سعيد جعفر يكتب: مذكرة الإتحاد الاشتراكي والبيجيدي حول “النموذج التنموي”: النضج مقابل التجريب (3/1)

سعيد جعفر يكتب: مذكرة الإتحاد الاشتراكي والبيجيدي حول “النموذج التنموي”:

النضج مقابل التجريب (3/1)

قبل أن أقرأ المذكرتين توجهت بالسؤال إلى أعضاء في الهيئات التي وجهت لها دعوة بنموسى، ما الذي تطلبه اللجنة؟ هل مشروعا متكاملا أم مذكرة تأطيرية أو مجرد تحديد لنطاق العمل؟
وهل سيكون لقاء وحيدا أو أكثر؟ وهل حددت اللجنة أرضية أو سقفا مطلوبا؟

ثمة تباين في الأجوبة، لكن ما رشح لحد الآن يشي بأن هناك لقاءات أخرى لتوضيح وتدقيق العرض الأول في المذكرات المقدمة.

١- تراكم مذكرات الاتحاد و جنينية مذكرات البيجيدي

في هذه النقطة بالضبط توجد المسافة بين النضج والتجريب في مذكرتي الاتحاد والبيجيدي، الإتحاد خبر هذه الوضعيات منذ تسعينيات القرن الماضي وآخر مذكراته من تلقاء نفسه كانت في 2009 وبطلب من لجنة ملكية كانت في 2011.

البيجيدي هذه ثاني مذكرة رسمية له للجنة ملكية بعد مذكرته للجنة تعديل الدستور في 2011.

٢- الفهم وعدم الفهم

لماذا جاءت مذكرة البيجيدي في 46 صفحة ومذكرة الاتحاد فقط في 14 صفحة؟
ببساطة لأن لجنة بنموسى طلبت فقط une note de cadrage ولم تطلب مشروعا متكاملا، الاتحاد بخبرته قدم إطارا تأطيريا للنموذج التنموي يتضمن خطوطا عريضة ودقيقة يمكن الاستئناس بها في الصياغة العامة للجنة والبيجيدي قدم تصورا شاسعا لا يدقق عناصره.

مذكرة اللجنة كما جاء في برنامج عملها لن تكون تركيبا لمقترحات وتصورات التنظيمات الوطنية وإنما ستكون توليفا لكل العناصر المهمة فيها.

بهذا المعنى فالبيجيدي لم يفهم جيدا ما هو مطلوب من مقترحات الأحزاب والنقابات والجمعيات الفاعلة، عناصر للفهم و ليس توصيات.
في صفحاته 14 الاتحاد يظهر أنه يفهم جيدا ماذا تريد اللجنة.

وربما أن جزء من فهم الحزبين للمطلوب منهما يعود إلى الطريقة التي نظر بها كل منهما لعملها، البيجيدي حاول منذ البداية الوصاية عليها و”إرشادها” عبر “تنقيط” صلاح وتدين أعضائها وعضواتها (تصريح بنكيران: اللجنة معجبتنيش وفيها أعضاء ضد الدين)، والاتحاد احترم استقلالية اللجنة معتبرا أنه سينظر في عمل اللجنة بعد صدور تقريرها النهائي.

بين 14 و46 و53 و146 صفحة يعني أن 14 فقيرة أو أن 14 فهمت المراد من المطلوب.

بالنسبة للأحرار قدم “مسار الثقة” كله للجنة، والبيجيدي قدم في 20 صفحة الأولى جردا للحصيلة الحكومية في ولايتين، والاستقلال قدم تكييفا لخلاصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي التي نسق أشغالها البركة الرئيس السابق.

الإتحاد كان ممكنا أن يقدم برنامجه الانتخابي لكنه لم يفعل.

الاتحاد قدم une note de cadrage وهذا ما تحتاجه لجنة ستشتغل ل6 أشهر فقط، فهي تحتاج عناصر مرجعية للإغناء وليس برامج متكاملة تحتاج ولاية حكومية أو أكثر.

هذه خبرة الاتحاد مقابل تجريب البيجيدي وآخرين.

٣- الوضوح والتغليط

عندما نقرأ مذكرة الاتحاد نجده يكشف بوضوح عن هويته الاشتراكية الديمقراطية مطالبا “بتأويل منفتح وحداثي للقوانين المؤطرة لمجتمع المساواة والمناصفة وتكافؤ الفرص لأنه إطار مجتمعي متسع للجميع ( المرتكز المجتمعي)”، عبر مساهمة كاملة للمرأة.
البيجيدي في مذكرته يبدو “ممزقا” بين ليبراليته الاقتصادية وخطابه “الأخلاقوي ولهذا جاءت مؤطراته مشوشة وعائمة ومغالطة.

عند قراءة المذكرة بعمق يظهر أن البيجيدي “عطل” لحظيا التنصيص على مرجعيته الدينية الإسلامية لصالح خطاب عام وصائي “تعتبر الاختيارات الاقتصادية واحدة من الاختيارات لا وحيدة، ويقوم (تصورنا للنموذج التنموي) على “مرجعية قيمية منيعة” “نموذج منسجم مع مقومات الهوية الوطنية الجامعة ومنطلقا من مفهوماتها الأساسية التي تغبر عن خصوصية التجربة التاريخية لبلادنا وتميز خبرتها الحضارية الأصيلة” وهو “تموذج يتجاوز المفهوم التقليدي الذي يركز على الأبعاد الاقتصادية والمالية والعمرانية ويجيب على الاحتياجات الروحية والمادية والفكرية والسلوكية” عبر “فعالية المجتمع” وأدوار الأسرة والمسجد والوقف والزكاة”.

البيجيدي مشروعه للتنمية هو الدين و الهوية الأصيلة الجامعة وسلوك المغاربة، كشف عن ذلك في تعليق بنكيران على التعيين الملكي للجنة (على النقيض من كثيرين الذين يعتبرون بنكيران انتهى أعتبره “المادة الكيميائية” لعمل البيجيدي)، و أكده في تسبيق مؤطر المرجعية القيمية على مؤطر البناء الديمقراطي و المؤسساتي في مذكرته.

الإتحاد مشروعه أكثر وضوحا المؤسسات أولا والاقتصاد ثانيا والشغل والتعليم والصحة ثالثا والمجتمع رابعا والثقافة خامسا، وحرية الأفراد والدور المكين للمرأة آليتان حاسمتان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *