كيف تبلورت فكرة المسيرة الخضراء حتى أصبحت خيارا لا محيد عنه؟

علي بنستيتو

كيف تبلورت فكرة المسيرة حتى أصبحت خيارا لا محيد عنه..

في سياق حمى المناورات والمناورات المضادة بين عواصم البلدان الثلاثة (مدريد والرباط والجزائر)، ومع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، إضافة إلى حالة الارتباك التي كانت تعيشها اسبانيا، جراء صعوبة انتقال السلطة في هذا البلد، أعلنت الحكومة الاسبانية في صيف 1975، وبصورة مفاجئة، عزمها الانسحاب من الصحراء، ودعت الأمم المتحدة إلى إرسال مراقبين وتنظيم مؤتمر لما أسمته آنذاك “الأطراف المعنية”، الذين سيتولون مهمة إدارة الإقليم. ولم تكن حكومة فرانكو تعني بـ”الأطراف المعنية” سوى “البوليساريو” و”الجماعة الصحراوية” التي أقامتها مدريد في العيون ، ولم يكن المغرب ضمن تلك الأطراف، وهو السيناريو الذي كانت تدفع الجزائر من أجل بلورته وتنفيذه على الأرض، وهو ما كان سيمثل، فيما لو تحقق، تطورا خطيرا في مسار ملف الصحراء. فقد تبين حينها أن اسبانيا، أمام تدهور الوضع الأمني في الصحراء، كانت ترغب في نفض يدها من ملف شائك له انعكاس مباشر على أوضاعها الداخلية، خاصة بعد أن فشلت خطتها الرامية إلى الإبقاء على تبعية الصحراء لمدريد من خلال استقلال ذاتي داخلي، أضف إلى ذلك دخول أطراف دولية وازنة على الخط ، وفي مقدمتها واشنطن.
أمام هذه التفاعلات والمناورات الإسبانية المدعومة من قبل الجزائر، كانت الرباط تحضر نفسها لما هو آت، حيث يستفاد من التسريبات والقراءات التي ظهرت فيما بعد إلى العلن عن كواليس التحضير للمسيرة الخضراء وكيف تبلورت فكرتها لدى الحسن الثاني حتى أصبحت خيارا لا مفر منه، أن الملك الراحل، استقر به الرأي في نهاية المطاف، بعد دراسة معمقة للتوازنات الدولية والإقليمية، على تنظيم مسيرة شعبية حاشدة تشارك فيها شرائح الشعب المغربي قاطبة، ليجعلها كسلاح ناعم للضغط على اسبانيا وجرها إلى طاولة المفاوضات. وفي هذا الصدد تجمع القراءات الأكثر مصداقية القائمة على تحليلات وتصريحات وإفادات عدد من الشخصيات السياسية التي كانت قريبة من المربع الملكي، على القول إن الحسن الثاني، اعتبارا لخطورة الدخول مع اسبانيا في مغامرة عسكرية غير مضمونة العواقب وانعكاساتها السلبية المحتملة على استقرار المغرب وتماسك أوضاعه الداخلية، اختار تنظيم هذه المسيرة الشعبية المسالمة نحو الصحراء، يضرب من خلالها عصفورين بحجر واحد. من جهة الضغط على مدريد لفتح باب الحوار مع المغرب، وفي الآن ذاته، العمل على ترميم الوضع الداخلي، الذي كان يشهد احتقانا سياسيا متزايدا، مقتنعا أن ذلك لن يتأتى إلا من خلال تعبئة الشعب المغربي حول قضية “مقدسة” تحظى بالإجماع الوطني ولا تقبل أية مزايدة.
في صيف 1975، كانت الأوساط الصحفية والدبلوماسية والمتتبعون للشأن المغربي بصفة عامة، يتابعون باهتمام كبير خطب الملك التي كان يوجهها بمناسبة الأعياد الوطنية، كعيد العرش وعيد الشباب وذكرى ثورة الملك والشعب، والتي من خلالها كان في الإمكان تلمس مواقف المغرب إزاء أهم القضايا الوطنية والدولية ومحاولة قراءة ما يفكر فيه بالنسبة للمستقبل.
داخل التحرير المركزي للوكالة، الذي بمثل المطبخ الرئيسي للأخبار، حيث يتم على مدار الساعة استقبال ومعالجة كميات هائلة من القصاصات والتقارير التي تبثها وكالات الأنباء الأجنبية وتلك الواردة من مصادر شتى من داخل المغرب وخارجه، كانت رئاسة التحرير تعمل على تعبئة كل الإمكانات الفنية والبشرية، كلما اقترب موعد خطاب ملكي أو ندوة صحفية أو حديث مطول يدلي به الملك لمنبر إعلامي دولي. كان الطاقم الصحفي المكلف بمعالجة الخطب الملكية تحت إشراف المدير العام المرحوم عبد الجليل فنجيرو، يحرص على إيلاء الاهتمام البالغ لمعالجة تلك الخطب وبثها في شبكة الوكالة، نصا وأخبارا وتحليلا، مع إبراز النقط المحورية التي تتضمنها، خاصة بالنسبة لقضايا الساعة وفي صدارتها كانت في تلك المرحلة قضية الصحراء. كانت تلك الخطب غالبا ما تحمل في طياتها الجديد بالنسبة لتطور هذا الملف.
في الخطاب الذي وجهه بمناسبة عيد الشباب (9 يوليوز 1975)، عبر الملك عن ارتياحه لقبول محكمة العدل الدولية طلب المغرب وموريتانيا المتعلق بالبث في النزاع القانوني مع اسبانيا بخصوص ملف الصحراء، كما نوه بالتعاون والتنسيق القائم مع الجارة الجنوبية إزاء هذا الملف، بعد أن فشلت الجزائر في ضغوطها وإغراءاتها لنواكشوط للابتعاد عن المغرب.
وفي خطاب 20 غشت 1975، جدد الملك عزم المغرب الراسخ للتصدي لـ”خصوم” وحدته الترابية، مؤكدا على المضي قدما في مساعيه الرامية إلى استرجاع الصحراء. وكان المقصود بالخصوم في هذا السياق، اسبانيا والجزائر، اللتان كانتا قد ذهبتا بعيدا في التنسيق والتعاون بينهما للإضرار بمصالح المغرب وعرقلة جهوده الدبلوماسية، وخلق المتاعب له على الأرض من خلال (بالنسبة للجزائر) تسليح عناصر “البوليساريو” وتأطيرهم والدفع بهم للقيام بهجمات استعراضية داخل الصحراء، والترويج لها في المحافل الإقليمية والدولية.
كان المتتبعون يقفون عند بعض العبارات التي ترد على لسان الملك من قبيل، إن الرد على هؤلاء الخصوم هو “ما سوف يرون لا ما سيسمعون”، وقوله أيضا: “موعدنا مع صحرائنا قبل انتهاء هذه السنة” (1975).
هذه الإشارة، وإن كان المقصود بها ظاهريا هو انتظار صدور حكم محكمة العدل الدولية الذي كان مقررا أن يصدر في الأسابيع الأخيرة من 1975، فإن هناك من اعتبرها إشارة مبطنة إلى الخطة التي كان يحضرها الملك لاسترجاع الصحراء، والتي كشف عنها مباشرة بعد صدور قرار المحكمة، في خطاب 16 أكتوبر، أي تنظيم مسيرة شعبية صوب الصحراء.
في ظل هذه التحركات التي كان يقودها الحسن الثاني، وفي ضوء تسارع وتيرة الأحداث والتراشق بواسطة التصريحات والتصريحات المضادة، أصبح يسود داخل المغرب، خاصة في الأوساط السياسية والإعلامية، جو من الترقب، والتطلع لما سوف تحمله الأيام أو الأسابيع أو حتى الشهور المقبلة من مفاجآت بالنسبة لتطور ملف الصحراء.
بلغت تلك التحركات وحالة الترقب أوجها خلال شهر أكتوبر من تلك السنة، حيث أصبحت مدينة مراكش، التي استقر بها الملك ومعه باقي أركان الدولة، وجهة لنشاط دبلوماسي محموم، يقوده الملك شخصيا، فيما كانت الأخبار الواردة من مدريد تشير إلى تفاقم الحالة الصحية للجنرال فرانكو.(يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *