محمد بوبكري يكتب.. الأفق المسدود لجنرالات الجزائر

محمد بوبكري

لقد بدأت تروج مؤخرا أخبار في دوائر مختلف وسائل الإعلام الجزائرية مفادها أنها ستبث قريبا تسجيلا لـ.” الرئيس عبد المجيد تبون” سيعلن فيه قراره الذي سيقضي بحل البرلمان. ويجمع المهتمون بالشأن الجزائري والسياسيون الجزائريون على أن هذا القرار قد فُرض على تبون اتخاذه لأنه أكبر منه، بل إنه قد تم إملاؤه عليه من قبل الجنرالات. وقد دفع هذا الخبر الملاحظين إلى طرح أسئلة من قبيل: ما هي دوافع اتخاذ هذا القرار؟ ألا يعد تكرارا لقرارات تم اتخاذها سابقا؟ وما هي عواقبه؟ وهل سيمكن المؤسسة العسكرية من احتواء الحراك الشعبي الجزائري؟…

يبدو لي أن المؤسسة العسكرية قد لجأت إلى اتخاذ هذا القرار للالتفاف على الحراك الشعبي الجزائري الذي أصابها بالهلع. ومن المحتمل أن هذا القرار قد يخلق فراغا مؤسسيا، حيث قد يصاب الرئيس بعجز أو يتوفى، أو يتم إبعاده، الأمر الذي قد ُيحدث فراغا دستوريا. وإذا كان الدستور الجزائري ينص على إمكانية قيام رئيس مجلس الأمة مقام الرئيس في حالة عجزه أو غيابه نهائيا، فإن مهمته تؤول إلى رئيس هذا المجلس. وفي حالة عدم وجوده، فإنها تؤول إلى رئيس الغرفة الثانية في مجلس النواب. وإذا تم حل البرلمان، فيقوم رئيس المجلس الدستوري مقام رئيس الدولة. ويعني ذلك أنه من المحتمل أن تعرف الجزائر فراغا مؤسسيا. وجدير بالذكر أن الرئيس ليست له أية سلطة فعلية، لأن المؤسسة العسكرية هي التي تختاره وتفرضه، حيث لا شرعية سياسية له، ما جعله مضطرا لاتخاذ القرار الذي تمليه عليه هذه المؤسسة. لذلك، فإن للرئيس الجزائري وجودا شكليا. ويقول خبراء جزائريون إن الجزائر قد عرفت وضعية من هذا النوع، حيث إنه بعد الانقلاب الذي قام به “هواري بومدين” وعصابته ضد “أحمد بن بلة” عاشت الجزائر بدون رئيس حتى سنة 1977. ولتدبير هذه المرحلة، فقد تجرأ “بومدين” وعصابته على تأسيس ما سمي بـ “مجلس قيادة الثورة” الذي كان يجمع بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في آن واحد. لكن هناك فرق بين ما حدث في عهد بومدين، وما يحدث الآن، حيث إن بومدين قد اتخذ قراره بوضوح دون لف أو دوران، لكن جنرالات اليوم قد احترفوا التحايل والتضليل للدفاع عن استمرار سلطتهم المستبدة. وللتدليل على ذلك، فقد قام الجنرال خالد نزار وعصابته في سنة 1992 بممارسة الضغط على “الرئيس الشاذلي بنجديد” لإرغامه على تقديم استقالته، لكنهم ملأوا الفراغ عبر تأسيس ما سموه آنذاك بـ “المجلس الأعلى للرئاسة”. وهذا ما يؤكد أن الجنرال خالد نزار هو من قدم فتوى حل البرلمان، ما جعل المتتبعين والمعارضين الجزائريين ينظرون إلى هذا القرار بعين الريبة والشك، لأنهم أحسوا بأن الأمر يتعلق برغبة الجنرال نزار في العودة بالجرائر إلى مرحلة تسعينيات القرن الماضي، وأن الأمر يتعلق فقط بمحاولة هذا الجنرال وعصابته الالتفاف على انطلاق حراك شعبي جزائري جديد، الأمر الذي يرعبه، لأن الحراك السابق قد كاد أن يقضي عليه. وهذا ما يفسر استمراره في تكرار حرفي للسيناريو الذي سبق له أن طبقه في بداية تسعينيات القرن الماضي. ويدل ذلك على أن الجنرال خالد نزار مأخوذ بهوى السلطة والتسلط، ما جعله يعتقد في صلاحية سيناريو التسعينيات لكل زمان ومكان، حيث يعتقد أنه مفتاح سحري لاستمرار العسكر في السلطة ونهب أموال الشعب. وهذا ما يدل على غبائه وضيق أفقه، وعدم امتلاكه لملكة الخيال، لأنه عاجز عن التمييز بين ظروف مرحلة تسعينيات القرن الماضي والظروف الحالية؛ فهو لا ُيدخل البعد التاريخي في معرفة المشكلات واقتراح حلول لها، ما يؤكد فراغه الفكري ويكشف أنه خاوي الوفاض…

لهذا، فمن البلادة الاعتقاد أن هناك وصفة صالحة لكل الأزمنة ولجميع الظروف. ويبدو لي أن الشعب الجزائري على وعي بمناورات جنرالات الجزائر، ولا يمكن أن ينساق وراء حيلهم وما يزرعونه من أوهام، ويتخلى عن المطالب السياسية التي تضمنتها الشعارات التي رفعها في تظاهرات حراكه الشعبي، حيث إن هذا الشعب يعي جيدا أن المؤسسة العسكرية الجزائرية هي تنظيم ينهض على الكذب والافتراء، لأنها قامت بتزوير الانتخابات مرارا وتنصيب الموالين لها في البرلمان والمجالس الولائية والمحلية، ما أفرغ هذه المؤسسات من أي معنى فعلي، الأمر الذي جعل هذه المؤسسات تتخذ القرارات التي تمليها عليها المؤسسة العسكرية. وهذا ما يفسر، في نظر الشعب الجزائري، استمرار الأوضاع على حالها، ما تجسد في غياب أي تغير، وكان سببا في تراكم مشكلات الجزائر واستفحال الفساد…

إضافة إلى ذلك، يقتضي حل البرلمان انتخاب برلمان جديد، ما يستوجب صياغة قانون انتخابي جديد، لأن القانون الانتخابي الحالي مرفوض من قبل الشعب الجزائري. ولحل هذه المشكلة، فقد يلجأ الجنرالات إلى صياغة قانون انتخابي جديد يأمرون الرئيس بتقديمه باسم “الرئاسة”، كما قد يملون عليه اتخاذ قرار تنظيم الانتخابات في غضون الأشهر القليلة القادمة. وفي هذا الصدد، يرى المعارضون والمتتبعون الجزائريون أن المؤسسة العسكرية ما تزال مستمرة في بث الكذب وممارسة التحايل بهدف التخفيف من حدة الحراك الشعبي في اتجاه تشتيت انتباهه، وزرع أسباب الشقاق في صفوفه، وتقليص مساحة تأثيره، وبالتالي الالتفاف عليه والتمكن من احتوائه.

لكن، ونظرا للانطلاقة القوية للحراك الشعبي الذي يبدو أنه لم يتوقف أبدا، بل كان يعتمل في قلب المجتمع، استعدادا لإطلاق شرارته والإعلان عن توهجه، فإنه لن يقبل هذه الخطوة التي قد يقدم عليها الجنرالات، لأن قيادته قد خبرتهم وتعرفهم جيدا، وترفض أن يكرروا معها الحكايات والتحايلات والافتراءات نفسها، إذ تعي جيدا أنهم يسعون من ورائها إلى طعن الحراك الشعبي من الخلف بغية سرقته من الشعب الجزائري. وفي حالة استمرار مقاومة الحراك الشعبي للمؤسسة العسكرية، فسترتفع درجة خوف الجنرالات، حيث قد ينقلب بعضهم على بعض، بهدف تبرئة الذمة. وقد ينتج عن ذلك اعتقالات في صفوف الجنرالات والضباط تمهيدا لمحاكماتهم بتهم الفساد والقمع والاغتيالات. وإذا حدث أن رفع الحراك شعارا ينزع أي شرعية عن “عبد المجيد تبون”، فقد تتم إقالته وإبعاده، وربما اعتقاله، أو اغتياله، قبل أن يستمر في تنفيذ مؤامرات الجنرال خالد نزار ضد الشعب الجزائري.

ومن المحتمل جدا أن يتم اعتقال وزير العدل الحالي وغيره من المسؤولين عن اعتقال وتعذيب مناضلي الحراك، لأن الرأي العام الجزائري والدولي يدينان ما تعرض له المعتقلون من تعذيب على يد هؤلاء، حيث اشتكى الطالب “وليد نقيش” من تعرضه لاعتداءات جنسية من قبل سجانيه. وهذه جريمة نكرا ء قد تؤدي إلى اعتقال وزير العدل وكل المسؤولين عن الاعتقال والتعذيب. وقد يتم تقديم هؤلاء كلهم قربانا من أجل إرضاء الحراك. لكن قيادة الحراك ومناضليه لن يقبلوا بذلك، لأنهم لا يمتلكون ضمانة بعدم عودة المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى ارتكاب اعتداءاتها على أرواح الشعب وأجساده وأمواله وخيراته…

ونظرا لقيام منطقة “القبايل” بتضحيات جسام من أجل استقلال الجزائر، فإن النظام العسكري قد عرضها للتهميش والاقصاء، كما أنه لم يتوقف عن التنكيل والقيام باعتقال ونفي أبنائها، حيث تم اعتقال مجاهديها من آباء الحركة الوطنية الجزائرية، كما تم نفيهم إلى خارج الجزائر. ومؤخرا تم اعتقال وتعذيب مناضلي الحراك الذين ينتمون إلى هذه المنطقة، لأنهم طالبوا بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية… وينطبق الشيء نفسه على منطقة الجنوب الجزائري التي تعاني من تهميش فظيع وممارسات عنصرية ضدها.

ويكاد يجمع المهتمون بالشأن الجزائري أن كل المناطق الجزائرية تشكو من الإقصاء والتهميش، وأنها ترفض تسلط المؤسسة العسكرية عليها، وتريد التخلص منها. هكذا، فما لا يعلمه الجنرال خالد نزار وأفراد عصابته هو أن الشعب الجزائري قد ضاق ذرعا بهم، ولم يعد يطيقهم، ما يستوجب انصرافهم وقبولهم بالتنحي عن السلطة. وفي حال تمسكهم بالسلطة وبالاستفادة من مغانمها، فإن ذلك سينتهي بترحيلهم، كما أن الكيان الجزائري قد يتعرض إلى أضرار جسيمة… لذلك على جنرالات الجزائر أن يضعوا الكيان الوطني الجزائري فوق ذواتهم وأمراضهم ومصالحهم الخاصة، لأنه بات واضحا أن استمرار العسكر في السلطة يتعارض مع استمرار الجزائر في الوجود. هكذا، فإن الكيان الجزائري لا يمكن أن يستمر في الوجود والمؤسسة العسكرية مستمرة على رأس السلطة في الجزائر، لأن جميع الجزائريين يطالبون برحيل العسكر. ويشكل الحراك الشعبي الواسع استفتاء شعبيا للمطالبة برحيلهم، حيث يعني ذلك أن الشعب الجزائري قد قرر تقرير مصيره بنفسه. وإذا كان جنرالات الجزائر يدعون مظهريا الإيمان بحقوق الإنسان التي لا يؤمنون بها في أعماقهم، فعليهم أن يقبلوا قيام الشعب الجزائري بتقرير مصيره بغية التخلص من تسلطهم عليه… تبعا لذلك، فإن الحراك الشعبي الجزائري قد كشف حقيقة زيف شعارات حقوق الإنسان التي يتبجح بها جنرالات الجزائر ومليشياتهم في كل المنتديات والمحافل الدولية. ونظرا لكون النظام المستبد لجنرالات الجزائر يشبه الأنظمة العسكرية المستبدة في الشرق الأوسط التي كان مآلها الزوال، وتعرضت أوطانها لتفتت. لذلك على جنرالات الجزائر أن يستفيدوا من دروس الشرق الأوسط وتجاربه هاته. فالديمقراطية هي الحل…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *