حزب الاستقلال يعلن اصطفافه في المعارضة من داخل الحكومة!

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، بدأ حزب الاستقلال في تحريك خطاب سياسي جديد يحاول من خلاله التموضع خارج كلفة الحصيلة الحكومية، رغم مشاركته في تدبير الشأن العام ضمن الأغلبية الحالية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود الانسجام داخل التحالف الحاكم.

فالتصريحات الأخيرة للأمين العام للحزب، نزار بركة، بشأن الغلاء واختلالات سلاسل التوزيع والوسطاء، فتحت نقاشاً سياسياً حاداً، لأنها بدت أقرب إلى خطاب معارض يحمّل المسؤولية لاختيارات اقتصادية واجتماعية كان حزب الاستقلال جزءاً من هندستها أو على الأقل شريكاً في تمريرها داخل الحكومة.

ويحاول الحزب، من خلال التركيز على القدرة الشرائية والطبقة المتوسطة والمواد الأساسية، تقديم نفسه في صورة المدافع عن الفئات المتضررة، في وقت يصعب عليه إقناع الرأي العام بأنه خارج دائرة المسؤولية عن السياسات العمومية التي ساهمت في إنتاج الوضع الحالي.

وإذا كان خطاب بركة يستند إلى معطيات مرتبطة بالوسطاء وهوامش الربح وأسواق الجملة، فإن توقيته السياسي يمنحه دلالة انتخابية واضحة. فالحزب الذي جلس إلى طاولة القرار الحكومي طيلة الولاية، يعود اليوم ليخاطب المواطنين بلهجة التمايز، وكأن مرحلة الغلاء وارتفاع الأسعار جرت خارج نطاق التحالف الذي ينتمي إليه.

ويبدو أن حزب الاستقلال يسعى إلى فتح مسافة محسوبة مع التجمع الوطني للأحرار، خاصة في الملفات المرتبطة بالفلاحة والأسعار والسوق الداخلية، وهي ملفات ترتبط سياسياً بصورة رئيس الحكومة وحزبه. غير أن هذا التمايز المتأخر قد يُقرأ لدى فئات واسعة من الناخبين كمحاولة للهرب من تبعات الحصيلة أكثر مما هو مراجعة حقيقية للاختيارات الاقتصادية.

كما أن الحديث عن إعطاء الأولوية لتزويد السوق الوطنية بالإنتاج الفلاحي قبل التصدير يضع الحزب أمام امتحان الصدقية السياسية. فإذا كان هذا الطرح يمثل قناعة راسخة، فلماذا لم يتحول إلى معركة واضحة داخل الحكومة منذ بداية الولاية؟ ولماذا يظهر بهذه القوة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟

إن حزب الاستقلال، وهو يحاول استعادة نَفَس اجتماعي في خطابه، يجد نفسه أمام تناقض صعب: يريد البقاء داخل الحكومة والاستفادة من موقع القرار، وفي الوقت ذاته الظهور كقوة تنتقد اختلالات السوق والغلاء وضعف حماية القدرة الشرائية. وهذه المعادلة تضع خطابه تحت ضغط مزدوج، بين واجب التضامن الحكومي وحسابات التمايز الانتخابي.

وتكشف هذه التحركات أن النقاش السياسي دخل فعلياً مرحلة ما قبل الانتخابات، حيث بدأت مكونات الأغلبية في ترتيب مواقعها ومحاولة تخفيف كلفة الحصيلة أمام الرأي العام. غير أن المواطنين الذين عايشوا ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لن يتوقفوا عند الشعارات، بل سيطرحون سؤال المسؤولية السياسية على كل من شارك في التدبير.

وفي هذا السياق، تبدو خرجة الاستقلال حول الغلاء رسالة انتخابية أكثر منها إعلاناً عن تحول جذري في الاختيارات. فالحزب الذي يحاول اليوم مخاطبة المتضررين من الأزمة المعيشية سيجد نفسه مطالباً بتقديم أجوبة واضحة: هل كان شريكاً في الحصيلة أم شاهداً عليها؟ وهل يريد فعلاً تغيير السياسات أم فقط تغيير زاوية الخطاب قبل صناديق الاقتراع؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك