حالة نادرة تجعل من الصعب تصور ماضيك ومستقبلك!

أفاد العلماء بأن الحالة النادرة التي تجعل الناس غير قادرين على تصور الصور في خيالهم قد يكون لها تأثيرات بعيدة المدى على العقل أكثر مما نعرفه.

وعُرف عن أفانتازيا، التي يشار إليها أحيانا على أنها “عمى العقل”، منذ القرن التاسع عشر، لكنها جذبت اهتماما علميا كبيرا فقط في السنوات الأخيرة.

وتخبرنا هذه الدراسات بالمزيد عن كيفية ظهور الأفانتازيا في البشر، بينما تكشف أيضا عن رؤى جديدة حول مدى أهمية الصور الذهنية كعنصر من مكونات وظائف الدماغ الأخرى، مثل الذاكرة.

وفي عام 2020، وجد فريق من الباحثين بقيادة عالم الأعصاب الإدراكي أليكسي دوز، من جامعة نيو ساوث ويلز (UNSW) في أستراليا أن الأشخاص الذين يعانون من الأفانتازيا أظهروا قدرة منخفضة على تذكر الماضي وتصور المستقبل، بالإضافة إلى تذكر أحلام أقل (وغالبا بتفاصيل أقل).

والآن، في دراسة جديدة، اكتشف بعض العلماء أنفسهم دليلا جديدا على تأثير الأفانتازيا على ذاكرتنا وتصوراتنا للمستقبل.

ويوضح دوز، وهو باحث الآن في مركز RIKEN لعلوم الدماغ في اليابان، في موضوع على “تويتر” حول النتائج الجديدة: “الذاكرة العرضية والتنقيب في المستقبل متشابهان وظيفيا. كلاهما عمليتان معرفية يومية تتضمن محاكاة إعادة بناء للأحداث والمشاهد، مصحوبة عادة بإعادة عرض حسية حية على الإنترنت (أو “عرض مسبق”) في شكل صور بصرية”.

وفي حين أن هذه الصور المرئية الداخلية هي شيء تستحضره أذهاننا على أساس مستمر، لا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه عن كيفية تأثير هذه الصور في قدرتنا على تذكر حلقات من الماضي.

ولاستكشاف هذا، أجرى دوز وزملاؤه من الباحثين تجربة مع حوالي 60 مشاركا، نصفهم عانى من أفانتازيا، بينما كان النصف الآخر من الأشخاص غير المصابين بهذه الحالة، وعملوا كمجموعة تحكم.

وفي التجربة، أكمل المشاركون نسخة معدلة من مقابلة السيرة الذاتية، وهو اختبار تم إجراؤه لتقييم مكونات ذاكرة السيرة الذاتية لدى البالغين.

وفي النسخة التي أجريت هنا، طُلب من المشاركين أن يتذكروا ستة أحداث في الحياة (ذكريات حقيقية) وتخيل ستة أحداث مستقبلية افتراضية بناء على إشارات الكلمات، مع تقديم أوصاف مكتوبة مفصلة لكل منها.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين يعانون من مرض الأفانتازيا ولّدوا تفاصيل عرضية أقل بشكل ملحوظ من المشاركين في المجموعة الضابطة، لكل من الأحداث الماضية والمستقبلية.

ووجد الباحثون أن هذا شمل صورا بصرية أضعف بشكل ملحوظ، وصور الأشياء، وصور المشهد، لكنهم لاحظوا أن الأشخاص الذين يعانون من الأفانتازيا حققوا نتائج مماثلة لعناصر التحكم في قدرة الصور المكانية.

وكتب الباحثون: “الأهم من ذلك، أن الدراسة الحالية تقدم أول دليل سلوكي قوي على أن غياب الصور المرئية يرتبط بقدرة منخفضة بشكل كبير على محاكاة الماضي وبناء المستقبل. وأنتج المشاركون في الأفانتازيا تفاصيل داخلية أقل بشكل ملحوظ من عناصر التحكم، بغض النظر عن الاتجاه الزمني، ما يشير إلى أن أوصاف أحداثهم كانت أقل ثراء بشكل عرضي وتحديدا من المشاركين الذين لديهم صور مرئية”.

وعلى الرغم من أننا لا نستطيع حتى الآن تقدير مدى التأثير، إلا أن الباحثين يقولون إنه من الواضح أن القدرة على إنشاء الصور المرئية مهمة للبناء العقلي للأحداث، سواء إعادة بناء ذكريات الحياة الواقعية، أو تخيل سيناريوهات لم تحدث.

ويوضح الباحثون: “وفقا لهذا الحساب، يجب أن تتضمن أحداث “إعادة التجربة” و”ما قبل التجربة” إعادة تجميع المعلومات الإدراكية والزمانية المكانية والمفاهيمية المخزنة، وبالتالي الاعتماد على العمليات المعرفية المماثلة – بما في ذلك الصور الذهنية”.

ولاحظ الباحثون أن أيا من هذا لا يعني بالطبع أن الأشخاص المصابين بأفانتازيا لا يمكنهم تذكر الأحداث الماضية أو تخيل أحداث المستقبل.

لكن يبدو أن قدرتهم على بناء أو إعادة بناء هذه المشاهد الداخلية تضاءلت مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون من هذه الحالة، والذين يبدو أن قدرتهم على الاعتماد على كمية أكثر ثراء من الصور المرئية العقلية تمنحهم ميزة في الاستفادة من الذكريات.

ولا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه عن كيفية عمل هذه الحالة، لكن دراسات مثل هذه تساعد في ملء التفاصيل – وليس فقط حول الأفانتازيا، ولكن حول كيفية تقاطع الذاكرة والصور المرئية (أو عدم تقاطعها) داخل الكل من رؤوسنا.

وكتب الباحثون: “من المحتمل أن تكون التفاعلات بين الصور المرئية، وبناء الأحداث العرضية، وذاكرة السيرة الذاتية معقدة بشكل أكبر بسبب الفروق الفردية التي لا تعد ولا تحصى التي تخفف من كل من هذه العمليات المعرفية. ومع ذلك، تقدم الأفانتازيا نموذجا فريدا لبدء استكشاف هذه التفاعلات وبناء تصنيف أوسع للمحاكاة المعرفية في الدماغ البشري”.

وأبلغ عن النتائج في Cognition.

المصدر: ساينس ألرت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.