبوا أموال الشعب الجزائري، وبذروها في التسلح الهجومي، تلبية لرغباتهم التوسعية على حساب دول الجوار، ما جعلهم يهملون الحاجيات الأساسية للشعب الجزائري، وهو ما ينذر بقرب انهيار نظام العسكر، لا محالة.

ويرى متتبعون وسياسيون جزائريون أن جنرالات الجزائر لم يهضموا بعد هزيمة جيشهم، في عام 1963، أمام القوات المسلحة الملكية، حيث لا يزالون يحقدون على المغرب، ويفتعلون مشكلة الصحراء المغربية التي قال عنها “هواري بومدين” ذات يوم إنها ستبقى حجرة في حذاء المغرب تعوق سيره ومسيرته، لكن تطور الأحداث كشف أن السحر انقلب على الساحر، حيث تحولت هذه المشكلة المفتعلة إلى حجرة في حذاء جنرالات الجزائر، التي قد تؤدي إلى سقوطهم لأنهم بذروا أموال الشعب الجزائري في تمويل “البوليساريو”، ما نتج عنه تفقير الشعب الجزائري وتجويعه وتجهيله.. وهذا ما يؤكد أن نظام الجنرالات يسير بالجزائر في اتجاه الانهيار… أضف إلى ذلك أن شنقريحة كان قد ألقي القبض بعد هزيمة الجيش الجزائري في معركة ” أمغالا” أمام القوات المسلحة الملكية، الأمر الذي عمق حقده على المغرب وكراهيته له.

لقد كان في إمكان المغرب أن يسترجع صحراءه الشرقية، سنة 1963، لكنه استجاب لتدخلات بعض الدول الأفريقية وعلى رأسها دولة مالي، التي طلبت منه إيقاف هذه الحرب، فاستجاب لنداءاتها، وجنح إلى السلم، انسجاما مع قيمه المناهضة للحرب.

فضلا عن ذلك، لقد طلبت الإدارة الاستعمارية من المغرب أن يتفاوض معها حول استرجاع صحرائه الشرقية، لكن المرحوم الملك محمد الخامس فضل تأجيل ذلك حتى حصول الجزائر على استقلالها، لكنها لما حصلت عليه تنكر “أحمد بن بلة” و” هواري بومدين” للوعود التي التزمت بها الحركة الوطنية الجزائرية مع المغرب، كما انقلبا على هذه الحركة الوطنية، ونقضا التزاماتها مع المغرب، وعملا على ترسيخ الاستبداد في الجزائر…

ومن الأكيد أن المغرب سيفتح ملف قضية استرجاع صحرائه الشرقية. ونظرا لأن جنرالات الجزائر يدركون ذلك، فإنهم دخلوا في تحالف مع إسبانيا، التي يتخوف حكامها من مطالبة المغرب باسترجاع مدينتي “سبتة” و”مليلية” و”الجزر الجعفرية”… وهذا ما يفسر عداء حكام إسبانيا والجزائر للمغرب، لأنهما يدركان أن المغرب سيتحول إلى قوة إقليمية قادرة على استرجاع أراضيها المحتلة شرقا وشمالا وجنوبا؛ وأن ذلك سيجعله أكثر قوة، ما سيجعلهم عاجزين عن منافسته…

وخلاصة القول، يرجع عدم استخدام ممر ” تنوف” بديلا لمعبر “الكركرات ” إلى انعدام الاستقرار في الجزائر، وإلى افتقار الجزائر إلى اقتصاد قوي يؤهلها للمبادلات التجارية مع بلدان غرب أفريقيا، وبلدان الساحل، حيث لا تمتلك الجزائر إمكانات فلاحيا كبيرة، ولا مؤهلات صناعية تؤهلها لذلك. علاوة على ذلك، يرى خبراء جزائريون أن المسألة الأمنية حالت دون استعمال معبر “تندوف”، حيث هناك تهديدات أمنية تحدق بهذا المعبر، نظرا لوجود “القاعدة” و”داعش” في هذه المنطقة، حيث ساهمت المخابرات الجزائرية في خلقها وتسليحها وتدريبها، خدمة لأطماعها التوسعية في بلدان جوارها، بهدف زعزعة استقرارها، حتى يتمكن الجنرالات من التوسع على حسابها، الأمر الذي جعل أرباب الحافلات التي تنقل البضائع إلى بلدان غرب أفريقيا والساحل، لا يطمئنون للمرور عبر معبر “تندوف”، الذي يرون أنه يشكل تهديدا لتجارتهم.

فوق ذلك، فإن افتقار الجزائر للبنيات التحتية، حيث لا طرق معبدة، ولا بنيات استقبال…، قد جعل أرباب الشاحنات يرون أن المرور عبر التراب الجزائري سيكسر شاحناتهم ويعطلها، ما سيلحق بتجارتهم خسائر كبيرة، علما أن المغرب سيشيد قريبا طريقا سيارا رابطا بين مدينة “أكادير” ومدينة ” الداخلة”.

هكذا، ونظرا لغياب الأمن والاستقرار والبنيات التحتية بالجزائر، فإن معبر ” الكركرات” هو أفضل بكثير من معبر “تندوف”، حيث يفضل أرباب الشاحنات المرور عبر المغرب، لا عبر الجزائر، لأن المغرب يتوفر على الأمن وعلى بنيات تحتية…

تبعا لذلك، فإن موريتانيا هي الخاسر الأكبر من إغلاق معبر “الكركرات”، لأن المغرب يضمن لها الأمن الغذائي والرواج التجاري… لذلك على موريتانيا أن تتبنى موقفا متوازنا بين المغرب والجزائر، لأن ذلك يخدم مصلحتها. أضف إلى ذلك أن السلطات الموريتانية في حاجة إلى المخابرات المغربية، التي تمتلك مؤهلات كبيرة، ونالت اعترافا دوليا بكفاءاتها في محاربة الإرهاب، ما جعلها تكون رائدة في أفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وما دام الوضع الأمني الموريتاني محطة للعديد من التجاذبات الإقليمية والدولية، فإن موريتانيا في حاجة إلى مساعدات أمنية مغربية لتتمكن من الحفاظ على أمنها وسلامتها. وللتدليل على ما أقول، فقد تأكد أن اعتقال الرئيس الموريتاني السابق “محمد عبد العزيز” يعود إلى تورطه في التنسيق مع جنرالات الجزائر الذين كانوا يريدون توظيفه للانقلاب على الرئيس “محمد ولد الغزواني”، بغية فصل شمال موريتنيا عن جنوبها، ما يعني أن حكام الجزائر يسعون إلى ضرب الوحدة الوطنية الموريتانية، حتى يتمكنوا من احتلال الشمال الموريتاني الذي سيتخذونه منفذا لهم على المحيط الأطلسي، كما أنهم يطمعون في نهب كل خيرات الشمال الموريتاني من حديد وذهب… أضف إلى ذلك، أنهم يريدون محاصرة المغرب جنوبا. لكن أنى لهم ذلك!! فلقد أصبح المغرب قوة إقليمية كبيرة لها قيمة رفيعة، تجعلها تحترم الجوار، ولا تعتدي على أحد، وإذا اعتدى عليها أحد، فإنها قادرة على رد الصاع بصاعين، الأمر الذي يدركه خصوم المغرب، الذين يعانون من عقدة اسمها ” المغرب”…

لذلك، على السلطات الموريتانية أن تقوم بتصحيح ما أفسده “ولد عبد العزيز”، وهو ما يؤكد عليه مثقفون وسياسيون موريتانيون، حيث إن تلك هي عين العقل… ونظرا لأن جنرالات الجزائر أرادوا تفتيت الوحدة الترابية لموريتانيا، فإن على حكام موريتانيا أن يلغوا اعتراف ” محمد ولد عبد العزيز” بما يسمى بـ “البوليساريو”، التي صار مؤكدا أنها كانت متورطة في فصل شمال موريتانيا عن جنوبها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *