في أي شيء يفكر الأدب؟

محمد بوبكري

يتسم أدب الأطفال في البلدان المتقدمة بالغنى، حيث توجد نصوص عديدة تمكن الناشئة من دراسة الكثير من الموضوعات الفلسفية والوجودية الفعلية كالموت والحب والكراهية والقلق والكذبوالخياتة والصداقة… ولم ينتظر المؤلفون والناشرون موافقة المؤسسة االرسمية أو المدرسية ليقترحوا على الأطفال والمراهقين نصوصا تساعدهم على التفكير في وضعهم البشري وفِي الحياة وفي العالم المحيط بهم. أضف إلى ذلك أنه يجب أن ننصت جيدا إلى أسئلة الأطفال ونأخذها بعين الاعتبار في ممارستنا التربوية؛ إذ إنهم يطرحون أسئلة ميتافيزيقية مٌربِكة مثل: “هل هناك حياة أخرى بعد الموت؟”، “إلى أين يرحل الأموات؟ “، “أين كنتُ قبل أن أولد؟”، “من هو الصديق؟”، “كيف نعرف أننا نحب؟”، “لماذا لا نأكل بعض الحيوانات ونأكل بعضها الآخر؟، “لماذا توجد لغات عديدة؟”، “لماذا يجب الذهاب إلى المدرسة؟”…

ويؤكد Groethuysen أن الميتافيزيقا تجيب على أسئلة الأطفال”، حيث يطرح الأطفال علينا سؤال الموت، والحرية، والأخلاق والقِيَّم، والعلاقات الإنسانية بشكل أصيل أكثر من أغلبية تلاميذ الباكالوريا. فهم يقدمون لنا تجربة أصيلة “للدهشة أمام الحياة والعالم”، كما أنهم يطرحون أسئلة بدون رقابة على الذات. والدهشة هي قدرة الفرد على طرح أسئلة على ما يعتقد الناس أنه بدهي وواضح تمام الوضوح، حيث يحول هذا الاعتقاد دون رؤية العالم وفهمه. لقد توصل الإنسان منذ عهد بعيد إلى أن الكائن والمادة والعالم موجودون، لكن هذه الفكرة، التي قد تبدو لنا بسيطة وواضحة، قد كانت وراء تأملات وتساؤلات مستمرة منذ عصر اليونان إلى يومنا هذا، وستظل باستمرار محط تأمل وتفكير.

وتبعا لذلك، يجب أن نوظف فضول الأطفال لتمكينهم من النمو معرفيا، وجعلهم يتعلمون تدريجيا التفكير بذواتهم في ذواتهم في العالم ولحسن حظ البلدان المتقدمة أن عالم أدب الأطفال هناك قد فهم جيدا هذا الأمر، إذ أصبح تدريس الفلسفة للأطفال يحتل “مكانة واعدة”. وهذا ما يؤكده توفر المجتمعات المتقدمة على ما لا يحصى من النصوص الأدبية الموجهة للأطفال التي تعالج قضايا فلسفية.

وضمن وفرة هذه المنشورات يمكن التمييز بين شكلين منفصلين: فمن جهة، هناك حكايات في شكل روايات ورسوم، وأشعار وأساطير تعالج مجازا قضايا ميتافيزيقية. ومن جهة ثانية، هناك إنتاجات خاصة في صيغة كتب موجهة إلى الأطفال بهدف جعلهم يفكرون بشكل صريح في مفاهيم أو إشكاليات فلسفية.

ويلاحظ المهتمون أن أدب الأطفال العالمي يأخذ بعين الاعتبار الأسئلة الميتافيزيقية للأطفال. وتؤكد وفرة النصوص التي تسير في هذا الاتجاه المكانة الجديدة التي تحتلها الطفولة في المجتمعات المتقدمة، إذ لم يعد الطفل كائنا صغيرا بريئا… ينبغي حمايته من العالم واهتمامات الكبار.
لقذ أصدر برينو بيتلهايم Bruno Bettelheim في هذا الموضوعه كتابه الناجح “la psychanalyse des contes de fées” سنة 1976. ويعود نجاحه إلى قدرة المؤلف على إقناع الكثير من المربين والدارسين بأن الاهتمامات الحقيقية للأطفال وحوافزهم تنهض على القدرة على الإجابة على أسئلتهم المتعلقة بقلقهم الوجودي. ويمكن للأدب وخصوصا الحكايات والآساطير أن تساهم في ذلك.

والقراءة بالنسبة للراشد كما بالنسبة للطفل هي التقاء الإنسان بنص يساعده على ترتيب أفكاره والوعي بمخاوفه ويقينياته وشكوكه وصياغتها، مما يمكنه من الإجابة على الأسئلة التي تطرحها وفهم المشاكل الناجمة عنها ومعالجتها…

وتكمن قيمة هذا الكتاب في أنه يشكل منعطفا حاسما في الاعتراف بالدور الذي يمكن أن يلعبه الأدب في النمو الفكري والوجداني للطفل. يصف “سيرج بوامارSerge Boimare ” في كتابه “الطفل والخوف من التعلم” “L’enfant et la peur d’apprendre” كيف توصل إلى التخلي عن النصوص الوظيفية، التي كانت تشكل موضة حينذاك، لصالح كتابات ثقافية ذات بعد أنثروبولوجي قوي. وتدخل في هذا الإطار، حسب رأيه، الأساطير وروايات مثل تلك التي كتبها “جول فيرن” Jules Verne…

لقد كانت وظيفة التربية وما تزال هي مساعدة الطفل على منح معنى لحياته. ويرى “برونو بتلهايم” أن تأثير الوالدين وكل من يساهمون في تربية الطفل يلعب دورا مهما في هذا الصدد، كما يؤثر فيه أيضا التراث الثقافي لمجتمعه إذا ما تم نقله إليه بطريقة ملائمة. ويجد الطفل بسهولة المعلومات في الكتب… ومن الطبيعي أن يكون بعض الناس غير مقتنعين بأغلبية الأدبيات الموجهة إلى فكر الطفل وشخصيته؛ إذ إنها غير قادرة على إثارة وتغذية الموارد الداخلية الضرورية له لمواجهة مشاكله الصعبة. وإذا كانت هناك كتب خاصة بتدريس تعلم القراءة للمبتدئين، فهي لا تصلح لأي شيء آخر. وترمي غالبية الكتب والمنشورات التي تشكل ما يسمى بأدب الأطفال إلى تسلية الطفل أو إخباره، أو هما معا. لكن هذه الكتب خالية من أي عمق، مما جعلها تفتقر إلى أي دلالة عميقة بالنسبة إليه. ويفقد اكتساب التقنيات، بما في ذلك تقنية القراءة، قيمته إذا كان ما تعلم الطفل قراءته لا يضيف أي شيء مهم إلى حياته. إننا نميل جميعا إلى تقييم جدارة أي نشاط في المستقبل على أساس ما يقدمه في اللحظة الحالية. وينطبق هذا خصوصا على الطفل الذي يعيش في الحاضر أكثر من الكبار…

إن النقد الأساس الذي يمكن توجيهه إلى هذه الأدبيات هو أنها تغالط الطفل حول ما يمكن أن يأتي به الأدب إليه، حيث إنها لا تمكنه من معرفة المعنى العميق للحياة وكل ما هو دال بالنسبة إليه على مستوى نموه. ولكي تثير قصة معينة انتباه الطفل، يجب أن تسليه وتثير فضوله. ولإغناء حياته، يجب أيضا أن تنشط خياله وتساعده على إنماء ذكائه وفرز عواطفه، وتكون منسجمة مع شجونه وتطلعاته وطموحاته وأحلامه، وتجعله يعي متاعبه وتقترح حلولا لمشاكله التي تزعجه. باختصار، يجب أن تكون في الآن ذاته متوافقة مع ملامح شخصيته ومعترفة بها كليا، مما يجعله يثق في ذاته ومستقبله في آن.(Bruno Bettelhem ,1976).

لقد مكنتنا تدريسية الأدب، وخصوصا ما يسمى بأدب الأطفال، من فهم كيفية ولوج القراء-الأطفال والشباب عالم الأدب، وكذا من معرفة كيفية بناء التلميذ لما يسميه بول ريكور Paul Ricoeur بـ “هويته السردية” الخاصة. وهكذا أمكننا تحديد المواقف والمراحل التي يتم اكتساب النص عبرها، بدءا من فهم المعنى الظاهر للنص إلى التماهي مع شخص من شخوصه، ثم الإسقاطات الاستيهامية projections fantasmatiques، فتأويل ما هو ضمني وخفي فيه. فالقارئ الشاب يخلق لنفسه “نصا شبحا” texte fantôme (Françoise Demougin, 2006) ا يشكل قراءته الخاصة والفريدة للمؤلَّف، إذ إن التجربة الأدبية غير قابلة للاختزال، حيث يبني كل واحد علاقة فريدة بالنص. وإذا كنا نلاحظ أن القراء الصغار يقومون بالأنشطة الأساسية نفسها في فعل القراءة (فهم، توقع، تأويل)، فسائر الناس لا يقومون بنفس المقاربة القرائية، حيث تكتسب هذه الأخيرة فرادتها انطلاقا من التاريخ الشخصي للذات القارئة وثقافتها ولغتها ومتخيلها ورغباتها وأوهامها. فكل واحد يحذف من العمل الأدبي ويضيف إليه ويغيره حسب طبيعة كينونته وعلاقته بالعالم. فـ “النص الشبح” هو لقاء بالعمل الأدبي المقروء، كما أنه تاريخ خاص للعلاقة التي استطاعت الذات القارئة بناءها معه.

وبناء على ذلك، يمكننا أن نسلم بوجود “فكر شبح Pensée fantôme”. ووفق هذه المواقف الأدبية على وجه التحديد، يمكن أن يستوعب القارئ فكرة النص من أجل تغذية وإغناء وتغيير نظرته الخاصة إلى العالم وفهمه له. ويشكل هذا اللقاء بين فكر النص والطريقة المتفردة التي يستوعب بها القارئ هذا الفكر لحظة من أجل أن يجعل عالمه معقولا ويمنحه معنى.
لا يتوقف الأدب عند حدود التسلية، الأمر الذي جعله يتجاوز بكثير مفهوم اللذة، حيث يمكن أن نحس بكثير من الارتياح لقراءة نص لا يفيدنا في شيء، فنقضي معه وقتا جميلا، ثم ننساه بعد ذلك بسرعة. لكن هذه الخاصية ليست حصرا على الأدب وحده، بل على الفن عموما. ويمكننا أن نقوم بالتحليل نفسه للموسيقى والرسم والسينما. فالعمل الفني، وفي هذه الحالة الأدب، هو عمل إعدادي (أو تأهيلي) initiatique إنه ألخيمياء لقاء عشوائي يمكن الإنسان من منح معنى لوجوده وللعالم.

تعد المدرسة بالنسبة لغالبية الأطفال، المكان الوحيد للقاء ممكن مع هذه المؤلفات، حيث يسافر بهم الراشد بذكاء وجمالية على متن باخرة-كتاب، مما يمكن الطفل من اكتشاف ذاته والانفتاح على الآخرين. وهذا ما يشكل غاية الفلسفة الأصيلة… ( Pierre Hadot).
تبعا لذلك، إذا كان أطفالنا يعيشون في عالم ضيق يخنق أنفاسهم، فإنه لا يمكن أن يطفئ تعطشهم إلى رحابة الحياة وسعتها سوى الكتب. هناك نوعان من “النصوص الروائية”: واحدة حية وأخرى ميتة. الرواية الحية هي التي تصور لنا الحياة فعلا، حيث تأتي على الأديب لحظة وهو يكتب الشخصية تبدو فيها هذه الأخيرة كما لو أنها تتصرف من تلقاء ذاتها دون سلطة منه عليها. الأدب حياة، ولكنه حياة أعمق، لأن الأديب يُجمل الحياة بكل ضجيجها وصخبها وهديرها وصمتها في صفحات ذات معنى وفائدة. ومتى انعدم هذا العمق في العمل الأدبي فقدَ الحياة.

يمكن أن نعيش بدون أن نقرأ أبدا، وأن نكون خيرين إنسانيا، لكن لانعدام القراءة آثار سلبية خطيرة. وهذا ما لا نتجرأ، عموما، على قوله. إنني أجد أن الكبار الذين لا يقرؤون أبدا يشيخون بشكل سيء بغض النظر عن مزاياهم. فحتى أولئك الذين يسافرون، ولهم تقاليد ثقافية، يبدو لي أنهم يعانون من تشوهات. فلا حياة، ولا حب، ولا لذة بدون قراءة…، إذ هي شرط من اشروط الأساسية لوجود الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *