عاش الشعب وانشودات الألتراس.. الصعقة التي تحتاج لفهم خاص

خالد بوبكري

وأنا بصدد كتابة هذا المقال، تذكرت نصيحة لصديق لي، إسمه محمد مستير، وهو بالمناسبة أستاذ محاضر في مجموعة من الجامعات الغربية والوطنية، ومن بين النخب والكفاءات الشابة المغربية التي إسهامات فكرية وعلمية جد محترمة.

الدكتور مستير كلما تحدثت معه في موضوع ما أو إشكالية معينة، إلا وكان يشدد على ضرورة فهمها أولا وأخيرا، لأن الفهم في تصوره هو المدخل الأساسي لوضع تحليلات للمدخلات والمخرجات لأي قضية بشكل سليم، بما يسمح في ما بعد للمسئولين وأصحاب الحل والعقد بإتخاد القرارات الصائبة والمعقولة.

مناسبة هذا الكلام، هو ما يقع في بلادنا في الآونة الأخيرة، من ردود فعل متباينة بخصوص ما بات يعرف بظاهرة “عاش الشعب” وأنشودات الإلتراس المغربية التي صارت تغزو ملاعبنا الوطنية والدولية، والتي تحتاج منا لفهم، وتعامل، وتدابير خاصة في طريقة التعاطي معها.

فعاش الشعب كشعار، تم رفعه في مناسبات نادرة ومتقطعة ومحتشمة في سنوات ما بات يعرف بالجمر والرصاص، لكنه سيعود للظهور في مسيرات20 فبراير لحظة بروزها سنة 2011، من طرف بعض المحسوبين على أحزاب النهج الديمقراطي، والطليعة، واليسار الموحد، وجماعة العدل والإحسان، بل هناك من تكلف بطبع أعداد مهمة من لافتات سوداء مكتوب عليها “عاش الشعب”، ووزعت بمختلف المدن المغربية.

وصار هذا الشعار يرفع من حين لآخر في التظاهرات والمسيرات التي تكون مؤطرة أو تعرف مشاركة ذات التنظيمات السياسية والدينية، لكنه تحول في الآونة الأخيرة إلى موضة تستهوي شباب يتعاطون لغناء الراب المغربي، لدرجة أن أغنية “عاش الشعب” لثلاث شبان استطاعت أن تجلب نسبة مشاهدة عالية ب”اليوتيوب”.

أما أنشودات الألتراس، فيبدو أن تغيرات حدثت على مستوى أهازيجها وأغانيها التي تتغنى بها لتشجيع فرقها منذ ثلاث سنوات، حيث أقحمت قطع وجمل وكلمات ذات حمولة سياسية، في ما هو رياضي خالص، لدرجة أن جماهير الفرق المغربية حولت الملاعب إلى ساحة للإحتجاج وتوجيه رسائل سياسية بشكل أسبوعي.

فبعد أنشودة “في بلادي ظلموني” لجماهير الرجاء البيضاوي التي رأت النور سنة 2017، وإنتشرت بمواقع التواصل الاجتماعي بشكل سريع حتى وصل صداها لخارج الحدود، هرعت باقي جماهير الفرق المغربية للسير على نفس النهج وتقليد الفريق الأخضر، كما هو الشأن بالنسبة لجماهير الوداد الرياضي، والجيش الملكي، وإتحاد طنجة، و”ريف بويز” و”لوس رفينوس 2962″ مجموعتي “الإلتراس” التي تساند شباب الريف الحسيمي.

لكنالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، مرتبط بماهية الخيظ الناظم والمشترك بين هذين الظاهرتين، وما الجديد الذي جاء به؟ ولماذا هذا التفاعل معهما من طرف فئات مجتمعية معينة؟

أعتقد أولا وقبل كل شيء، أن الفراغ المهول وتأخر الوسائط السياسية والاجتماعية والفكرية ونخب المجتمع في التأطير والتفاعل مع مختلف القضايا المجتمعية، سمح لمثل هذه الظواهر والكائنات بالانتعاش في الفضاء العام، بل أنها بدأت تأخد مكانها وتفرض سلوكها وعقليتها على أجيال صاعدة.

فالظاهرتين تصوران المغرب وكأنه دولة مظلمة لا أفق فيها، وأن الفقر والفساد والظلم والخراب يعم الوطن من شماله لجنوبه، ومن شرقه لغربه، وأن الحياة أصبحت مستحيلة فوق هذه التربة الطيبة.

وهذا أمر غير صحيح، فالمغرب الذي نعيش فيه تطور ويتطور بشكل سريع وبشهادة الجميع، وعلى جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وبنيته التحتية، حيث يضيق الوقت لتحدث عنها بالأرقام والمعطيات الدامغة، وصعب أن نتقبل تصويره وتسويقه بذاك الشكل السوداوي المجانب للحقيقة.

وهكذا إذا كانت الظاهرة الثانية تمس بصورة المغرب وترسم عنه صورة غير تلك التي هو عليها، فالظاهرة الأولى للأسف تستهدف شخص رئيس الدولة، وتقلل من الاحترام والوقار الواجب له.

فماذا يعني أن تمس أحد الرموز الوطنية للبلاد، من طرف متهورين، ولا أحد يدين أو يستنكر هذا السلوك، وكأن الأمر عادي ويدخل في خانة المباح، حيث تم تسجيل صمت رهيب من طرف الطبقة السياسية ونخب المجتمع على هذه المنزلقات التي يعني تكرارها، أننا سننتقل حتما لمجتمع الفوضى والتسيب.

فالملكية في المغرب شكلت على مر الزمن صمام أمن و آمان المغاربة، والمس بها هو في نهاية المطاف، مس بأمن وإستقرار وتطور هذه البلاد الذي تجمعنا، وعدم توقيرها، هو إستهداف للمشترك الذي يوحدنا، وزرع للفتنة بين أجيال هذا الوطن.

فالأكيد أننا أمام ظاهرتين تستهدفان، وهذه هي الحقيقة، المغرب من جهة وملك البلاد من جهة أخرى، وتستعمل فيها المنشآت العمومية كالملاعب الرياضية والساحات العمومية، ووسائط التواصل الإجتماعي المتاحة للجميع، ووسائل بشرية غير واعية بعواقب اللعبة، وجماعة وأحزاب وأشخاص لا يؤمنون إلا بسياسة الأرض المحروقة والخراب التام.

وإذا كانت خلاصة الفهم الذي تحدثت عنه في المقدمة، تقود إلى أن هذين الظاهرتين، تمثلان صعقة مجتمعية، تستهدفان الوطن والملك، فإن الأمر يفترض تحرك من طرف القوى الحية والمسؤولة، لتطويق مثل هذه الظواهر والتنبيه لخطورتها، ورسم خطط وإستراتيجيات جديدة تستوعب الشباب وجميع فئات المجتمع، وتحدث مصالحة بين المواطن والأحزاب السياسية الجادة وجمعيات المجتمع المدني، وترسم حدود الحقوق والواجبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *