مقتطف من كتاب ؛ إدريس لشكر …مايسترو الاتحاد الاشتراكي

عبد السلام المساوي

رؤية نسقية وتحليل متماسك

يوم الثلاثاء 06 أبريل 2020 ، الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، حل ضيفا على على مؤسسة الفقيه التطواني ، في لقاء عبر التواصل عن بعد ، للحديث عن الأحزاب السياسية وقضايا الساعة ، وقد ارتأينا العودة الى هذا الخطاب للتذكير والتنبيه :

بالرجوع الى هذا الخطاب ؛ قراءة حمولته الفكرية والسياسية ، والقضايا التي قاربها في المرحلة الأولى للجائحة ، يتبين لنا من خلال تطور الأحداث وتفاقم الأزمة بالامها وماسيها ، بانعكاساتها الخطيرة صحيا واقتصاديا واجتماعيا …يتبين لنا صدق الخطاب من حيث الدقة والجدة …يتبين لنا أن إدريس لشكر كقائد سياسي لم يستسلم لانفعالات اللحظة ، وتعالى عن توظيف الأزمة بانتهازية شعبوية ميتافيزيقية أو سياسوية…

بالرجوع الى هذا الخطاب ، يتبين لنا أن إدريس لشكر زعيم سياسي مسؤول ، لم يستهن بحجم الوباء وانعكاساته ، بل تنبه ونبه الى أن الاتي أسوء ، من هنا دعا الى الانخراط بقوة في محاربته ، وتجنب الاستهتار والانشغال بالذاتي الحزبي والكسب الانتخابي …

بالرجوع الى هذا الخطاب ، يتبين أن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي صادق ، صادق مع نفسه ، مع الواقع ، مع المواطنات والمواطنات …تجنب لذة عاجلة اجتنابا لألم مستقبل …لم يزايد ، لم يتكلم من أجل الكلام …وقد تبين انه كان صادقا وتفوق على المتهافتين …

بالرجوع الى هذا الخطاب ، يتبين أن ذ إدريس لشكر تحكمه وحدة الرؤية وتماسك التفكير …من هذا الخطاب ( 7 ابريل 2020 ) الى اخر خطاب ( 21 غشت 2020 ) ، نلاحظ الانسجام والتناغم بعيدا عن التيه والارتباك ، عن التناقض والتهريج …وهذا ما أكسب خطابه صدقا ومصداقية …وما نسجله اليوم من أرقام رهيبة يؤكد حقيقة محاذير ذ لشكر ومنذ بداية زمن الوباء ، بل وقبله …ومعلوم أن الكاتب علق وأجل جميع الأنشطة والتظاهرات الحزبية الكبرى ، نذكر منها تعليق منتدى الثقافة ، في إطار المصالحة والانفتاح ، الذي كان مقررا عقده بتطوان قبل الحجر الصحي بأسابيع …وسجلنا تظاهرات حزبية للحزب الأغلبي في فاس والداخلة…!!!

بالرجوع الى هذا الخطاب يتبين أن حديث الكاتب الأول حديث متماسك وقوي ، تحكمه وحدة الفكر ووحدة الرؤية ….مؤسس على ثوابت مبدئية وقناعات سياسية …تحكمه الام المرحلة وامال المستقبل…حديث أصيل و متأصل يجمع مكوناته ناظم مشترك ويحكمه مبدأ أساسي ؛ مبدأ الانتماء الى الوطن والانخراط القوي في حمايته….حديث عقلاني ، بعيد عن قلق وارتباك اللحظة ، حديث عقلاني واعي وهادف يحاصر الشعبوية التي تروم السيطرة على الوجدان بخطاب عاطفي مغالطي والذي تأثيره مؤقت في الزمان والمكان … حديث متناسق منطقيا وواقعيا ، حديث عميق لأنه يأتي في سياق وضعية حرجة وعسيرة… خطاب استثنائي في ظرف استثنائي …حديث زعيم وطني يهمه مصير هذا الوطن ويهمه مصير أبناء هذا الوطن …

1_استهل ذ لشكر حديثه بتنبيه منهجي وبمقدمة ذات بعد فلسفي : زمن ” الكورونا ” زمن انهيار المطلقات واليقينيات ، معلنا أنه لا يملك أجوبة جاهزة ، لا يملك ، كما لا يملك حزب الاتحاد الاشتراكي ، أجوبة يقينية للأسئلة المطروحة ؛ فلا أحد اليوم يمتلك وصفة جاهزة ، لتقديم حلول الخروج من هذه الأزمة واثارها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية…

وأكد ذ لشكر أنه بدوره يطرح أسئلة للتفكير منطلقا من التشخيص الواعي للوضعية ، ومن ” التحليل الملموس للواقع الملموس ” ، وأما الأجوبة الكبرى فذلك أمر يهم علماء الاقتصاد ، علماء السياسة والسوسيولوجيا ، يهم المفكرين والفلاسفة ، الذين هم الان يلاحظون ، يتأملون ويفكرون ، ولاشك أنهم سيرسمون معالم العالم ، معالم المغرب ما بعد كورونا ….

اذن ، لا يمكنني ، يؤكد ذ لشكر ، الإجابة بالحسم وخصوصا ما يتعلق بالتنبؤات والمصائر . هناك الكثير من الأحكام اليوم . فنظرا لهول ما يحدث ، تولدت جملة من الأحكام والتقييمات بخصوص عدد من الأشياء …وهناك تفسيرات تذهب الى حد التخيلات بل هي أقرب إلى الوساوس لأن فيها بعدا وسواسيا ، نظرا لقوة الحدث وسلطته وللرعب والذعر الذي أحدثه ، ويمكننا اليوم ان نتحدث عن ” ذعار ” أصاب الانسانية جراء هذا الوباء .

شخصيا ، أتحفظ في إصدار الأحكام القطعية والحاسمة وتبقى أحسن طريقة هي تقديم افتراضات وتفسيرات مؤقتة ومؤجلة بحكم التطور السريع . وما يمكنني الجزم به هو انه أول خطر تتعرض له البشرية في حياتها ، لأن 7 ملايير نسمة اليوم في حالة ذعر ، أولا لأنه أول عدوان على البشرية في العالم كله ، ثم لأن مصدر هذا الذعر هو ات من طرف أصغر الكائنات ، وهذا من مفارقات الوضع : كائنات ميكروسكوبية لا تقاس الا بالنانو ، لها قدرة كبيرة على التكاثر والانقسام ، محملة بمصل الرعب والموت ، ولهذا ما ينتظرنا ربما ، أسوأ مما هو واقع الان …
ما يمكنني الجزم به هو ان مغرب مابعد كورونا ليس هو مغرب ما قبل كورونا…

2_ أكد ذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ، أن الوضع الحالي الذي تمر منه البلاد يستدعي تظافر كل مكونات الشعب المغربي ، ولا مجال للمزايدات والخلافات السياسية والحزبية الضيقة …

وكل حديث عن كتلة ديموقراطية او تقاطب ايديولوجي يساري أو يميني …هو حديث شارد …ما نحتاجه اليوم هو كتلة وطنية بيمينها ووسطها ويسارها ؛ كتلة وطنية بقيادة جلالة الملك ، كتلة وطنية تنخرط بوعي ومسؤولية ، تنخرط موحدة لمواجهة هذه الجائحة التي تهدد الوطن والمواطن …

من هنا يتساءل ذ إدريس لشكر ” ألن نحتاج ، اذا ما طالت حالة الطوارئ الصحية التي يعرفها المغرب بسبب وباء كورونا ، الى حكومةوحدة وطنية ، على اعتبار أن مثل هذه التساؤلات يجب أن نطرحها ونستحضرها ، دون أن يكون لطرحها ادعاء أن هذا ما يجب أن يكون ” …

ما حدث بالمغرب هو استجماع الوعي السياسي سواء من طرف جميع النخب ، الثقافية والسياسية والاجتماعية . بدأ الوعي الجماعي يتشكل والتواصل بين مختلف أشكال الوعي ، وهذا ستكون له انعكاسات إيجابية على التجربة التاريخية المقبلة على مستوى التعاون السياسي ، والتعاون بين النخب ، والتعاون الثقافي والعلمية لأن صداه التاريخي سيكون ايجابيا لأن الخطر يوحد ويبلسم الجراح .
الصراعات السياسية تترك اثارا وجروحا وتجعل الأحقاد السياسية والاجتماعية تتراكم ، وهذا طبيعي حين يحدث في فترات السلم العام ، لكن في لحظات الخطر والتهديد ، الجميع يلين مطالبه واحتجاجاته وتقييماته السلبية .

المغرب اليوم أظهر ، وفي لحظات سابقة ، أنه يمكن في لحظات معينة ، أن يتلاءم فيه الوعي الاجتماعي والسياسي لتقديم المصلحة الجماعية على المصالح الفردية .

يمكن القول ان مفعول الحدث الصادم سيكون مبلسما للوعي التاريخي المغربي نحو مزيد من التفاعل ، ونحو مزيد من عقد اجتماعي أكثر عدالة وأكثر تسامحا وانفتاحا .

انه أول امتحان حقيقي يمر منه المغرب في العهد. الحالي . هناك هبة حقيقية اذا تم استغلالها على الوجه الأصح فيمكن أن تعيد الثقة للمغاربة ، لأن هذا الإجماع على انقاذ المغاربة والمغرب قد يكون ، في حال الاستفادة منه ، بداية اقلاع حقيقي نحو البناء . فما كان ينقص حتى الان هو هذا الانخراط في المسؤولية الجماعية . كيف يمكن تحويل كل هذا الى مشروع مجتمعي ؟ بما أننا في الحجر الصحي يمكن التفكير مليا في ما يمكن ان نمنحه للبلاد…

3_يقول ذ إدريس لشكر ” أننا اليوم ، ونحن على هذه المسافة الزمنية ، لنا ان نفتخر بكل الإجراءات التي اتخذها المغرب في تدبيره وادارته لهذه الأزمة ، حيث استطعنا ، بفضل كل الاجراءات والقرارات التي أعلن عنها جلالة الملك ، وكذا العمل الذي قامت به مختلف المؤسسات ، منها القضائية والتشريعية والتنفيذية والصحية ….أن ننخرط في التوجه الاستباقي وفي الخطوات الإحترازية التي كانت تهم في منطلقاتها ، بالأساس حماية المواطن المغربي من الأذى “.

” اننا كمغاربة نفخر ان المغرب من أصل 52 دولة افريقية من اجود البلدان تدبيرا للأزمة وأن كل المؤسسات كانت سباقة في الاحتراز لمواجهة الجائحة “…
” ان المغرب اليوم في محك حقيقي ، أثبتنا فيه بالفعل أننا دولة قوية تحترم المؤسسات سواء في صيغتها الدستورية أو القانونية ، وأن عملية تنزيل وتطبيق الحجر الصحي كانت نموذجا واضحا في الثقة ، ودليلا على أن هناك تجاوبا مطلقا ما بين المؤسسات ومكونات المجتمع المغربي “…

ان التحرك الاستباقي للمغرب في تعامله مع الوباء كان صائبا ، بل هو نموذج أثنى عليه العديدون في أقطار المعمور ، غير أن كل هذا ليس مبررا لسبق الأمور . فالنصر لن يكون سوى بالتحكم التام والشامل والنهائي في الفيروس والقضاء عليه .
المشكل لم ينته بعد ، والوباء ما يزال يتربص بالبلد والناس يجب أن تطبق قانون الطوارئ الصحية في أقصى درجاته …اليوم اكثر من أي وقت مضى .
4_ قال ذ إدريس لشكر” بكل مسؤولية ، أقول على كل المغاربة ، أن ينخرطوا دون قيد او شرط …وكل تشويش على هذا الإجماع الوطني او الحس الراقي الذي قدموه كنموذج لمواجهة هذا الوباء ، يجب أن نتلافاه ، لأننا اليوم جميعا في امتحان يجب أن يربحه وطننا . ولكي يربح وطننا ، لنا مقومات حكامة جيدة ، تأكدت شعبا ومؤسسات ، لذلك هذا الوباء يجب ان نعطيه حجمه الحقيقي وأن نتعامل معه بكل جدية ومسؤولية .

وما ميزنا عن غيرنا هو تلك الحكامة التي كانت في القمة من خلال اتخاذ مجموعة من القرارات في وقتها وبصمت وبمسؤولية وجرأة ، وهذه المنهجية هي التي ساعدت على مواجهة هذا الوباء ” .

اليوم صدق المغاربة والمغربيات . اليوم تحققت نبوءات من سكنهم المغرب قبل أن يسكنوه . اليوم الكل يقول شكرا جلالة الملك .

اليوم حتى صحافة الأجانب ، تلك التي كان يجد عندها بعض ” المخالطين ” مبررات الكذب علينا ومسوغات ايهامنا تقول : لقد أدهشنا هذا البلد ، لقد أبهرنا ملكه وشعبه …عندما نقول هذا الكلام الذي نردده في اليوم الواحد عشرات المرات _ قبل وأثناء وبعد كورونا _ نقوله لأننا نؤمن به . هو قرارة تفكيرنا . هو عمق ايماننا . هو المغرب الذي يسري في العروق مسرى الدماء . وحين العروق وحين الدماء لا يمكنك ان تكذب أو تنافق او تكتب تحت الطلب مثلما يدعي الكئيبون ، حين الحب الحقيقي لا يمكنك التمثيل ، ويشهد الله اليوم أننا جميعا نحس بها هاته الأيام : المغاربة لا يمثلون حين حب المغرب ، هم يحبونه وانتهى الكلام .
5_ يقول ذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ” أعتقد أن ما عاشته وتعيشه العديد من الدول العظمى جراء هذا الوباء ، يجعلني أفكر بشكل أعمق وبدون حماس .

اليوم أعتقد أنه سنكون في حاجة إلى العودة إلى التأميم ، لأننا لنا استثمارات ومشاريع كبرى فهل سنتركها تنهار بسبب مخلفات هذا الوباء ، ام ستتدخل الدولة. لحمايتها وحماية رأسمالها ؟ …كما أتصور أن أكثر من أربعة ملايين المغاربة إلى الدعم . اذن من منطلق كل هذه الأسئلة ، أعتقد أن السؤال أكبر مما نتصور …”
ويقول ” …فيما يتعلق بالتعليم والصحة ، أعتقد أن طارئ كورونا ساهم في انعاش هذين القطاعين بالإضافة إلى قرار جلالة الملك الداعي الى اشراك القوات المسلحة الملكية في القطاع الصحي حيث خلف هذا القرار نوعا من الاطمئنان عند كافة المغاربة …

…هذان القطاعان من القطاعات الاستراتيجية التي يجب أن تكون الدولة لوحدها هي المسؤولة عنهما…”

في سياق المعركة ضد ” كورونا ” تبرز الصحة العمومية في قلب الهجوم ، فوحدها من أظهرت فعالية وقدرة على المجابهة ، كما يظهر اليوم في كل البلدان المنخرطة في المعركة . من هذا المنطلق يتوقع رجوع الدول إلى سياسة ” التأميم ” ، والمقصود بها نقل ملكية قطاع معين الى ملكية الدولة ، أي تحويله الى القطاع العام . صحيح انه قبل زمن كورونا كان هناك توجه عالمي نحو خوصصة القطاع العام أو على الأقل تقوية حضور القطاع الخاص ، لكن التجربة الحالية تؤكد أن القطاع الفعال على مستوى الخدمات عند الأزمات هو الذي يكون تحت تصرف الدولة مباشرة . وهكذا فمن المتوقع أن تتراجع كثير من دول العالم عن المضي في سياسات الخوصصة وتسارع الى بسط نفوذها على القطاعات الحيوية _ وعلى رأسها الصحة _ باعتبارها أسلحة في مواجهة الأزمات المعقدة .

ومما يزكي ضرورة الانخراط مستقبلا في تقوية القطاع العام ، أن الريادة كانت قبل كورونا للقطاع الخاص الذي كان يقدم أجود الخدمات في كل المجالات ، بما فيها الصحة ، لكن في زمن الجائحة لم تتصدر المشهد العام في بلدان العالم سوى الصحة العمومية ، وظل القطاع الخاص مكملا في بعض الدول ، وغير مشارك في دول أخرى ، مما يزيد الرهان على كل ما يوجد تحت امرة الدولة وما يتحرك باسمها مباشرة .

لطالما ارتبطت مفاهيم معينة بالأمن القومي ، مثل الارهاب والعدوان وحراسة الحدود ، لكن يبدو أن فيروس كورونا علم العالم ان الصحة اهم عناصر الأمن القومي للدول ، وأن الاعتبار الاول ينبغي ان يكون لحماية صحة المواطن ، وتعلم انسان الألفية الثالثة درسه الأهم على يد فيروس مجهري وصفه صناع القرار والحكام ب ” العدو ” ، وسميت جهود مكافحته ب ” الحرب ” وتم استدعاء العسكر من ثكناته لمحاصرته .

المؤكد أن العالم بعد مرور الجائحة لن يكون كما كان من قبلها ، فبعد هزيمته لهذ الفيروس يتوقع ان يصبح وقف انتشار الأوبئة دعامة استراتيجية للأمن القومي للدول ، وسيصبح المعيار الأهم مستقبلا لتحقيق الازدهار والرخاء هو التمتع بصحة جيدة . علما أن أزيد من 60 دولة كانت قد شكلت منذ 2014 ، في أعقاب انتشار وباء ايبولا ، شراكة تسمى ” برنامج الأمن الصحي العالمي ” لحشد الجهود ضد التهديدات الصحية لكنها لم تثمر شيئا ، فتفعيل هذه الشراكة على ما يبدو كان يحتاج أن يخوض العالم تهديدا أكبر ، وان لم يستفد من هذه التجربة لتوجيه اهتمامه نحو تعزيز الأمن الصحي العالمي مستقبلا ، فقد يتسبب كورونا اخر في فناء البشرية .

واذا هناك درس يجب استخلاصه من كورونا ، مهما كانت نتائج الحرب الضروس معها ، فهو أن المغرب يستحق أحسن مما يعيشه ، يستحق قسمة أكثر عدلا ، ويستحق المواطنة والكرامة .

ان لجنة شكيب بنموسى التي انيطت بها مهمة إعادة رسم طريق المملكة بعدما وصلت الأوضاع الاجتماعية الى الطريق المسدود ، لها اليوم حظوظ نبي مرسل من القدر لرسم معالم مغرب ما بعد الجائحة . وفي هذا الزمن الذي يمكن للمغاربة أن ينسوا فيه خصومتهم مع كل ما يأتي من المؤسسات الرسمية ، هناك فرصة ذهبية قد تنبثق من محنة الوباء للتعبئة من مملكة موحدة متضامنة ، يعلو فيها القطاع العام على أي قطاع ، وتكون فيه الأولوية للصحة العمومية والتعليم العمومي…

6_ اعتبر ذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، أن وباء كورونا ” سوى بين الغني والفقير ، لقد انقضى ذاك العهد الذي كان اذا أصيب فيه أحدهم بالزكام يركب طائرة خاصة ويتجه الى المصحة الفلانية بباريس أو لندن ، نعم ، نحن اليوم كلنا سواسية بفضل كورونا …نعم لقد سوت بيننا ، سنكون في نفس المستشفى ، وسنحتاج لنفس الطبيب والممرض ، وهذا الهم يجب ان نعطيه حجمه الحقيقي ” .

سنجتاز جميعا هذه الأزمة أكثر قوة لأننا أكثر اتحادا اليوم ، فخورين بهويتنا الوطنية وانتمائنا لشعب عظيم بقيادة ملك عظيم …

وحده شيء أساسي لا زال ثابتا في النبض ، في العرق ، في الفؤاد : حب الوطن .
ان محاربة الوباء أولوية وهي مسؤولية الجميع ؛ الدولة والمجتمع ، الا ان هذه الجائحة يجب ان تنبه المسؤولين ؛

ان الشيء الوحيد الذي يبقى للانسان في نهاية المطاف هو وطنه ، فالذين كانوا كلما حلت مصيبة أو أصابتهم ضائقة يحملون حقائبهم ويركبون درجة الأعمال ليطيروا لأمريكا أو اوروبا ، هاهم مع اخوتهم المغاربة على نفس الأرض مضطرين لذلك اضطرارا ، وهاهم اذا مرضوا مضطرين لأن يعالجوا في بلدهم ، لأن لا بلد سيقبلهم بما في ذلك الذي رحلوا له أموالهم أو تشبعوا بثقافته او اعتادوا على شوارعه ونواديه اكثر من اعتيادهم على ما يجري في وطنهم .

هذا درس لا بد أن يكتب على الجبين ، فاستثمروا في هذا البلد وركبوا القطاعات الاجتماعية أبوابا من عناية ، وقوموا بالصحة العمومية حتى تكون حافظة لكرامة المغاربة ، و..و..و..

7_يقوإدريسادريس لشكر” الحق في الحياة له أولويات على كل الحقوق ، ولذلك ينبغي تقديم بعض التنازلات في ممارسة هذا الحق من أجل خدمة الوطن والانسان ” .

ويقول ” …مطروح علينا بكل مسؤولية ووطنية صادقة ، أن نتواضع وأن ننصت لما يجري حولنا من تطورات الأحداث ، وأن نتابع ما يجري خدمة لحقنا أولا في الحياة ، وفي أن يستمر وطننا ، وأن تكون البشرية جمعاء بألف خير …”
لقد صارت الدولة في زمن ” الكورونا ” هي الملاذ الأول والأخير لمواطنيها ، واستعادت قيم كانت اخذة في الاندثار مكانتها : كالولاء للوطن ، والوطنية ، والتطوع للخدمة العامة ، والتكافل بين أبناء الوطن ، والثقة في المؤسسات …
فيروس كورونا أعاد الأبناء ركضا ليلتفوا حول الوطن…ففي خضم الإجراءات المؤلمة التي تحد من حرية التنقل والتجمع ، لوحظ انصياع شامل للشعب ، والتفاف حول الدولة . وتقبل الناس عموما طواعية كل الاجراءات التي اتخذتها وان مست حرياتهم الأساسية ، كما استعادت الدولة سيطرتها على الحدود التي استعادت وظيفتها الأساسية المتمثلة في الحفاظ على سيادة الدولة وكيانها القوي المستقل …

هناك من لم يستوعب كامل الاستيعاب مفهوم الدولة الحديثة ، ودور الدولة في تنظيم الحريات وعقلنة المجتمع والسهر على الخدمات وعقلنة التدبير الاجتماعي ، أي تدبير مشاكل المجتمع تدبيرا عقلانيا مبنيا على الحساب وعلى الملاحظة والوعي العلمي . ولهذا ظهر وكأن هناك صراعا بين الوعي العصري الذي تمثله الدولة مهما كانت درجة عقلانيته ، وبين بقايا الأعماق الاجتماعية التي لا يزال يسيطر عليها وعي تقليدي غيبي ، ويبدو أن الوعي العقلاني للدولة يفرض نفسه بحكم الضرورة والتطور .

ان الحاجة إلى تأسيس الدولة والتدبير السياسي للدولة فرضته ضرورة إيجاد حلول للمشاكل التي تطرحها الطبيعة أمام الانسان . هذا الأخير مطالب ببناء الدولة للحفاظ على انسانيته ، لأنه بفعل الثقافة ( القوانين والدساتير والمؤسسات ) ، يستطيع ان يعوض ما لم تمنحه الطبيعة اياه ؛ فالسلوك والعلاقات الإنسانية هي نتائج اختيارات سياسية واعية .

ان الدولة مؤسسة سياسية أساسية للفرد والمجتمع ، فغاية وجودها هو الحفاظ على إنسانية الإنسان وتهذيب قدراته وامكاناته الطبيعية ، وتنظيم حياته الاجتماعية فضلا عن الحفاظ على وحدة المجتمع وتوازنه بما يخدم مصالحها العامة . والدولة القادرة على الإستمرارية هي الدولة الشرعية التي تحاول إقرار الحق والمبنية على تعاقد اجتماعي ، ينظم الممارسة السياسية…

8- يقول الأستاذ إدريس لشكر ” الان ليس وقت حسابات حزبية ضيقة او محاسبات …الفاعل الأساسي هو الدولة ونعتز أن مشروعنا كدولة قوية عادلة نجح في هذا المحك …لكل من يفكر يمينا أو يسارا أو جهة أخرى ايديولوجية عليه يؤجل كل هذه الأمور حتى نجتاح الجائحة بنجاح وبعدها فليتنافس المتنافسون …”
ويقول الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ” …أقول ان كل ما شخصته من واقع لا ينفي أننا على مستوى العالم ، لنا من الحد الأدنى للاطمئنان مقارنة مع ما يقع بالعديد من الدول …

ومن أول هذه العناصر التي تدعو الى الاطمئنان هناك عنصر الثقة الذي ميز المغرب ، وهذا برهن عليه المغاربة بجسد واحد ، وبالتزامهم وانخراط كل المؤسسات القضائية والتشريعية والتنفيذية ، والصحية والحزبية. والنقابية ….ومن خلال تتبعنا للتدابير والاجراءات التي اتخذت لمواجهة هذا الوباء استطاعت أن تتعامل ، وتواجه كل الاكراهات …

لهذا اعتبر أن هذه المكاسب يجب ان نعززها باحتفاظنا على وحدتنا وانضباطنا لكل القرارات التي تتخذها المؤسسات في بلدنا ، مع الانخراط الجماعي في تنفيذها …”

9_ يقول الأستاذ إدريس لشكر ” أعتبر أنه من منطلق ، أنني كفاعل سياسي ، يأخذني التفكير الى التساؤل والبحث عن كل الصيغ والحلول التي يمكن أن تساهم في مواجهة هذا الواقع الذي نعيشه اليوم ….

في هذا الإطار ، أعتقد أن العديد من المفاهيم ستتغير…” أشياء كثيرة ستتغير في الاقتصاد والثقافة والمجتمع ، في القيم والسلوكات والعلاقات الإنسانية ، وأن أسئلة كثيرة ستثار ، وأن أفكارا ومقاربات جديدة سترى النور . كورونا زلزال هز وسيهز ثوابت واقتناعات ومنظومات فكرية وسياسية وجيوسياسية .

كورونا حدث ، والحدث هو كل شيء يقع في الزمان والمكان ويغير المفاهيم والمعاني . هو حدث بالمعنى القوي ، قسم البشرية الى قسمين وسيؤرخ للأجيال القادمة …

هو تحول نوعي وحدث صاعقة لأن الإنسانية لم تكن تنتظر عدوانا بمثل هذه الشراسة والحجم . هناك عنصر الفجائية الذي تم معه تخطي كل التوقعات لأن العلم والتقنية كانت مطمئنة على ذاتها بعد الانتصار على عدة أوبئة بعد تحجيمها والتحكم فيها في شهور …لكن يبدو ان هذا الفيروس يتطور ويتكاثر بشكل رهيب حيث يبدو وكأنه من الصعب التغلب عليه رغم الاحتياطات …

هو اذن حدث ضخم ومفصلي غير كل التصورات والمفاهيم والباراديغمات والحلول ، كما انه صادم يخلخل كل البنيات والتوقعات وأشكال الوعي ، وبهذا المعنى فهو أبان عن انه حدث Événement جاء ليغير الماضي والحاضر والمستقبل.

العالم سينجح لا محالة في محاربة هذه الجائحة ، لكن بأي تكلفة ؟ لا احد يعرف لكن المؤكد انها ستكون باهضة ، وسينجح هذا الفيروس القاتل في تغيير العديد من عاداتنا ومن نظرتنا للحياة ، وسيكون البشر مجبرين على التفكير في رسم ملامح عالم ما بعد ” كورونا ” ، في الوقت الذي كنا نتحدث سابقا عن عالم ما بعد االحداثة .

10_ ان العلاقة مع الغير ، ينبغي أن تتأسس على قاعدة الغيرية ، باعتبارها نكرانا الذات وتضحية من أجل الغير ، وتقيم قطيعة مع الأنانية ، فهي الكفيلة بتثبيت مشاعر التعاطف والمحبة بين الناس ، فتجد الإنسانية غاياتها الكبرى في نشر قيم العقل والعلم والتضامن والاستقرار في العالم . يقول اوكست كونت ” وحدها دوافع التعاطف الإنسانية تصنع الانطلاقة الحقيقية الثابتة لحياة من أجل الغير ” .
وفي سياق العلاقة الإيجابية مع الغير ، الغير _ الجار ، توجه ذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، بنداء الى الجارة الجزائر لاستغلال هذه الظرفية قصد التعاون وفتح الحدود ، معتبرا في دعوته أن ” الجزائر في حاجة إلى المغرب ، وأن الشعب المغربي في حاجة إلى الشعب الجزائري ، وأن فتح الحدود وتأسيس علاقات جديدة سيساهم في تجاوز كل المشاكل العالقة فيما بيننا …”

يقول ذ لشكر ” …لما توجهت إلى جيراننا الجزائريين ، استحضرت في دعوتي لهم ، أن ما ينتظرنا يتطلب القدرة على المواجهة …وأن فتح الحدود من أجل التعاون اقتصاديا وتجاوز هذه القطيعة ما بين البلدين …
ولنترك المكانة للحكمة تتصدر مستقبل الشعبين الجزائري والمغربي “.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *