سعيد جعفر: تعديل القانون الجنائي المغربي لربح جزء من خطة الإدارة الأمريكية الجديدة

سعيد جعفر
لا شيء يمكن قوله منذ البداية، هو أنه يستحسن أن تتخذ الدولة المغربية في “أقرب الأوقات” خطوات رسمية فعلية في قضايا حقوق الأقليات والمعتقد والتطرف (ليس الإرهاب الذي ينخرط فيه المغرب بشكل كبير مع إدارة ترامب) والبيئة (الدعوة للبحث عن صيغة لاستكمال مقررات وتوصيات مؤتمر المناخ بمراكش الذي حضره بايدن باعتباره صاحب ورقة “البيئة في العالم” والتي أعدها في فترة أولى مع آل غور المرشح الرئاسي السابق قبل أن يتممها صحبة فريق من الخبراء بعضهم أعضاء في منظمات Green peace ومنظمات أخرى ضاغطة والتي تشتغل في المحاور المائية العالمية).

وسيكون من غير الجيد عدم استثمار معطيات الزمن السياسي الجديد سواء عبر ما يمكن أن تفعله لوبيات الضغط التي يشترك معها المغرب في خطط عمل والتي من المفترض أن تكيف معطيات دفتر تحملات المغرب (سياساته في القضايا أعلاه) مع خطة الديمقراطيين، أو عبر الخطاب الرسمي للمملكة.

ويبدو أن إدارة بايدن بدأت في تنزيل خطتها في حماية حقوق الأقليات وحقوق الإنسان من مصر والسعودية خصوصا.
وفي المقابل بدأت القوى الإقليمية المحورية في محور حوض الماء بين آسيا الصغرى وأوربا والخليج العربي وشمال إفريقيا، وخصوصا تركيا ومصر والسعودية في التحرك إما بشكل دفاعي لتخفيف وقع الخطة على استقرارها أو لوقف سريانها من الآن عبر استصدار شواهد لحسن السيرة أو استقطاب شفعاء سياسيين مقربين من الإدارة الأمريكية وخلفاء لها، أو للبحث من خلالها عبر “شرف” التكفل بتصريف جزء من هذه الخطة وذلك بتقديم “حسن سيرة”.

وهذه قراءة متقاطعة فيما يجري لحد الآن ( قبل حوالي شهر من التنصيب الفعلي للإدارة الأمريكية الجديدة).

1- مصر:

يبدو أن الإدارة الامريكية الديمقراطية بدأت خطتها في حماية حقوق الأقليات من مصر بالضبط في إتمام لخطوات أوباما والتي انتهت بإسقاط مبارك وتصعيد مرسي والإخوان المسلمين قبل أن يتخلى عنهم ببروز رد فعل للقاعدة الصلبة للجيش وتبني شعبي.

في نهاية الأسبوع هذا تلقت مصر احتجاجات من منظمات حقوقية محسوبة على الديمقراطيين ومن الاتحاد الأوروبي ومن السويد (السويد تضم سلسلة جمعيات حقوقية مستعدة للتحالف مع أي توجه عالمي يمكنه تنزيل جزء من خطتها)، بعد اعتقال السلطات المصرية لثلاثة من قيادات ما يسمى ب”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، وهي مبادرة لخليط من ليبراليين وإسلاميين وعلمانيين ومستقلين أغلبهم كانوا من نشطاء احتجاجات 2011( سأعود لبروفايلات عدد من النشطاء بتفصيل وخصوصا جاسر عبد الرزاق المدير التنفيذي للمبادرة، و مديرها الإداري محمد بشير و ومدير قطب العدالة الجنائية بها كريم عنازة).

لا يتبين إن كانت السلطات المصرية ستنجح في تدبير جس النبض هذا أو لا، ولم يتبين إن كانت سياسة الصرامة (اعتقال متزعمي المبادرة) جوابا فعالا ام لا، ولكن الظاهر أن سلسلة من المبادرات كهذه ستنطلق في مصر وستكون أدوات لاستنزاف جهود السلطات المصرية إما بهدف إضعافها أو بهدف مساومتها وابتزازها.

وبدون شك فما حدث على مستوى القاعدة الصلبة للجيش وما وازاه من التفاف وتبني شعبي انتهى باسقاط مرسي والإسلاميين و توقف مشروع توسع إسرائيل، سيكون في محور هذه التحركات، دون أن ننسى أن بايدن حليف عقدي لإسرائيل وليس مجرد حليف استراتيجي كترامب مثلا.

2- المملكة العربية السعودية:

كان ترؤس الملك سلمان شخصيا لقمة العشرين مقابل تواري ولي العهد حتى من منصة الرئاسة جوابا ضمنيا للإدارة الأمريكية، وبغض النظر عن مناقشات القمة ومكان انعقادها الافتراضي في الرياض وترؤس الملك شخصيا لها، فإن السعودية كانت مهتمة برسالة واحدة هي “استعدادها لدمقرطة الاقتصاد والدولة”، وبهدف واحد وهو استصدار قرار بدعم جهود السعودية في “التحديث” الاقتصادي والسياسي عبر استقطاب راعي رسمي له من حلفاء أمريكا. وبالفعل فإعلان الرئيس البريطاني بوريس جونسون عن التزامه بزيارة مدينة النيوم السعودية (مشروع تحديثي اقتصاديا وسياسيا وثقافيا أنجز لتقديم مشروع محمد بن سلمان في الحكم) في أقرب وقت أبرز نتيجة للسعودية في مواجهة خطط الديمقراطيين.

ولا بد أن نسجل أن الجهة الوحيدة التي احتجت على نية جونسون زيارة النيوم هي المنظمة العربية لحقوق الإنسان وهي منظمة حقوقية مقرها في لندن وشريك استراتيجي للمعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي التابع للحزب الديمقراطي.

3- تركيا:
قدم أردوغان اليوم دفتر تحملات علني لاستصدار شهادة حسن سيرة من الإدارة الأمريكية، ويبدو ان فريق استشاريي أردوغان على معرفة دقيقة بوثائق كل تيارات الحزب الديمقراطي وفي كل مواضيع الخطط العامة، سواء ما تعلق بالأمن القومي أو محاربة التطرف او البيئة.

في موضوع الأمن القومي والتطرف قال أردوغان في لقاء حزبي دون جدول أعمال مسبق أن “تركيا العضو الوحيد في حلف النيتو الذي كان في مواجهة “مباشرة” مع داعش”.

وبخصوص البيئة قال أن تركيا خصصت ميزانية بستة مليارات دولار لخدمة مشاريع بيئية بتركيا وخارجها، وأنه يجب استكمال وتنزيل مخرجات مؤتمر باريس للمناخ واستعداد انقرة للمساهمة في ذلك.
وأن تركيا لها علاقات قوية بالغرب ومستعدة للتعاون أكثر مع احترام استقلاليتها.

في الحالات الثلاث (مصر والسعودية وتركيا) هناك رهانات ثلاث.
النظام المصري يعرف أن مرحلة ترامب لم تكن فاصلا للاستراحة وأن فلسفة الاستنزاف الكبرى التي تعرضت لها منذ حكومة كلينتون والتي تصب في عمقها على سعي العقيدة الأمريكية لحماية أمنها الاستراتيجي عبر حماية أمن اسرائيل، مستمرة ودائمة واستراتيجية ولا يشكل الجمهوريون إلا تليينا لها في ارتباط بموازين القوى في الشرق الأوسط وآسيا الصغرى وشرق المتوسط.

ولهذا سيستمر النظام المصري (عسكري العقيدة) في مجاراة إيقاع الخطط الجديدة عبر عزل التحركات الداخلية و تكييفها كأفعال قانونية وتفريغها من كل بعد سياسية، وخارجيا سيحاول تكييف خططه مع الجوار بما يشذب الخطة الأمريكية ويجعل أثرها محدودا على البنية العامة.

يعرف الحاكمون في مصر من طبقة عسكرية وطبقة سياسية أن عملية تخريك الشارع المصري مجددا غير ممكنة او على الأقل ستكون محدودة بناء على طريقة التجفيف العامة للاخوان المسلمين، ويعرفون أن حدود تحركات الجبهات السياسية والاجتماعية محدود لضعف نفسه وخبرته، ولهذا سيتحرك النظام المصري بنوع من الأريحية إلا اذا اتخذت الاتهامات والتحركات الأمريكية طابعا رسميا كما حدث في لحظة ما مع نظام مبارك عندما أصبحت السفارة الأمريكية ثم الخارجية المصرية ثم الإدارة الأمريكية طرفا فعليا في المطالبة في التغيير قبل حوالي سنة من انطلاق الاحتجاجات فعليا.

بخصوص العربية السعودية يبدو أنها تعرف جيدا مآلات الأمور فالديموقراطيون سيستمرون في اعتبار السعودية خلفية مالية غير محروسة، وتعرف النظام السعوي الذي كان طرفا في ترويج تبرير امتلاك العراق لسلاح الدمار الشامل كيف لتبرير عدم احترام حقوق الإنسان أن يكون مبررا كافيا للضغط على النظام السعودي.

ومنذ البوادر الأولى لنتخابات الرئاسة في أمريكا حاول النظام السعودي تقديم إشارات أولى على التكييف والتكيف لكنها لا تبدو مقنعة لإدارة أمريكية ديمقراطية قائمة على توازن التيارات، ولهذا ستتجه إلى خطوات أكبر وأثقل بالبحث عن شركاء وشفعاء من كبار حلفاء أمريكا.
قد يكون ترامب والجمهوريون في الجيب بناء على طبيعة التسويات والصفقات التي حدثت في الأربع سنوات الأخيرة، وقد يبدو جونسون وبريطانيا وسيطا جيدا في مستوى محدود ولكن البحث عن رعاة ومهندسين لإبطال آثار قنابل خاشقجي والجبير وهديل وما يسمون نشطاء سيكون هما يوميا ووخزا في خاصرة النظام السعودي على الأقل في 100 يوم الأولى من عمر حكم الديمقراطيين.

تركيا وبناء على صريح وثائق سانذرز وبايدن لم تعد مجرد محور إقليمي يصرف خطة صراع بالوكالة في الشام والحجاز لخلق توازن مع المحور الشيعي الفارسي ومواجهة انفلاتات داعش، وحتى لخلق حد أدنى في الأوراسيا عبر لجم طموح فرنسا الامبريالية.

لقد أظهر أردوغان ومن خلفه الجيش والطبقة السياسية التركية حماسة وتقريرا لإحياء امجاد الامبراطورية العثمانية، وأثبت ما سماه بايدن “تنطع” تركيا في شرق المتوسط عن بداية عصيان قد يحتاج أكبر من رفع رسوم الصادرات الجمركية وخفض الليرة التركية وتشدد الموقف الأوروبي في قبول عضوية تركيا.

لقد قالها بايدن مباشرة “يجب على تركيا أن نتضبط” وعبارة الانضباط سياسيا لا تعني أقل من حجم النفوذ ولجم الطموح الاقليمي. وفي الحقيقة فموقف بايدن لن يكون أقل اثرا من وثيقة سانذرز التي تعتبر نظام اردوغان أكثر دموية واستبدادا وأن على المعارضة أن تنقذ تركيا.

أردوغان سياسي ماهر وبراغماتي يتعامل كرجل تجارة اكثر من سياسي ولهذا حرص اليوم على تقديم عروض مغرية لإدارة بايدن.

المغرب لا يجب أن يبقى في حالة انتظارية. في العرف السياسي الوقوف في الانتظارية لا يعني دائما الحكمة قد يعني تبديد الزمن السياسي وضياع امكانات فرص سياسية وعروض سياسية.
الملك محمد السادس من هذه الطينة يتصرف بسرعة وبفعالية، وفي مسألة ترسيم المياه الاقليمية وفي تحرير معبر الكركرات وإدراج موريتانيا في كل الوضعيات القادمة تصرف كذلك، كسياسي براغماتي.

في حالة ديمقراطيي وتقدميي أمريكا يستحسن التحرك في العمق وتقديم شواهد من الداخل وأولها دفع الطبقة السياسية للتوافق على قانون جنائي يستجيب للمواثيق الكونية التي صادقت عليها المملكة مع مراعاة هوية المملكة.

لا حاجة لأن تصبح القضايا الخلافية التي تشكل للأسف جوهر خطة الديمقراطيين في البيت الأبيض أن تصبح وسيلة للضغط على المغرب وابتزازه.

فحرية المعتقد التي ستكون مدار سياسة خارجية ضاغطة وثقيلة وملحة للخارجية الأمريكية يمكن أن يتم تكييفها دينيا خصوصا وأن آثار زيارة بابا الفاتيكان لا زالت سارية، ويمكن لإمارة المؤمنين التي تشمل كل مؤمني الديانات السماوية كما قال جلالة الملك ان تساعد في ذلك.

لقد خطا المغرب خطوة جيدة في موضوع الإجهاض وكانت خلاصات وتوصيات اللجنة الوزارية والمؤسساتية التي عينها الملك جيدة ومفيدة في الجواب عن المطالب وفي احترام أدوار المؤسسات،
وسيكون من الجيد لو أن الحريات التي يتم تجريمها كحرية المعتقد وحرية الجسد وغيرها وجدت لها حلا او على الأقل تكييفا تشريعيا وقانونيا من داخل قانون جنائي معدل عوض أن نبقى رهائن لمعطيات 2011.

إذا لم يتم التحرك بسرعة في مستويين، على مستوى أعلى سلطة، وعلى مستوى الطبقة السياسية لا سيما من الأحزاب الوطنية من يسار تقدمي وليبراليين ومحافظين وسطيين، فإن خيوطا ستنسج وستكون رهاناتها أكبر من الرهان الوطني والحال أنه، ورغم إعلان النوايا الظاهر، فإن السلطات المغربية كانت مضطرة للتدخل في مناسبات عديدة أبرزها الستة اشهر المعلومة من أكتوبر 2016 إلى مارس 2017، وقبلها بموازاة مع تنصيب السيسي في مصر وردود الفعل السياسية الرسمية بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *