محمد بوبكري يكتب: حكام الجزائر.. ثقافة التفتيت وإعاقة بناء المغرب الكبير

محمد بوبكري

يكاد يجمع الباحثون والسياسيون المهتمون بالحياة السياسية في شمال أفريقيا أن جنرالات الجزائر عرقلوا دوما بناء المغرب الكبير، إذ ترى نخب شمال أفريقيا ضرورة بناء المغرب الكبير لكونه إطارا يضمن التكامل بين بلدان شمال أفريقيا ويمكن أن يشكل قوة اقتصادية وسياسية تعزز الموقع التفاوضي لبلدان المنطقة.

ففي الوقت الذي تعمل فيه كل الدول على إنشاء تكتلات إقليمية تعزز موقعها، وتساهم في تعاونها من أجل تنميتها وتفتحها وازدهارها، حيث يساعد البعض البعض الآخر على الانخراط في بناء الذات وتقدمها وحمايتها من عوائد الدهر، نجد جنرالات الجزائر يعارضون أي خطوة في اتجاه بناء هذا الكيان التعاوني بين البلدان المغاربية، لأنهم لا يؤمنون بالتعاون، ولا بالحوار، ولا بالتفاوض، لعدم وعيهم بأن كل المعاني الإنسانية الكبرى يتم بناؤها عن طريق الحوار والتفاوض والتعايش التي هي قيم إنسانية كونية نبيلة. فهم لا يريدون كل ذلك، وإنما يسعون إلى التحكم في كل شيء عن طريق الهيمنة على محيط بلدهم خدمة لطموحاتهم المرضية التي تنم عن نزعتهم التسلطية التوسعية؛ فهم متسلطون على الشعب الجزائري، ويسعون إلى تعميم تسلطهم على محيطهم المغاربي.

وهذا ما خلق لهم مشاكل مع بلدان الجوار التي نفذ صبرها وصارت ترفضهم، ما سيتسبب في عزلتهم إقليميا ويحرم الشعب الجزائري من الاستفادة من تعاون بلاده مع بلدان الجوار، إذ لم تعد دول الجوار تثق في الجنرالات الجاثمين على صدر الشعب الجزائري، لأن هذه الدول ذاقت الأمرين من هؤلاء الجنرالات جراء اعتداءاتهم عليها وتهديدهم المستمر لها….

لقد ضحى المغاربة من أجل دعم الشعب الجزائري في كفاحه من أجل استقلال الجزائر، حيث احتضنوا زعاماته وساعدوها ماليا، وأمدوها بالسلاح غير عابئين بردود الفعل الاستعمارية الفرنسية، لكن حكام الجزائر لا يعترفون بالجميل، بل تنكروا للمغرب والمغاربة ورفضوا إرجاع الأراضي المغربية التي اقتطعتها قوات الحماية من المغرب وضمتها إلى الجزائر، وذلك رغم أن حكامها آنذاك اتفقوا مع الوطنيين المغاربة على إرجاع تلك الأراضي إلى المغرب بعد حصول الجزائر على استقلالها، لكنهم لم يفوا بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم، ما تسبب في مواجهة بين البلدين. والأوليغارشية العسكرية الحاكمة في الجزائر ما تزال رافضة إعادة الصحراء الشرقية المغربية إلى المغرب.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن الجزائر انخرطت في كثير من المؤامرات ضد المغرب والشعب المغربي بهدف تحجيمها وإضعافهما. ونظرا للموقع الجيو إستراتيجي للمغرب، وتنوع موارده البشرية وخبراتها وخيراته الفلاحية والمعدنية والبحرية، فإن حكام الجزائر ظلوا يحقدون عليه، ولا يدعون أي فرصة تمر دون الإمعان في الإساءة إليه بشكل أو بآخر…. وعندما كان المرحوم الملك الحسن الثاني يكافح من أجل استرجاع الصحراء المغربية، أعلن بومدين عن رفضه لذلك، وساهم في تأسيس ما يسمى بـ”جبهة البوليساريو”. وقد فعل ذلك نكاية في المغرب وسلحها بما تم التوصل به من أموال من معمر القذافي، ووظف جزءا منها في تسليح جيشه.

من المعلوم أن جنرالات الجزائر قد أنفقوا مئات ملايير الدولات من أجل انفصال الصحراء المغربية عن مغربها لخلق كيان وهمي يضمن لهم منفذا على المحيط الأطلسي، كما أرسلوا جواسيس إلى مدينتي مليلية وسبتة المغربيتين المحتلتين تحت غطاء رجال أعمال يرغبون في الاستثمار فيهما، في حين كان الهدف من وراء العملية هو تغيير البنية الديمغرافية للمدينتين وخلق تيار فيهما رافض لاسترجاعهما من قبل المغرب. لكن فطنة الأجهزة المغربية أحبطت هذا المخطط. وهذا ما يشكل حجة ملموسة على أن جنرالات الجزائر ينصبون العداء للمغرب بهدف إضعافه حتى يتمكنوا من فعل ما يشاؤون في شمال أفريقيا.
وللتدليل على ما أقول، فقد بعث ذات يوم هواري بومدين إلى الملك الراحل المرحوم الحسن الثاني مبعوثا يطلب منه استعداده للتخلي عن موقفه من الصحراء المغربية، شريطة أن يقبل بإطلاق يد حكام الجزائر ليفعلوا ما يشاؤون في موريتانيا، فرفض المرحوم الحسن الثاني ذلك، بحجة أنه رجل قانون يرفض التدخل الخارجي في أي بلد من بلدان المنطقة. ونظرا للحس السياسي العميق للملك الراحل، فإنه اكتشف أن هواري بومدين كان يريد محاصرة المغرب من كل جانب واحتلال موريتانيا في آن واحد. إضافة إلى ذلك، فقد تمكن الضباط الجزائريون من قلب نظام المختار ولد دادة. ومنذ ذاك الوقت وهم يمارسون ضغوطهم النفسية على الحكومات الموريتانية المتعاقبة من أجل انخراطها في مساندة الموقف الجزائري المساند لـ”البوليساريو”. وما يزال هؤلاء الجنرالات إلى اليوم يرفضون أي تقارب بين المغرب وموريتانيا، أو أي بلد أفريقي آخر، حيث كلما ظهرت بوادر ذلك، إلا ولجأوا بشكل من الأشكال للحيلولة دون ذلك التقارب… والمغرب لا يسعى إلى التوسع أو الهيمنة على جيرانه، لكنه يريد تعاونا وتكاملا بناءين معهم، وذلك على عكس الجزائر التي تحلم بالتوسع والهيمنة، ما لم يعد مقبولا كونيا اليوم. وهذا ما سيجر على ضباط الجزائر الويلات، حيث إنهم لا يتعظون مما حدث لصدام حسين، ما يعني أنهم قد يعرفون المصير نفسه.

وتجدر الإشارة إلى أن تونس بدورها ساندت الجزائر إبان كفاحها المسلح للاستقلال عن فرنسا، ولكن لما استقلت الجزائر تشبث حكامها بالصحراء التونسية الموروثة من عهد الاستعمار، ورفضوا إرجاعها إلى تونس، حيث هددوا الرئيس بورقيبة، فتنازل، ولم يدخل في مواجهة عسكرية معهم، لكن المرحوم الحسن الثاني دخل في مواجهة معهم. كما صرح مصدر دبلوماسي تونسي مؤخرا بأن ضباط الجزائر قاموا بتنظيم هجوم إرهابي على مدينة قفصة التونسية، لأنهم جهزوا مليشيات مسلحة دخلت عن طريق الصحراء الجزائرية إلى الغرب الجزائري، حيث توجد مدينة قفصة، فدخلت ميليشياتهم إلى ثكنة عسكرية هناك، ونفذت مذبحة في الجنود التونسيين، ثم خرجت إلى المدينة وقتلت الكثير من المواطنين… ولما تدخل الجيش التونسي واعتقل قواد تلك المليشيات، اعترفوا بأن الضباط الجزائريين هم الذي خططوا للعملية وجهزوهم بالسلاح والعتاد، وأمدوهم بالمال، فانكشفت العقلية التآمرية لضباط الجزائر ، وتأكد للجميع ألا أخلاق لهم ولا قيم.

وقد خلف كل ما سبق أثرا في نفسية المسؤولين الموريتانيين والتونسيين، حيث صاروا لا يرغبون في أي خصومة مع حكام الجزائر مخافة من انتقام هؤلاء منهم ومن بلدهم. لكن المغاربة لن يتنازلوا أبدا عن صحرائهم الشرقية التي ماتزال تحت الاحتلال الجزائري، وسيعملون ما في وسعهم من أجل استرجاعها. وإذا كانت الجزائر متشبثة بأراضي جيرانها التي ورثتها عن الاستعمار، فمن أين لها أن تدافع عن فلسطين؟ وهل يؤمن هؤلاء الجنرالات فعلا بـ”حق تقرير مصير” ما سموه بـ”الشعب الصحراوي” الوهمي؟… ألم يفتعلوا مشكلة للمغرب للاستيلاء على الصحراء المغربية وتحويلها إلى جزء من التراب الجزائري عبر إلحاقها به؟ أليس هذ الطموح الأخرق هو محركهم الأساسي؟

تؤكد هذه المعطيات وغيرها أن للجزائر عقلية توسعية جعلتها تكره جيرانها وترغب في إضعافهم برغبة التحكم فيهم. لكن لحسن حظ هذه المنطقة أن المغرب موجود فيها، حيث يشكل عائقا في وجه الطموحات الهوجاء والعمياء لنظام الجزائر وحلفائه الأتراك والإيرانيين الذين لهم الأطماع التوسعية نفسها. وهذا ما يفسر موقف تركيا وإيران المعادي لشرعية سيادة المغرب على صحرائه، حيث تأكد أن هاتين الدولتين تمولان جماعات إسلامية في المغرب للانخراط معهما إعلاميا في عدائهما المعادي للمغرب. كما تأكد ميدانيا أن هذه الدول هي التي تقف وراء تنظيمات “القاعدة” و”داعش” في شمال مالي، ما يعني أنها دول إرهابية تهدف إلى زعزعة الاستقرار. لذلك، انفضت كل دول المنطقة من حول الجزائر وحلفائها، ما تسبب في عزلتها التي ستتعمق مع مرور الزمن…

فضلا عن ذلك، لقد تأكد أن الجزائر وإيران تتدخلان عبر تركيا في ليبيا للحيلولة دون إقرار السلام فيها. ويعود ذلك إلى رغبة هذه الدول في الاستيلاء على بترول وغاز ليبيا، ما ينم عن أن الجزائر قد تحولت إلى “تورا بورا” في المنطقة. كما أن مصر لم تسلم من اعتدائها عليها، حيث تقوم هذه الدول بدعم الجماعات المسلحة فيها بهدف زعزعة استقرارها وإقامة حكم موال لها فيها… هكذا، ينكشف أن تدخل هذه الدول في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأفريقيا هو ناجم عن رغبتها في الهيمنة على دول الشرق الأوسط والدول الأفريقية بغية الاستيلاء على خيراتها… ألا يدل تفكير هذه الدول وعملها على أنها ترغب في أن تتحول إلى قوى استعمارية؟ وهل يقبل منطق التاريخ ذلك؟ وهل يقبل روح العصر ذلك؟ ألن يؤدي هذا إلى دمار هذه الدول؟…

لقد عمل حكام الجزائر على عودة الجنرال نزار، الذي قتل نصف مليون جزائري، إلى الجزائر. لكن لماذا فعلوا ذلك؟ هل لإنقاذهم من أزمتهم المكعبة الحالية أم للمساهمة معهم في مواجهة المغرب؟ إن ما لا يعلمه هؤلاء هو أن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن نزار بارع في قتل الجزائريين، وليس في الحوار والعلاقات الدولية. وإذا أتاحوا له فرصة قيادتهم، فإنه سيجرهم إلى الجحيم. وإذا استدعوه، فإنه قد ينتقم منهم ويزيحهم من السلطة عبر اغتيالهم واحدا تلو الآخر، أو جماعيا. لكن من الوارد أيضا أن يكون هؤلاء الحكام قد أدخلوه إلى الجزائر بهدف قتله، حتى لا يظل شبحه المخيف يطاردهم في النوم والصحو. ألم يسبق لحكام الجزائر أن نادوا على بعض الشخصيات التاريخية الجزائرية بالعودة إلى الوطن، ولما دخلت هذه الشخصيات قاموا باغتيالها بدم بارد؟ ! فهذه هي العقلية الدموية لحكام الجزائر تاريخيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *