احمد الحريري يكتب: قانون على مقاس التجار!

أزمة كورونا أثبتت أن المال هو الحاكم بأمره الأول في السياسة، و أن رأس المال محارب لا يشق له غبار، يتحكم في الحكومة و الأحزاب و الاقتصاد و السياسة و النقابات و الجمعيات..

التجار يبحثون عن الربح في كل الأحوال، و لا ينظرون إلا إلى مستوى أرصدتهم و مدى تطور أرباحهم، لذى يصعب تخيل أن تاجرا سيحمل هم وطن في وقت الأزمة و يتنازل عن بعض أرباحه لدعم بلده.. فالمقاولة لا قلب و لا عاطفة لها، و ما يحرمنا هو الربح و الربح فقط.. و الدولة بما أنها تمثيل أسمى للوطن، بمواطنيه و مقاولين و هيئاته، هي المفروض فيها خلق التوازن و فرض التوزيع العادل الثروات و الخسائر..

ما أقرته الحكومة من إجراءات لمواجهة تبعات كورونا يصب في مجمله في اتجاه تحصين رأس المال و المقاولة، و تخفيف آثار الجائحة عنها.. ففي الوقت الذي أوقفت فيه الحكومة التوظيفات، على قلتها، و الترقيات و التكوين للموظفين و الأجراء و تقف موقف الحياد من مطالب النقابات بإقرار الزيادة الضعيفة جدا في الحد الادنى للأجور المتفق عليها لهذه السنة.. و في سياق تدني القدرة الشرائية للمواطنين، و معاناتهم المزدوجة مع كورونا و توقف الدورة الاقتصادية.. تضع الحكومة كل امكانيات الدولة من اجل دعم المقاولة و مساعدتها للخروج من الأزمة بأقل الأضرار.. عبر برامج و إجراءات و إعفاءات ضريبية، بل و حتى شرعنة التسريحات الجماعية للعمال عبر إيجاد المصوغات القانونية و الاقتصادية لها..

إن دعم المقاولة لا يمكن ان يؤتي أكله دون دعم القدرة الشرائية للمواطن و خلق توازن بين العرض و الطلب و إعادة النظر في مجمل العلاقات بين ارباب العمل و الأجراء و الدولة..

بنظرة بسيطة على قانون المالية التعديلي، سنلاحظ أن الكثير من فصوله و قراراته هي نسخ لاقتراحات الباطرونا و تقنين لمطالبها، بينما مذكرات الأحزاب و اقتراحاتها و مطالب النقابات تم القفز عليها..
لطالما مارست الدولة المغربية دور الحامي و الداعم للمقاولة في كل الظروف، و دون قيد او شرط، لدرجة أن أصبح نسيجنا الاقتصادي و المقاولاتي مبنيا على الريع و مستندا على دعم و حماية الدولة، و أصبح عاجزا عن بناء ذاته وفق قواعد النزاهة و الإستقلالية المفروض توفرها في اي اقتصاد مفتوح يريد المنافسة و الاستفادة من فرص العولمة و الاقتصاد العالمي..

كورونا، ظرف طارئ و مؤقت، و لكنه زاد من تعرية عورات اقتصادنا الوطني و خاصة مقاولاتنا التي لا قدرة لها على مجابهة شروط المنافسة الشرسة التي يفرضها الاقتصاد المعولم، مع استثناءات قليلة تخرج من هذه القاعدة، و آن الأوان لترفع الدولة يدها عن تسخير مقدرات بلد بأكملها لخدمة فئة محظوظة استكانت لإبر الإنعاش التي تأخذها من يد الحكومة بمناسبة و بدونها، و آن الأوان لتتحمل المقاولة المغربية مسؤوليتها في المساهمة في بناء اقتصاد وطني مستقل و منافس..

على الحكومة أن تعيد النظر في علاقتها بعالم المقاولة، فوزارة المالية المغربية ليست ملحقة لتمرير قرارات الباطرونا و الابناك و لوبيات المال و الاقتصاد من كد و عرق و صبر المغاربة..

الثروة الوطنية مشترك لجميع المواطنين و الحكومة مفوضة لتسييرها و تثمينها و توزيع مكاسبها على الجميع..
لا تطوير و لا تقدم للمقاولة المغربية دون تشجيع الاستهلاك و الطلب الداخلي و دعم القدرة الشرائية لعامة المواطنين، في وقت ينادي فيه الجميع بتفضيل المنتوج الوطني..

الأزمة عامة و الجواب عليها لا يمكن ان يكون فئويا، يحمل هم المقاولة دون المواطنين.. و الدعم يجب ان يكون مشروطا بالحفاظ على مناصب الشغل و خلق أخرى جديدة..

المجهود الوطني لمواجهة أزمة كورونا يستدعي تضحية الجميع دولة و مواطنين و مقاولات من أجل الخروج منها بأخف الأضرار.. و آن الأوان للقطع مع اقتصاد الريع، و اعتبار الدولة و ميزانياتها الدجاجة التي تبيض ذهبا في حضن بعض المحظوظين من المقاولين و رجال الأعمال الذين الذين اصبحوا متخصصين في أكل الكتف دون مجهود أو مقابل و أصبحت يتنافسون مليارديرات العالم في حجم الثروات..
مواجهة لوبيات المال و الاعمال ببلدنا، و الذين طوروا مع الزمن، آليات و تقنيات للربح الدائم و المستمر، و خلقوا نخبا تأتمر بأوامرهم و تنفذ برامجهم و تقنين رغباتهم، تستلزم حكومة سياسية قوية و واضحة التوجه، و هو ما لا نتوفر عليه اليوم، و بالتالي سيستمر تحكم المال و الريع في مقدرات الوطن الى أجل لا يبدو قريبا..

اللهم اذا تمت إعادة النظر في المشهد السياسي الذي أصبح بدوره مرتعا للريع و الاستفادة المادية، بل و الاغتناء على حساب أصوات المغاربة و معاناتهم..

علمنا التاريخ أن الدول تخرج أقوى من رحم المعاناة، و إذا استطعنا استغلال هذه الجائزة بتحريك المياه الراكدة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا فسنكون استفدنا من الدرس، و إلا فالقادم الذي ينتظرنا ربما يكون أسوء لا قدر الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *