صراع جنرالات الجزائر حول المتاجرة في الكوكايين

محمد بوبكري

روجت مختلف وسائل الإعلام الدولية أنه، غير بعيد عن البحر، تم العثور في الجزائر على 590 كيلوغراما من “الكوكايين” يوم 28 يونيو الأخير، ما جعل الذاكرة تعود بنا إلى سنة 2018، حيث تم العثور على سبعة (7) قناطر من “الكوكايين” في الجزائر، ما يعني أن الأمر يتعلق بملايير خيالية. ويرى بعض الخبراء الجزائريين المتتبعين لقضية استيراد مادة الكوكايين إلى الجزائر أن الصراع بين جنرالات الجزائر على التحكم في احتكار تجارة هذه المادة التي تجلب لهم ملايير ثقيلة قد انطلق في هذه السنة بالذات، حيث كان الجنرال “عبد الغني الهامل” أول من سقط في هذا الصراع.

ويقول العارفون الدوليون بتهريب الكوكايين إنه عندما يتم اختيار كمية معينة من هذه المادة، فقد جرت العادة ألا يتم الاعتراف إلا بعشر 10/1 الكمية المحجوزة منها، ما يعني أنه يتم السكوت عن تسعة أعشار 10/09 الكمية المحجوزة. وهذا ما يفيد أنه لم يتم العثور مؤخرا في الجزائر فقط على 590 كلغ من هذه المادة، بل تم العثور على أطنان عديدة، الأمر الذي يدل على أن حكام الجزائر قد اعترفوا بكمية صغيرة، وقاموا بالمتاجرة بالباقي، رغم ما يحدثه من كوارث ومآس اجتماعية… وهذا ما يؤكد أن الجنرالات لا يهتمون بصحة الجزائريين، وإنما يبحثون عن المال، ولو كان ذلك على حساب الصحة البدنية والنفسية للمجتمع الجزائري، كما أنهم لا يراعون الظروف الاجتماعية للشعب الجزائري، ولا الآثار الاقتصادية والاجتماعية الكارثية لوباء كورونا. أضف إلى ذلك أنهم يعتقلون الشباب الذي يمارس حقه المشروع في حرية التعبير عن طريق الاحتجاج السلمي ضد الأوضاع السياسية والاجتماعية للشعب الجزائري، ويطالب بحكومة مدنية ديمقراطية حديثة…

وهذا ما دفع المتتبعين للشأن العام الجزائري إلى طرح السؤال التالي: من هي الجهة التي تقف وراء استيراد الكوكايين؟ وهل من السهل المتاجرة فيها؟ يرى بعض العارفين بالتجارة في هذه المادة أن الأمر ليس سهلا، لأنه يتطلب رأسمالا كبيرا لاقتنائها من أمريكا اللاتينية، كما أنه يقتضي التوفر على شبكات في أمريكا اللاتينية تساعد على اقتنائها وإخراجها من كولومبيا، وشحنها إلى الجزائر. زد على ذلك أنه لا يمكن شحنها مباشرة إلى الجزائر، أو لأي بلد آخر، بل هناك وسطاء يؤمنون الطريق، ومحطات ينبغي التوقف فيها، ما يقتضي التوفر على شبكة من العلاقات الدولية في البلدان التي توجد فيها هذه الشبكات وتلك المحطات التي ينبغي التوقف فيها، كما أن ذلك يتطلب أموالا لأداء واجبات خدمات هذه الشبكات الدولية… فضلا عن ذلك، فإن إدخالها إلى الجزائر جد صعب، لأن الحدود مراقبة من قبل الجيش والشرطة والدرك ومختلف أجهزة المخابرات، ما يطرح صعوبات جمة. تبعا لذلك، فإنه لا يمكن لأشخاص عاديين أن يقوموا بهذا النوع من التجارة، لأن ذلك يتطلب أموالا كثيرة وعلاقات محلية ودولية واسعة، كما أنه يستلزم حماية كبيرة. وهذا ما جعل بعض الخبراء الجزائريين يستنتجون أنه لا بد لمن يريد أن يمارس هذه التجارة أن تكون له حماية من الحكام الفعليين للجزائر، ما جعلهم يفترضون أن الجنرالات هم الذين يقومون بحماية استيراد هذه المادة إلى الجزائر، وكذا ترويجها في بلدان أخرى. ولذلك، فقد استخلصوا أن الجنرالات هم الممارسون الفعليون لتجارة الكوكايين.. وإذا كان بوشي يبدو وكأنه المسؤول عن كمية الكوكايين التي تم العثور عليها في سنة 2018، فإن تطور الأحداث قد أكد أنه كان مجرد واجهة يختفي وراءها الجنرالات أنفسهم من رميهم بتهمة تهريب الكوكايين.

وللتدليل على تورط الجنرالات في تجارة الكوكايين، يستند خبراء جزائريون إلى ما قاله الجنرال “كمال عبد الرحمان”، الذي تم اعتقاله بسبب قضية الكوكايين لسنة 2018، الذي كان يشتغل في المخابرات الداخلية، حيث كان يشتغل تحت إمرة الجنرال “توفيق محمد مدين”، وتمت ترقيته إلى درجة “جنرال ماجور”، وبعد ذلك تم تعيينه قائدا عسكريا لناحية “وهران”، ويقول هذا الجنرال إن توفيق كان وراء العملية التي تم اعتقاله بسببها، كما أنه أعلن أن الجنرال العماري قائد الأركان آنذاك قد كان على علم بذلك.

هكذا، يتأكد أن كلا من جنرالات الجيش والعسكر والشرطة والمخابرات هم من يشرفون على استيراد الكوكايين، فهم يسهلون اقتناء هذه المادة، كما أنهم يؤمنون شحنها من أمريكا اللاتينية وإدخالها إلى الجزائر. أضف إلى ذلك أنهم يسهلون تسويقها في الجزائر..

وبذلك، يتأكد أن للجنرالات يد في تهريب الكوكايين، كما أنهم حاضرون في نقلها إلى بلدان أخرى لأنهم يجنون الملايير من ورائها. أضف إلى ذلك أنهم مشاركون في تصدير الحبوب المهلوسة إلى بلدان الجوار، إذ لا حبة تنبت في الأرض، ولا طائر يحلق في سماء الجزائر، بدون إذن الجنرالات

علاوة على ذلك، فإن وجود الجنرالات في سجن “البليدة”، بدعوى تهريب الكوكايين، هو اعتراف من قبل حكام الجزائر بأن الجنرالات مورطون في تهريب هذه المادة المخربة للأبدان والعقول.

وجدير بالذكر أن الجنرالات ليسوا مكلفين فقط بالجيش، بل إنهم تجاوزوا ذلك إلى ممارسة السياسة، كما أنهم أصبحوا يتاجرون في الحديد والذهب والإسمنت والشقق، والأراضي… وبذلك، فقد أصبحوا يتاجرون في كل شيء، كما أنهم لا يترددون في المتاجرة في البشر.

فضلا عن ذلك، فإنهم ضالعون في دعم الإرهاب في دول الجوار، حيث يعي العالم اليوم أن الجنرالات يمولون الإرهاب بغية التوسع على حساب دول الجوار، كما أنهم يستعملون الجماعات الإرهابية لتهريب المخدرات والسلاح …

لذلك، فهم ليسوا عسكريين مهنيين، بل إنهم يشكلون عصابات، ما جعل بعض الخبراء الجزائريين ينعتونهم بكونهم عصابات، لأنهم يشتغلون كما تشتغل العصابات؛ فما يهم الجنرالات هو المال؛ فهم يتاجرون بالكوكايين بهوى مراكمة الملايير في حساباتهم البنكية، ولا يهمهم أن تكون مادة الكوكايين مخربة للإنسان والمجتمع، حيث إنها تفتت الأسر، وتتسب في الفتك بصحة الإنسان البدنية والعقلية… كما أن الحراك الشعبي السلمي ينعتهم بكونهم عصابات تمارس القمع والنهب… لذلك طالب الشارع الجزائري بإقامة دولة المؤسسات، أي دولة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *