محمد بوبكري.. الفقر الفكري لجنرالات الجزائر والسيناريو القديم الذي لا ينتهي

محمد بوبكري

لقد نشرت أجهزة الإعلام الجزائرية يوم أمس خبر عودة ” عبد المجيد تبون” من رحلة العلاج في ألمانيا، دون أن يعرف الرأي العام أي شيء عن حقيقة وضعه الصحي. وهذا ما جعل الجزائريين يتساءلون عبر طرح الأسئلة الآتية: ما هي دواعي عودة “تبون”؟ وهل هي عودة نهائية، أو سيتم ترحيله إلى الخارج مرة ثالثة لاستكمال العلاج؟…

يؤكد المتتبعون الجزائريون أن علاقة “عبد المجيد تبون” بالجنرالات قد بدأت تعرف فتورا في الآونة الأخيرة، لكنهم ما يزالون في حاجة إليه لإنجاز خطتهم. فقد سبق أن عاد “تبون ” من رحلته الأولى إلى ألمانيا، لأن الجنرالات كانوا في حاجة إليه ليصادق على القانون المالي وكذا على الدستور. ومن سوء قدر الجزائر الشقيقة أن الجنرالات هم من يضعون الدستور، وهم من يصادقون عليه، وهم لا يفعلون ذلك إلا مكرهين لأن المناخ الدولي هو الذي يفرض عليهم ذلك؛ فهم يقبلون بالدستور لاعتبارات شكلية، واوزعهم في ذلك هو أن تبدو الجزائر بلدا ديمقراطيا في الظاهر، لكنهم لا يترددون في خرق الدستور كلما تعارض مع رغباتهم وتسلطهم.

وتؤكد مصادر جزائرية موثوقة أنه نودي على “عبد المجيد تبون” هذه المرة، لأن الجنرالات يريدون القيام بتعديل حكومي يتخلصون به من وزراء عبد العزيز بوتفليقة. لقد تم اختيار الوزراء الحاليين من قبل جهاز الأمن الداخلي الذي كان يقوده الجنرال “واسيني بوعزة” الذي سبق أن تمت إقالته. وهذا ما يدل على أن الجنرالات يريدون التخلص من رجاله. فالحكومة الجزائرية الحالية فاشلة، كما أن رئيسها “عبد العزيز جراد” غير مقنع في نظر الجنرالات، وقد يتم إبعاده.

وتجدر الإشارة إلى أن الجنرالات قد بدأوا يقيلون الجنرالات الذين تجمعهم صداقة مع “عبد المجيد تبون”، الأمر الذي لا يروقه، ما يشي بوجود توتر صامت بين الطرفين، وعدم رضى الجنرالات عنه، لأنهم ينظرون إليه بكونه صنيعة عدوهم اللذوذ الجنرال “قايد صالح”. غير أن هذا لا يعني أن تبون قادر على الدخول في صراع مع الجنرالات؛ فهو لا يمثل شيئا بالنسبة إليهم، ما جعله مستعدا لإرضائهم بهدف المحافظة على موقعه، ولو لمدة وجيزة.

وإذا كان الرأي العام يعي أن الحكومة الجزائرية الحالية فاشلة، فإن الجنرالات قد انتهزوا هذه الفرصة لتعديلها وتشويه صورتها عبر تحميلها مسؤولية الفشل الذي تعاني منه البلاد في كل القطاعات. وربما يحاسبون مجموعة من وزرائها، بل وحتى محاكمتهم وسجنهم بعد إعفائهم من مهامهم في التعديل الحكومي المرتقب. هكذا، فإن ما يحدث في الجزائر يدخل في مجال العبث، حيث إن الجنرالات هم الذين يعينون الحكومات، وهم المسؤولون عن التدبير الفعلي لكل القطاعات، كما أنهم هم المسؤولون الفعليون عن الفساد… ومع ذلك يقومون بالتحايل على الشعب والحكومة معا، لأنهم يحملون دوما مسؤولية الفساد والفشل بشتى أنواعهما للحكومة وحدها، الأمر الذي يمكنهم من إقالتها بسهولة. وهذا ما يمكنهم من الظهور بمظهر المنقذ سعيا لنيل رضى عامة الناس. وهذه هي قمة العبث، حيث يبدو واقع الجزائر وكأنه مجرد مشهد كافكاوي.

لذلك، فإن “عبد المجيد تبون” سيصادق على التشكيلة الحكومية الجديدة، لأنه لا يملك أي سلطة فعلية وليس له أي خيار آخر؛ فهو لا يقبل أن تتم إدانته هو ذاته، ولا أن يدان أسياده الجنرالات. فهو مجبر على قبول الأمر الواقع إرضاء للجنرالات بغية الحفاظ على نفسه وعلى موقعه. وستكون الحكومة الجديدة استمرارا للحكومات السابقة التي كانت من صنع الجنرالات وحدهم. وهذه هي مشكلة الجزائر، لأن الجنرالات، من حيث طبيعتهم، هم ضد التغيير والتنمية والتحديث والبناء الديمقراطي…

وما يزيد المسألة تعقيدا هو أن بعض الجهات المقربة من الجنرالات تروج لضرورة استبدال هذه الحكومة بحكومة “سياسية”. ويبدو لي أن هذا الكلام لا يستقيم في الظروف الحالية في الجزائر، لأن الجنرالات عملوا عبر تاريخهم على الحيلولة دون تطور المجتمع نحو التعددية، كما أن أغلبية البرلمانيين الموجودين في البرلمان الحالي ينتمون إلى أحزاب توجد بعض زعاماتها في السجن بسبب الفساد. هكذا، فمن المفارقات الغريبة في الجزائر أن الجنرالات يعينون المسؤولين، وينفذون بهم خططهم الشخصية، ويقضون بهم مآربهم الخاصة، التي غالبا ما تقتضي خرق القانون، وبعد ذلك، يضعونهم في السجن وهذه هي المؤامرة عينها!

وجدير بالذكر أنه لا يمكن الحديث عن “حكومة سياسية” في الجزائر، حيث إن “عبد المجيد تبون” ليس سياسيا، لأنه مفروض هو ذاته من قبل الجنرالات. كما أن المجتمع الجزائري لم ينضج بعد لتكون له تنظيمات سياسية بالمعنى المتواضع عليه كونيا، حيث ستطور هذه الأحزاب مشاريع وبرامج خاصة، كما أنها ستتنافس للحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، الذي سيصادق بدوره على البرنامج الحكومي.

هكذا، لا يعدو الحديث عن “حكومة سياسية” مجرد تهكم، أو غطاء للتحايل، لأن ما يهم هؤلاء الجنرالات حاليا هو التحايل على الرأي العام الجزائري من أجل احتواء الحراك. إنهم يخافون من الحراك، ما جعلهم يناورون من أجل التحايل على الشعب الجزائري. وتلك هي عادتهم عبر تاريخهم. لقد قام كل من الجنرال خالد نزار والعربي بلخير بتقديم الحكومة الجزائرية كبش فداء في تسعينيات القرن الماضي لامتصاص غضب الشارع الذي كان ردة فعل على فساد الجنرالات. وبذلك تمكن هؤلاء من إنقاذ أنفسهم في تلك الفترة. كما قام الجنرال” القايد صالح” بتقديم ضحايا عسكريين ومدنيين أكباش فداء، حيث تم اعتقال سعيد بوتفليقة، والجنرالين توفيق وطرطار… وبذلك استطاع “القايد صالح” التحايل على الحراك، وطعنه من الخلف، فحافظ على سلطته هو وعصابته. واليوم نجد أن كلا من الجنرال “خالد نزار” والجنرال “سعيد شنقريحة” والجنرال “توفيق” وأتباعهم يريدون تكرار نفس السيناريو حرفيا، حيث قد يقومون بحملة إعلامية ضد بعض الوزراء لتشويه سمعتهم بهدف تحميلهم مسؤولية المشاكل الحالية التي يعيشها اليوم الشعب الجزائري. هكذا، فمن المحتمل أن يتم إبعاد “زغماطي” وزير العدل الذي يعتبره شباب الحراك مسؤولا عن محاكماتهم واعتقالهم. ومن المحتمل كذلك أن يتم اعتقال وزراء ومسؤولين آخرين. وتلك هي عادة الجنرالات الجاثمين على صدر الجزائر الشقيقة. لكن هؤلاء الجنرالات هم من سيشكلون الحكومة الجديدة في مكاتب ثكناتهم
يبدو لي أن هؤلاء الجنرالات لا يفكرون، لأنهم يكررون السيناريو ذاته حرفيا، دون القدرة على إيجاد سناريو آخر. فهم يعتقدون أن الشعب الجزائري ليس له ذاكرة، مع أنه خبرهم طويلا، وصار يعي تحليلاتهم ومؤامراتهم، ما جعله لا يثق فيهم، بل إنه أصبح يطالب بإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة. وهذا ما يتعارض جذريا مع رغبات الجنرالات. لذلك، يبدو لي أنه لا حل لمشاكل الجزائر إلا بفتح حوار وطني حول المستقبل هدفه توفير شروط لإنضاج المجتمع والسلطة معا للانخراط في البناء الديمقراطي الحديث للدولة والمجتمع معا، لأن الحرية والديمقراطية هما مدخل لتوفير الشروط المؤسسية الضرورية التي ستساعد على هذا البناء الديمقراطي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *