خسارة حزب العدالة والتنمية كانت متوقعة

البشير الحداد الكبير

إن خسارة الحزب الحاكم طيلة عقد من الزمن كانت متوقعة، فقبل الحديث عن الأسباب لابد من التنويه بأن التجربة المغربية أبانت للعالم مدى ديمقراطيتها وبأنها تجربة فريدة من نوعها أعطت الريادة للمغرب إقليميا، إذ بمقارنة المغرب مع الكثير من الدول المغاربية والعربية نجده قد تفوق عليهم، خصوصا ما لاحظناه على التجربة التونسية التي فشلت والتجربة الجزائرية… إلخ، بل أكثر من ذلك أظهر دستور 2011(1) بأن العقل الدستوري المغربي لا ينطق عن الهوى ومنزه عن العبث إذ قام بوضع جميع الضمانات الكفيلة لنجاح الديمقراطية المغربية، فالدستور الجديد لاحظنا كيف عاش جميع الفترات ما بعد سنة 2011، لاحظنا أنه جنب المغرب البلوكاج الحكومي سنة 2017،كما أنه في فترة كورونا يمكن ان نطلق عليه دستور تدبير الأزمات، إذ ان جميع الإجراءات الحكومية المتخذة في هذه الجائحة تمت وفق ما هو منصوص عليه دستوريا وهذا يؤكد على أن العقل الدستوري المغربي يعتمد في وضعه للوثيقة الدستورية على التخطيط الإستراتيجي، فهذا العقل الدستوري أثناء وضعه للوثيقة الدستورية سنة 2011 تنبأ بجميع التوقعات وهنا تنطبق المقولة “الحكم هو التوقع”، لقد أبانت التجربة المغربية بأنها مدرسة الديمقراطية خصوصا بعد تنظيم الإنتخابات التشريعية سنة 2011 و 2016 و 2021، كما أنها أظهرت بالملموس أن الشعب هو صاحب السيادة عن طريق صناديق الإقتراع.

إن الخسارة الكارثية لحزب العدالة والتنمية كانت متوقعة في هذه الإستحقاقات لعدة أسباب:

+ مس الحزب بالطبقة المتوسطة في المغرب ؛
+المس بصندوق المقاصة لاسيما بعدما قام رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران بتحرير المحروقات في فترة لم يكن فيها مجلس المنافسة؛
+منع التوظيف المباشر والإعتماد على التعاقد في التعليم؛
+تجاهل ملف الممرضين؛

+ظهور الحركات الإحتجاجية في العديد من المدن وتجاهل الحزب الحاكم لمطالبها، حيث أن هذه الحركات لم تكن قبل 2011 ولكن نتيجة التسيير العشوائي لحزب العدالة والتنمية لأمور الحكم، إلا أنه بفضل عبقرية وحكمة المؤسسة الملكية بإعتبارها صمام أمان المغاربة تم حل العديد من المشاكل على الصعيد الترابي؛
+في جائحة كورونا قام الحزب الحاكم بمس الطبقة المتوسطة عبر أسلوب الإقتطاع من الرواتب؛

+حزب العدالة والتنمية كان يعاني قبل جائحة كورونا من أزمة داخلية في الحزب خصوصا بعدما تأكد أنه حزب يرتكز على الأشخاص وَليس حزب مؤسسات،فمباشرة بعد مغادرة بنكيران الأمانة العامة للحزب عرف الحزب تراجعا كبيرا وهو ما أعطى صورة سلبية عليه في ذهن المغاربة بعدما كان يخيل إليهم انه حزب ديمقراطي قائم بذاته؛

+خسارة الحزب في إنتخابات الغرف المهنية التي كانت منظمة يوم 6 غشت 2021 كانت أكبر مؤشر على تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار وتقهقر حزب العدالة والتنمية؛

+فشله في تسيير الجماعات الترابية التي كان يقودها.

بالإضافة إلى بعض هذه الأسباب، كانت الخسارة متوقعة، لأنه إذا لاحظنا إقليميا أن الأحزاب الإسلامية بعد صعودها للحكم بعد سنة 2011 فشلت في تدبير أمور الدولة خصوصا أنها تفتقر للميكانيزمات وإعتمادها على خطابات إيديولوجية بعيدة كل البعد عن التدبير الحديث لشؤون الدولة في القرن الحادي والعشرين، نفس الشيء ينطبق على حزب العدالة والتنمية الذي فشل هو كذلك ولم يحاول تطوير آلياته وظل متشبتا بنفس الشعارات والإيديولوجيات.

لقد أثبتت التجربة المغربية بأنها ديمقراطية وبأن النظام المغربي يتمتع بالسلم والأمن والأمان، فالمواطنات والمواطنين فعلوا يوم 8 شتنبر الفصل 30 من دستور 2011 الذي يعطيهم الحق في التصويت، وهكذا كان تصويتهم عقابيا لحزب كان يعطيهم الأمل لمدة عقد من الزمن، وبالتالي تمت إزالته بطريقة سلمية ديمقراطية حضارية، لأنه إذا لاحظنا في التجارب الإقليمية نجد الحروب من أجل الإطاحة بالحزب الحاكم لكن التجربة المغربية تثبت بأن المغرب دولة عريقة في الديمقراطية وتؤكد بالملموس الوعي والنضج لدى الشعب المغربي.

وفي الأخير تجدر الإشارة أن نسبة التصويت المرتفعة المعبر عنها في الأقاليم الجنوبية الصحراوية المغربية تؤكد للمحيط الإقليمي والدولي على مغربية الصحراء وتشبت الشعب الصحراوي المغربي بمغربيته وتؤكد لخصوم وحدتنا الترابية بأن المغاربة المتواجدين في الصحراء المغربية يقررون مصيرهم من خلال ممارسة حقوقهم الدستورية بإختيار المرشحين المناسبين لتمثيلهم في مؤسسات الدولة المغربية وكما صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطاب ثورة الملك والشعب 2021 :”… نؤكد أننا سنواصل مسارنا، أحب من أحب وكره من كره رغم انزعاج الأعداء وحسد الحاقدين…”.

الهوامش :
1-ظهير شريف 1-11-91 الصادر بتنفيذ دستور 2011 بتاريخ 29 يوليوز 2011،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011،الصفحة :3600.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *