كم من مرة أريد فيها للاتحاد الاشتراكي ان يموت؟

علي الغنبوري

“الاتحاد مات” ، هذه اللازمة لاحقتني منذ بداية انتمائي الى حزب الاتحاد الاشتراكي منذ ما يقارب العشرين سنة، حيث سمعتها بشكل مستمر و غير متوقف طيلة هذه المدة ، من اهل الدار و من الاغيار ، ففي كل مرة يبرز حدث جدلي داخل الحزب او خارجه يكون الاتحاد طرف فيه ، تكون هذه اللازمة هي المفتاح السحري الذي يتم ترديده بدون اي مبرر او اي حجة اقناع .

فعندما كان الصراع على اشده مع تيار الفقيه البصري ، و ما تلاه من صراعات تنظمية حادة ، ادت الى خروج الاموي و من معه من الاتحاد ، رددت لازمة ” الاتحاد مات” في كل الارجاء ، و من طرف الابناء قبل الاعداء .

و عندما تقاتلت مكونات الشبيبة الاتحادية فيما بينها ، على اثر معاكسة الساسي و حفيظ و من معهما للخط السياسي للحزب الذي كان يقوده انذاك السي عبد الرحمان اليوسفي ، عادت نفس اللازمة للظهور و بنفس الوهج .

و لما قرر السي عبد الرحمان اليوسفي اتخاذ الاجراءات القانونية في حق التجربة اللاخلاقية لصحيفة “le journal” التي شكلت المشروع الاعلامي الاول المخصص لهدم تجربة التناوب ، اتهم الاتحاد بتكميم الافواه و قيل فيه ما لم يقله مالك في الخمر ،و رغم ان الكل كان يعرف ارتباط هذه الجريدة و اين كان يعمل القائمون عليها ، لكنهم فضلوا ترديد لازمة “الاتحاد مات” .
و نفس الشيء عندما انتهجت حكومة التناوب ، سياسة الخوصصة التي اشرف عليها الاخ فتح الله ولعلو كوزير للمالية انذاك ، فنفس الاصابع و نفس الالسن قالت ان الحزب خرج عن مرجعيته الاشتراكية و لم يعد يربطه باليسار اي شيء، و لم تتردد في قتل الاتحاد مرة اخرى .

و عندما اقتتل التنظيمين الاتحادين القويين بمدينة الدار البيضاء و اكادير خلال الانتخابات الجماعية لسنة 2003 ، بفرض المرشحين و وكلاء اللوائح ، لم يكن بد من ترديد نفس اللازمة ” الاتحاد مات ” .

نفس اللازمة ستعود الى الواجهة خلال انتخابات 2007و السقوط المدوي للحزب خلال هذه الاستحقاقات ، و الذي لم تساهم فيه فقط العوامل الداخلية ، بل كان فيه للعوامل الخارجية الاثر الكبير على صورة الحزب و مكانته داخل المجتمع ، فكلنا يتذكر كيف خرج مشروع إعلامي ثلاثي القيادة لم يكن له من هم سوى دفن الاتحاد ، و تابعنا كيف دبر انشقاق داخل الحزب بليل ، كان الهدف منه ضرب الاتحاد انتخابيا .

قتل الاتحاد لم يتوقف عند هذه الاحداث بل واصل وهجه ، عندما قرر المكتب السياسي ازاحة اليازغي عن قمة الاتحاد ، تحت مبرر كثرة الاخطاء (ترشيحه ابنه، تدبير اللائحة الوطنية ، تدبير ملف الاستوزار ووو) و اختيار القيادة الجماعية ، فالكل عاد ليردد بأعلى صوته “الاتحاد مات” .

هذا القتل سيفقد صفته الرحيمة خلال المؤتمر الثامن للحزب و انتخاب الاستاذ عبد الواحد الراضي ، لتبدأ معاول القتل تنهال على الاتحاد ذات اليمين و ذات الشمال ، و بدأنا نسمع “انتخبتم ولد القايد ” ، الاتحاد مات .

لتتولى بعد ذلك عملية التصفية و القتل مع اي حدث تنظيمي او سياسي، انطلاقا من حركة 20 فبراير مرورا بالمؤتمر التاسع و ما اعقبته من احداث مؤلمة ،وصولا اليوم الى ما بات يعرف بقانون منصات التواصل الاجتماعي، نفس الازمة هي التي تملأ ارجاء الاتحاد و خارجه ” الاتحاد مات “

سرد هذه الكرونولوجيا السريرية للموت المتعدد للاتحاد الاشتراكي، ليس الهدف منها الهروب الى الامام ،او محاولة قياس الحالة بالحالات السابقة ، لكن الهدف منها هو طرح السؤال الحقيقي داخل الاتحاد و ليس خارجه ، من الذي مات هل الاتحاد ام من خرج من الاتحاد اعتقادا بموته و بحثا عن حياة اخرى خارجه ؟

فالرهان على البناء من خارج الاتحاد ، هو رهان خاسر ،و اثبتت التجربة فشله ،بل توضح بشكل جلي ان هذه الطريق هي بدون محددات و بدون افق ، و لا يمكن ان ينتج عنها الا مزيد من التشردم ،و ضياع الوقت .

اعتقد ان الانتماء الى الاتحاد هو انتماء و ايمان بالاطار و بفكرته و بمشروعه المجتمعي ، و ليس للحظات توهجه و قوته فقط ،او كما يقال بالدارجة المغربية” غير ملي تكون الصابا زوينة ” ، بل هو صبر و مقاومة مستمرة و سعي دائم للاصلاح و للتغير ، و صمود داخله ، و ليس خارجه .

و قوة استمرار الاتحاد و دحضه لكل محاولات قتله المستمرة في الزمان و المكان ، تكمن في معطى موضوعي و بسيط ، هو ان المجتمع لم يفرز الى اليوم من يعوض الاتحاد ، وحتى محاولات تلقيح الرغبة المجتمعية بايجاد بديل للاتحاد ، نرى اليوم كيف تخسر المحاولة تلو الاخرى و بشكل يثير الشفقة .

للاسف ازمة الاتحاد تكمن في رغبات متعددة في تصفيته كاطار نابع من رحم الشعب المغربي ، و ليس كما يحاول البعض ترويجه ، انها معركة تصيفية حسابات مع اشخاص ، فالكل يعلم ان الاشخاص زائلون و ان الضرب فيهم لم يكن يوما محرما داخل الاتحاد ، لكن اليوم المعول يستهدف البيت و الاركان .

فالوتيرة باتت متسارعة بشكل كبير ، و الكل اليوم شحذ سكاكينه و خناجره للاجهاز على الاتحاد ، في اول خطأ يرتكبه او يراد له ارتكابه ، فالهدف ليس الاشخاص ، بل الهدف هو الاتحاد نفسه الذي اريده له ان يموت باي شكل من الاشكال .

الايمان بالاتحاد يقتضي اليوم التمسك به ، و الدفاع عنه ، و العمل على اصلاحه و تطويره ، و السعي الى اعادة وهجه ، لا الى الخروج منه ، و البدء في تحضير جنازته ، ففي الاتحاد كبرنا و في الاتحاد تعلمنا ،و في الاتحاد اجمل ايام عمرنا قضينا ، و في الاتحاد كينونتنا ، و في الاتحاد مستقبلنا ،و في الاتحاد ها نحن مستمرون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *