محمد بوبكري يكتب : لا قيمة لهراء “عبد المجيد تبون”

محمد بوبكري

لقد فكت مؤخرا عقدة لسان “عبد المجيد تبون” فأصيب بعدوى الاستجوابات والحوارات الصحفية، حيث تم استجوابه ومحاورته من قبل مجموعة من المنابر الإعلامية، افتتحها باستجواب مع مجلة “لوبوان Le Point ” الفرنسية، واختتمها بحوار مع قناة “الجزيرة”.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك فرقا بين الاستجواب الأول والحوار الثاني، لأن المتأمل في شكل الاستجواب ومضمونه يكتشف بسهولة أنه يدخل في خانة الإشهار المؤدى عنه بثمن مرتفع جدا. وقد أشارت المجلة التي نشرته أنه يصنف ضمن المنشورات الإشهارية، حيث يبدو أن العسكر هم الذين وضعوا الأسئلة والأجوبة معا، ما يؤكده غياب أي تعليق على أي جواب لـ “تبون”، حيث غاب الحوار.

أما بالنسبة للحوار مع قناة “الجزيرة”، فيبدو أنه كان في إمكان الصحفي “عبر القادر عياض” التعليق على الأجوبة التي كان يقدمها “عبد المجيد تبون”، لكنه لم يفعل، مما يكشف ضعف هذا الأخير وفراغه الفكري وعدم قدرته على التحضير المسبق لهذا الحوار، ما أثار زوبعة من ردود الفعل احتجاجا على أن “تبون” لم يقم بما يكفي من الاستشارات لتحضير أجوبة دقيقة، لأن القناة أخبرته مسبقا بمحاور الحوار، لكنه استهتر ولم يحضر أجوبته عبر القيام باستشارة المختصين في مختلف القضايا التي تناولها الحوار، فقام بإطلاق الكلام على عواهنه، وكأنه جالس مع عامة الناس في مقهى عمومي في حي شعبي في ضواحي المدينة، الأمر الذي جعل أطر مختلف الإدارات العمومية الجزائرية يعتبرون هذا الحوار فارغا وغير مسؤول لا يليق بـ “رئيس دولة”.

وللتدليل على ما أقول، سأحاول استعراض بعض الأمور التي تطرق إليها هذا الحوار. ففي بداية المقابلة، قال “تبون” للصحفي: “لقد ساد الجفاء بين الجزائر بيننا، لمدة طويلة، ونحن جميعا نتقاسم مسؤولية ذلك، ولكن، ومنذ اليوم، فإن مكتب قناتكم معتمد رسميا في الجزائر…” . يؤكد هذا الكلام أن صاحبه لا يدرك أنه ليس من اختصاصه منح الاعتماد لوسيلة إعلامية أجنبية معينة، حيث هناك مصالح في وزارتي الاتصال والخارجية مكلفة بذلك؛ إنه لا يعي حدود مسؤوليته، وأن منصبه أعلى من ذلك، ما جعله يخوض في أمر يدخل ضمن اختصاصات جهات أخرى مختصة، تمنح الاعتماد لوسائل الإعلام الأجنبية بناء على دراسة لملفاتها… هكذا، يكون “تبون” قد حط من منصب “الرئاسة”، لأنه كان في غنى عن الخوض في أمر لا تخوض فيه “الرئاسة”…

وفي إطار حديثه عن القضية الليبية، قال “تبون”: لن أقبل أن يتم احتلال عاصمة مغاربية من قبل مجموعة من المرتزقة…”. يبدو هذا الكلام مبهما وغامضا، إذ لا يوضح أي شيء عن الجهات المقصودة به، حيث إن الجهة التي ينعتها بكونها “مرتزقة” ليست واضحة. فمن هم المقصودون بذلك؟ لقد أثار هذا الكلام حفيظة بعض أطر “وزارة الخارجية الجزائرية”، الذين انزعجوا منه، واشتكوا إلى أصدقائهم في مختلف وسائل الإعلام قائلين لهم: إنه يتكلم في أشياء لا يفهم فيها شيئا. لقد كان عليه أن يستشير المكلفين بملفات هذه القضايا قبل الخوض فيها. وما دام لم يفعل، فقد سقط في ارتكاب أخطاء دبلوماسية قد تضر بمصالح البلاد…

يبدو أن هذا الشخص لا يعي ما يتفوه به، حيث يرى بعض الجزائريين الملمين بهذا الملف أن أفراد قوات “اللواء حفتر” هم من أصل ليبي، وليسوا مرتزقة. ويقال إن روسيا جاءت بسوريين للتدخل في ليبيا، كما أنها تساند قوات “حفتر”، فهل يقصد “تبون” بكلامه روسيا التي يعلم الجميع أنها حليف مميز لجنرالات الجزائر؟، كما أنها تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي لم تقم بإدانة العنف الذي يمارسه هؤلاء الجنرالات على الشعب الجزائري. وهذا ما جعل هاته الأطر الجزائرية ترى أن كلام “تبون” قد يسيء إلى علاقة الجزائر بـ”روسيا”، علما أن روسيا لا تهمها إلا الاستفادة من أموال الجزائر، حيث عقدت مؤخرا صفقة مع جنرالات الجزائر اقتنى بموجبها حكام الجزائر طائرات حربية بملغ ملياري دولار… ويرى الملمون بالقضايا الدبلوماسية الجزائرية أنه إذا كان هذا الشخص يقصد بكلامه “تركيا”، فإن مصالح الجزائر مع هذا البلد تستجوب عليه تجنب قول هذا الكلام في تركيا، التي تجمعها مع حكام الجزائر علاقات تجارية وتحالفات إقليمية، علما أن “تبون” قد كان عميلا ًلـ “تركيا” عندما كان وزيرا للسكنى، حيث منح لشركات البناء التركية صفقات مشبوهة يقال إنه تلقى مقابلها عمولات بمبالغ طائلة، ما جعل تركيا تجني جبالا من الملايير في عهده. أضف إلى ذلك أن أبناء “تبون” لا يزالون يتاجرون إلى اليوم مع الأتراك…

تبعا لذلك، فإن “تبون” يتكلم دون أي فهم لعلاقات بلاده التجارية بالبلدان الأخرى، كما لا يراعي التوازنات الإقليمية في كلامه… وهذا ما جعل أطر “وزارة” خارجية بلاده يمتعضون من تصريحاته، حيث يرون أنه كان عليه التزام واجب التحفظ، الذي يفرضه عليه موقعه…

وعندما سئل هذا الشخص عن علاقة الجزائر بالمغرب، أجاب: ليس للسلطة الجزائرية أي مشكل مع المغرب، ولكن المغاربة يقولون إن لهم مشكل مع الجزائر…”. ودون الدخول في مناقشة هذا الكلام، فإننا عندما نستحضر ما قاله “تبون” قبل أسبوع في حق المغرب، حيث أكد ” أن المغرب يعتدي على الجزائر كل يوم”. وهذا منتهى التناقض، حيث تناقض هذا الشخص جذريا مع ما قاله لمجلة “لوبوان Le Point” الفرنسية، ما جعل المتتبعين يكتشفون غياب الانسجام في كلامه، حيث قد يقول شيئا اليوم، لكن سرعان ما يدلي بنقيضه غدا، ما جعل كلامه خال من أي اتساق منطقي. هكذا، فإن الإنسان الذي يغير مواقفه بين اليوم والغد، لا يعتد بكلامه، لأنه يغير مواقفه بسرعة، ما يعني أنه لا يفكر قبل أن يتكلم، الأمر الذي يجعل منه أبلها…

ولما سأل صحفي قناة “الجزيرة” “تبون” عن علاقته بالعسكر، أجاب قائلا: “العلاقة مع الجيش حميمة، والجيش هو حامى الحمى، وهو يقدس الدستور…”. يستنتج المستمع من هذا الكلام أن “تبون” لا يتعامل مع ذاته بكونه “رئيسا”، لأنه يدرك أنه فاقد لأية شرعية سياسية، حيث إن العسكر هم من عينوه “رئيسا”. لذلك، نجده لا يتكلم باسم “القائد الأعلى للقوات الجزائرية”، حيث كان عليه أن يتحدث بكونه رئيسا لهذه القوات يعطي الأوامر للعسكر بهدف تنفيذها. لذلك عندما قال: “إن علاقته بالعسكر حميمة”، فقد أثار سخرية الجميع، لأنه لا يدرك معنى العلاقات الحميمة!! فهل تجمعه علاقة حميمة بـأحد الجنرالات؟ إنه لا يفهم أن العلاقة الحميمة تعني “الجماع”. لذلك يسأله الجزائريون بسخرية: “هل لك علاقة حميمة مع “سعيد شنقريحة”؟…

بعد التأمل في كل هذه الأمثلة، يتبين أن “عبد المجيد تبون ” خاوي الوفاض، لأنه يبيح لنفسه التحدث في قضايا يجهلها، بل إنه يتناقض مع نفسه، ما جعل الجزائريين يسخرون منه، ويطعنون في أهليته، بل منهم من ذهب بعيدا إلى حد اتهامه بأنه يلتقي الصحفيين وهو في حالة سكر طافح، حيث يتعطل تفكيره، ويطلق العنان لسانه بدون أدنى قدرة على التفكير، ما جعله يبدو في حالة شرود دائم. لذلك، فقد صرح بعضهم أنه لا يمكن الاعتداد بكلامه. هكذا، فقد توفق الجنرالات في تعيينه، لأنهم بحثوا عن شخص على صورتهم، لا يستطيع التفكير مثلهم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *