سعيد جعفر يكتب: الملك يحمل قضيتنا بين أضلعه

سعيد جعفر

الذين قرؤوا بلاغ الديوان الملكي على هامش الاتصال الهاتفي بفخامة الرئيس الموريتاني لا بد أن تستوقفهم الفقرة الأخيرة من البلاغ.

تقول الفقرة “وأعرب جلالة الملك، أعزه الله، عن استعداده للقيام بزيارة رسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، كما وجه الدعوة لفخامة الرئيس الموريتاني لزيارة المملكة المغربية بلده الثاني”.

هذا الملك لم تمض على عمليته الجراحية الأخيرة إلا مدة قصيرة نسبيا وبدون شك فهو مستهدف بعدوى كوفيد بناء على ذلك خصوصا أن الرئيس الجزائري، شافاه الله، لا زال في رحلة علاج لضعف مناعته.

هذا ليس سببا كبيرا لاعتباره انتصارا ومعجزة وسلوكا مثاليا في ممارسة السياسة ولكنه يكشف مستويين حاسمين في كيفية حماية الملك محمد السادس للسيادة التي أؤتمن عليها بموجب البيعة والدستور.

في المستوى الأول أن الملك يتعامل بسرعة وببراغماتية كبيرة في الدفاع عن المصالح العليا للوطن وهو يستثمر كل الفرص بل ويوفر كل العروض الممكنة خدمة للوحدة الترابية؛

في المستوى الثاني هذا الملك يجعل الصحراء أولوية الأولويات وقد تسبق عنده صحته نفسه، إذ ماذا لو كانت الزيارة بعد أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة ولا زالت كورونا منتشرة؟.
ولا بد أن نذكر هنا بأن الملك كان أجل خطابه الأخير من الجمعة الى السبت بعد ان تم اكتشاف اصابة عدوى لدى أحد تقنيي بث الخطاب.

إن الزمن السياسي مهم في السياسة و النجاح في تدبيره واختزاله واستباق آثاره مسألة حيوية جدا فيها. وتقديري أن حصول زيارة لموريتانيا في هذه الظروف سيكون خطوة مهمة في تثبيت الواقع الجديد في الأرض وقدوم فخامة الرئيس الموريتاني للمغرب سيكون جوابا سياسيا عن المظالم التي تلحق موريتانيا الشقيقة من شروط موضوعية تفرض عليها الحياد.

اي زيارة في هذا الاتجاه أو هذا الاتجاه ستكون خطوة أولى في اتجاه حياد إيجابي وهو في تقديري أفضل موقع لموريتانيا وللمغرب على السواء.

لقد كان جزء من قصور الديبلوماسية المغربية منذ السبعينيات هو ترددها ووضعها اعتبارات في الشكل ثم المضمون، كان من المرعي ألا يبادر المغرب إلا بناء على طلب أو بعد تبين الحاجة.
كانت هذه شروط جوهرية في التحرك والتفاعل وقد ظهر أنها كانت كانت كلاسيكية وحتى تقليدية رغم أنها كانت مناسبة لعصرها ولشروطه الموضوعية.
ربما ارتبط ذلك بطبيعة العلاقات الدولية آنذاك التي اتسمت بالتقاطب مما يفرض تريثا وهدوءا وحذرا في اتخاذ الخطوات والقرارات الديبلوماسية خصوصا، وقد يعود إلى شخص الحسن الثاني رحمه الله الذي كان يربط جزء من ديبلوماسيته بطبيعة خصومه كالقذافي والأسد والخميني وبومدين أكثر مما يربطها بالشرط الموضوعي (ينظر مذكرات سي عبد الهادي بوطالب مستشار جلالة الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه).

في بداية حكم الملك محمد السادس سئل من طرف صحافي لونوفيل أوبسرفاتور ما الفرق بينكم وبين الملك الراحل الحسن الثاني؟
كان جواب الملك محمد السادس بكلمة واحدة ودالة: الأسلوب.

ويبدو أن محمد السادس يغير كثيرا في الشكل والمضمون، محمد السادس لا ينتظر طلبا خارجيا أو انتظار توفر حاجة ليتصرف، الملك محمد السادس يعرض عروضا ويبني نتيجة.
ورغم انه يستمر سياسيا وأخلاقيا في احترام روابط الأخوة والعمومة فإنه يمكن أن يحتج بطريقته على الإمارات العربية المتحدة وعلى السعودية ويفرض شروطا للعبة والاستمرار فيها.

أريد أن أقول في ختام هذا التحليل أن هناك من سيقول هذه التحليل نموذج لتعياشت وأن صاحبه مثقف من درجة “عياش”،
أريد ان أقول مع أنه لا مجال للمناقشة وخاشا أن تكون كذلك أن ناحت مفهوم “المثقف العضوي” أنطونيو غرامشي سخر وعيه وهو طالب للدفاع عن إيطاليا والحزب الاشتراكي وسخر قلمه وهو أستاذ للدفاع عن الجيش الإيطالي والدولة الإيطالية وهو يؤسس لجنة المصانع ثم الحزب الشيوعي.

سؤال بريء، مع أنه لا مجال للمقارنة وحاشا أن تكون. ماذا كان يفعل الشاعر حسان بن ثابت؟ ألم يكن يمدح الرسول ص والدعوة المحمدية والدولة الإسلامية؟
هل نقول أنه كان عياشا وأن شعره كان تعياشت و”تمخزنيت”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *