سعيد جعفر يكتب: تحليل في مستقبل البيجيدي

سعيد جعفر

أقصى ما سيفعله البيجيدي في مجلسه الوطني القادم وفيما تبقى من شهور قبل الانتخابات هو أن يقدم كل رأسماله للدولة بهدف الحفاظ على موقعه السياسي (الحكومي) وألا يكون موضوع “نقاش” انتخابي كما كان موضوع “نقاش” انتخابي في 2011 ولكن في اتجاه آخر.

البيجيدي اليوم لا يملك أي ورقة جوكير للعب فكل أوراقه التقليدية إما استنفذت (الوزن المجتمعي الميداني) أو لم تعد قائمة ضمن الخطاطات السياسية والاستراتيجية الدولية (مخطط الشرق الأوسط الكبير الذي رعاه حزب الفيل الأمريكي).

جزء من الوزن الميداني المجتمعي للبيجيدي كان مرتبطا بخطابه الذي يوظف فيه الدين و بموقفه القومي المنتصر لفلسطين (إن لم نقل يتاجر بها).
ما حدث أن الخطاب الديني للبيجيدي لم يعد ولن يكون مجديا انتخابيا لأسباب ثلاثة على الأقل:

– لأن حصيلة الحزب في الحكومة و تحولهم من الزهد والتقشف إلى الرفاهية ورغد العيش ومراكمة الامتيازات جعلتهم يظهرون في نظر جزء كبير من الشعب ومن العاطفين كسياسيين كاذبين ومنافقين.

– لأن جزء كبيرا من الناخبين والناس وارتباطا بدينامية المجتمع لم يعودوا يثقون في الخطابات السياسية والدينية، خصوصا وأن العشر سنوات الأخيرة كانت اختبارا حقيقيا للشعبوية مما سيقوي من ذكاء المغاربة ونقدهم.

– لقد حدثت دينامية دينية في البلاد ومنذ إقدام أمير المؤمنين على توسيع هذه الوظيفة الدينية لتشمل المؤمنين اليهود والمؤمنين النصارى وأتباع الأديان الأخرى، وتصبح أكثر كونية، بدأ نوع من الانسحاب للإسلام التقليدي الذي يمثله البيجيدي وباقي الإسلاميين من الواقع ومن المخيال الجماعي للأفراد.

– أن الأفعال الجرمية التي قام بها رقاة (استغلال جنسي ومادي) وفقهاء (اغتصاب لأطفال وقتلهم) ولقياديين في تنظيمات إسلامية (فساد أخلاقي ومالي) أدت مجتمعة إلى زعزعة ثقة الناخبين والرأي العام.

الجزء الثاني الذي كان يقوي الوزن المجتمعي للبيجيدي هو تعامله البراغماتي مع القضية الفلسطينية. لقد كان البيجيدي يقدم نفسه كحزب مدافع عن حقوق الفلسطينيين وغالبا ما كان يزايد على الملك نفسه في الموضوع بله الفرقاء السياسيين من يسار وليبراليين.
لقد سبق لبنكيران في 2009، وهو في موقف قوة مدعوما بأجندات تباشير مخطط الشرق الأوسط وتنفيذه بالوكالة من الإخوان المسلمين، أن أمعن في إحراج الملك وهو يصرح أنه وحزبه من دفعوا الملك للتضامن مع غزة، وهو السلوك السياسي الذي احتج عليه الديوان الملكي في بلاغ وتلاه رئيس الحكومة عباس الفاسي وتلته عدد من الأحزاب السياسية.

بتوقيع سعد العثماني الأمين العام للبيجيدي رئيس الحكومة على اتفاق مع عامير بن شبات مسؤول الأمن القومي الاستراتيجي لإسرائيل يكون البيجيدي فقد كليا هذه الورقة التي كان يحصل منها على التعاطف الشعبي وانتخابيا، وبالتالي سيفقد وسيلة للامتداد الشعبي.

من حسن حظ البيجيدي أنه في لحظة عرضية في التاريخ وجد نفسه مطلوبا من كل الاتجاهات، من رعاة مخطط الشرق الاوسط (الحزب الديمقراطي الأمريكي) ووسطائهم (الإخوان المسلمين) ومن الدولة المغربيةالتي كانت في حاجة ملحة لتدبير الداخل ارتباطا بخطاطة وأجندات الخارج.
وسط هذه الوضعية وجد البيجيدي نفسه حصان طروادة الذي يراهن عليه الجميع فقبل العرض وتفنن في الاستفادة منه وبدأ في تحقيق كيميائه العقدي في التمكين والهيمنة و القتل المعنوي والمادي للخصوم.

اليوم (2020-2021) لم تعد هذه الورقة مجدية للبيجيدي ولن تكون هناك طلبات حتى ولو عرض خدماته لأدائها.
اليوم الأنظمة السياسية ومنها النظام المغربي تقدموا كثيرا، ليس فقط على وسطاء المخطط وخصوصا الإخوان المسلمون وفروعهم السياسية، ولكن حتى بالنسبة لراعي الخطة أي الحزب الديمقراطي الأمريكي.

لقد كانت خطة مخطط الشرق الأوسط الكبير هي توفير حكومات في محيط اسرائيل بإمكانها تيسير تمدد إسرائيل. كانت البداية مع تركيا التي تحولت إلى منفذ لإسرائيل على البلقان والقوقاز وعلى العالم وقد ربحت تركيا أموال طائلة وخدمات ودعم أمريكي من هذه الخدمة لسنوات.
وكان ضروريا ليتم تحرير إسرائيل أن تصنع أمريكا ثورات في كل الدول العربية لا سيما في الجوار المباشر لإسرائيل بهدف تنصيب حكومات تحت تصرف أمريكا بإمكانها تسهيل تحرر إسرائيل والتطبيع معها.
وكانت البداية من مصر وسوريا لكن الخطة فشلت، في مصر لم يطول مرسي والإخوان المسلمون كثيرا وعاد الجيش للحكم، وفي سوريا لم تنجح كل الخطط والمعارضة المدعومة من أمريكا في إسقاط نظام الأسد قبل أن يضطر ترامب لإعلان الجولان اسرائيلية بشكل منفرد.

الأنظمة السياسية في الخليج وفي المغرب والسودان وغيره ستفهم جيدا مسار الأشياء وستمارس السياسة بواقعية أكبر. ستعرف أن مخطط الشرق الأوسط الكبير مستمر وسيكون بآليات أخرى وسيستمر في تغيير الحكومات كما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا، ولهذا ستحاول تكييفه خدمة لمصالحها ومصالح شعوبها بجعله جزء من التفاوض مقابل تحسين موقعها السياسي الاستراتيجي أو استكمال وحدتها الترابية وتحسين موقعها الاقتصادي والسياسي أو خذفها من قائمة الدول المشمولة بالعقوبات والحصار.

وهكذا نجحت هذه الأنظمة بخبرتها السياسية الطويلة في تغيير مسار المخطط برمته ليصبح مربحا.
لقد كان مقررا أن تتحرر إسرائيل كليا دون مصاريف ودون تغيير في الملفات اااقتصادية والترابية العالقة، وهذا ما حدث فعلا في تونس وليبيا مثلا.
لكن خبرة الأنظمة السياسية التقليدية والتاريخية حولت كليا مسار مخطط الشرق الأوسط الكبير لتجعله موضوع مفاوضة حول قضايا عالقة تركتها القوى العظمى بما فيها أمريكا نفسها وانجلترا وفرنسا واسبانيا لابتزاز هذه البلدان.

وإذن فالبيجيدي لن يكون له أي دور مستقبلي في تنفيذ مقتضيات مخطط الشرق الأوسط الكبير لا سيما في شقه الاقتصادي والسياسي (للأسف كانت خدماته مجانية ولاوطنية)، فالنظام السياسي بخبرته الطويلة حول بإبداع هذا المخطط إلى منافع على الوحدة الترابية للمملكة وعلى مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية و رهانه في أن يتحول إلى قوة إقليمية ومحور إقليمي دون أن يتنازل عن مواقفه الثابتة من القضية الفلسطينية ومن حقوق الشعب الفلسطيني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *