يقترب إلياس من الطاولة بهدوء، يختار القطع واحدة تلو الأخرى، يختبر زواياها بعين دقيقة، ثم يبدأ في بناء شكل هندسي معقد من دون تردد. خلال دقائق، يتحول اللون والحجم والمسافة إلى ترتيب محكم، كأن الطفل البالغ من العمر 11 سنة يقرأ المساحة بطريقة تختلف عن الآخرين.
في مركز Universal Healthy Brain Center بمدينة تمارة، يعرف الفريق أن ما ينجزه إلياس يتجاوز لعبة تركيب. خلف حركته الهادئة قدرة تحليلية قوية، وذاكرة تلتقط العلاقات بين الأشكال، واهتمام عميق بكل ما يرتبط بالفضاء والمجرات وسلسلة “حرب النجوم”.
يحمل إلياس تشخيصا باضطراب طيف التوحد بدرجة خفيفة، لكن هذا التشخيص لم يتحول داخل أسرته إلى حكم نهائي على مستقبله. والدته سمية اختارت أن تنظر إلى ما يستطيع إنجازه، لا إلى ما يعجز عنه. كانت تسمع من يقول إن ابنها يعيش في عالمه الخاص، بينما كانت ترى طفلا يحتاج إلى من يفهم طريقته في التفكير والتواصل.
حلم إلياس واضح: أن يصبح مهندسا في وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”. لا يتحدث عن الفضاء بوصفه فكرة بعيدة، وإنما كهدف يرافقه في تفاصيل يومه، من الرسومات إلى المجسمات، مرورا بكل معلومة يلتقطها عن الكواكب والرحلات الفضائية.
تقول الدكتورة خولة محمد، الأخصائية في علم النفس العصبي والمسؤولة عن المركز، إن إلياس يملك عقلا تحليليا متقدما، موضحة أن مهمة الفريق تقوم على اكتشاف قدرات الطفل، تقويتها، مساعدته على توظيفها داخل المدرسة والحياة اليومية.
بدأ التحول بعد حصول إلياس على برنامج تعليمي فردي داخل مؤسسته الدراسية، ثم التحاقه بالمركز، حيث خضع لخطة تأهيل جمعت بين الدعم النفسي والتربوي والتواصلي والحركي.
كانت المدرسة تتصل بوالدته بشكل متكرر بسبب الصعوبات التي واجهها في الاندماج والتفاعل. بعد عام من المتابعة، تغيرت نبرة المكالمات. اتصلت المعلمة هذه المرة لتتحدث عن تقدمه، قدرته على التواصل، تحسن مستواه الدراسي.
بالنسبة إلى الدكتورة خولة، تكمن إحدى الإشكالات الكبرى في تأخر التشخيص أو عدم دقته. بعض الأطفال المصابين باضطرابات النمو العصبي يمرون عبر مسارات علاجية لا تناسب حالاتهم، نتيجة الخلط بين التوحد واضطرابات نفسية أخرى.
لهذا يعتمد المركز على فريق يضم اختصاصيي علم النفس العصبي، علاج النطق، العلاج الحركي، الدعم التربوي. كل طفل يحصل على برنامج يراعي احتياجاته وطريقته الخاصة في التعلم والاستجابة.
تتجاوز المتابعة جلسات المركز، إذ تنخرط الأسرة والمدرسة في تنفيذ التوجيهات، مع الاستعانة بمنصة رقمية تسمح للآباء بمراقبة البرامج وتطبيق التمارين داخل البيت.
قصة المركز بدأت بدورها من مشروع حصل على دعم برنامج “انطلاقة”، الذي أطلق تحت قيادة الملك محمد السادس لدعم ريادة الأعمال وتسهيل تمويل المقاولات، بشراكة بين وزارة الاقتصاد والمالية، بنك المغرب، مؤسسة تمويلكم.
وساهم تمويل البنك الإفريقي للتنمية ضمن برنامج دعم التشغيل وريادة الأعمال والتمويل بالمغرب، بقيمة 119 مليون يورو، في توفير الإمكانيات الضرورية لإحداث المركز وتجهيزه واستقطاب كفاءات متخصصة.
خلال ست سنوات، استفاد ما بين 500 وألف طفل من خدمات المركز، مع نمو سنوي تراوح بين 25 و30 في المائة، إلى جانب إحداث نحو عشرة مناصب شغل متخصصة.
يسعى القائمون على المركز إلى نقل التجربة نحو مدن مغربية أخرى، استجابة لحاجة أسر تبحث عن تشخيص دقيق ومواكبة مهنية لأطفالها.
أما إلياس، فيواصل بناء مجسماته، يرفع عينيه نحو صور الكواكب، ويتمسك بحلمه الكبير. بين طاولة صغيرة في تمارة وفضاء شاسع في مخيلته، يرسم الطفل مساره الخاص نحو “ناسا”.