سليمان الخشين: هل المس بالوحدة الترابية للمملكة يعتبر حرية تعبير؟

سليمان الخشين

غريب منطق أحد الصحفيين، الذي خرج بفيديو يعتبر فيه أنه يجب عدم انتقاد البيان الذي أصدره حزب “النهج الديمقراطي” الذي يدعو فيه إلى تمكين “الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير” لأن ذلك يندرج في إطار حرية التعبير.

صحفينا المبجل المعروف بكثرة لغوه، الذي يجعله يعتبر نفسه فريد عصره وزمانه ليفتي في جميع المواضيع (طبعا ذلك حق من حقوقه التي يكفلها الدستور شريطة ألا يتعارض ذلك مع القواعد القانونية المنظمة لهذا الحق) يجب أن يعي جيدا وهو الذي يمتلك ثقافة قانونية وحقوقية كما يتضح من خطابه، بأن حرية التعبير ليست مطلقة في جميع الأنظمة الديمقراطية، لأن لها قواعد ومبادئ تنظمها، وتحد من ممارستها بشكل عشوائي، فالمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعتبر أن ممارسة هذا الحق، تستتبعه واجبات ومسؤوليات خاصة، وأنه تبعا لذلك يجوز إخضاعه لبعض القيود عند الضرورة لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. وهكذا يتضح بأن “الأمور ماشي سايبة قول اللي بغيتي بدعوى حرية التعبير”.

كما أن الدستور بدوره الذي يعتبر أن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها تسمو على قوانينه الداخلية، ومن بينها “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” كان واضحا في هذا الباب حينما اعتبر بأنه لا يجوز للأحزاب أن تقوم على أساس المس بالوحدة الترابية للمملكة. لذلك كان على هذا الحزب أن يحترم المبادئ الكونية لحقوق الإنسان، وأن يحترم مبادئ الدستور المغربي الذي يؤطر وينظم ممارسة الحقوق والحريات العامة، وكيفية ممارسة مختلف السلط، ويقرر مبدأ سيادة القانون لضمان خضوع جميع السلطات والمؤسسات للقواعد القانونية التي لا يجوز الخروج عليها.

مرة أخرى نؤكد بأن زمن الأحزاب الثورية والانقلابية قد ولى بغير رجعة، مع المتغيرات التي شهدتها الساحة السياسية الوطنية والدولية. لذلك فإن الأمنية التي تروج بين رفاق “إلى الأمام” في سبعينيات القرن الماضي، وهي أن النظام الملكي سيغرق في رمال الصحراء، قد تبخرت، رغم أن المغرب في الحقيقة لم يكن يحارب ميليشيات تتألف من بضعة آلاف تم تضليلهم. ولكنه في الحقيقة كان يحارب النظام الجزائري الذي احتضن هاته الميليشيات لتكون شوكة في حلق المغرب (الذي ما زال لحد الآن يعتبره عدوه الكلاسيكي) حتى لا يهنأ بتحرير أراضيه المغتصبة من طرف الاستعمار الإسباني، كما كان يواجه ليبيا القذافي التي كانت تنفق ببذخ على هاته الميليشيات بالعتاد والأموال، فضلا عن الدعم المالي واللوجستيكي الذي كان تقدمه كل من كوبا والاتحاد السوفياتي لهذا الكيان الوهمي.

رغم هذا الوضع الملتهب استطاع المغرب أن يقف في وجه هذا الحصار الذي فرض عليه من طرف “المعسكر الشرقي” بفضل تضحيات الشعب المغربي وبفضل الاستراتيجية العسكرية والسياسية الناجحة للملك الراحل الحسن الثاني. وهو عاهلنا محمد السادس يتم بنفس النجاعة ما بدأ والده المشمول برحمة الله، وأبان عن حكمة وتبصر حينما قدم مشروع الحكم الذاتي لأبناء أقاليمنا الجنوبية، كحل واقعي وجدي من شأنه أن يحل هذا النزاع المفتعل. وهو المشروع الذي تقف الجزائر حجر عثرة ضد تحقيقه، لأنه لا يتوافق مع أطماعها في الهيمنة على هاته المنطقة، وضرب حصار على بلدنا لكي لا يكون له امتداد في عمقه الإفريقي. ولكن يبدو أن الأحداث الأخيرة من شأنها تسريع وتيرة “الحل السياسي”، بعدما أصبحت الجزائر تسبح لوحدها عكس تيار المنتظم الدولي المناهض لتفتيت الدول، وما يسببه ذلك من مآسي وحرب وفتن. هذا إذا أضفنا الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية التي أصبحت تعيشها جارتنا الشرقية، الشيء الذي سيقلص من قدراتها في الاستمرار في مناوأتها لبلدنا. خاصة وأن الشعب الجزائري أصبح متذمرا من استمرار نظامه في هاته اللعبة، التي ضيعت على الشعب الجزائري ملايير الدولارات كان أولى أن يتم استثمارها في تنمية بلادهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *