من كتاب ؛ إدريس لشكر …. مايسترو الاتحاد الاشتراكي

عبد السلام المساوي

رسائل للعثماني…. لعله يشفى من عقدة اسمها إدريس لشكر
1_لا يتعلق الأمر بصراع بين إدريس لشكر وبين العثماني ومعه بنكيران وكل الاخوانيين، بل يتعلق بصراع بين قوى التقدم والحداثة والديمقراطية وبين قوى التخلف والرجعية والظلام …

انه صراع بين فكر الأنوار والتنوير وبين الفكر القروسطوي…
انه صراع بين حزب الاتحاد الاشتراكي بمشروعه المجتمعي الاشتراكي الديموقراطي ، وبين حزب العدالة والتنمية بلا مشروع مجتمعي …
انه صراع بين حزب وطني ديموقراطي وحزب اخواني مستبد….

انه صراع بين حزب تاريخي بعناوين النضال و المعاناة والتضحية ، وحزب مطبوخ في مطبخ ام الوزارات في عهد البصري بعنوان محاربة الأحزاب الوطنية الديموقراطية وقتل المناضلين ( عمر الشهيد شاهدا )..
انه صراع بين المناضلين وبين تجار الدين …

2_ العثماني حالة نفسية وليست موقفا سياسيا ، وتدبير شؤون الدولة لا يمكن أن يتم مع حزب يتخذ مواقفه بموازين الغضب والقلق وجبر الخواطر . ففي الشأن العام نشتغل من أجل مصلحة الدولة والشعب وليس من أجل خاطر مول اللايف من الصالون والتهديد بالاستقالة في كاغيط الزبدة . 3_للأسف الشديد يوما بعد يوم نتأكد أن العثماني لم يكن مؤهلا بتاتا لتدبير شؤون دولة لها تقاليد عريقة في الحكم ، لكن القدر السياسي قاد الاسلامويين دون سابق انذار على ظهر موجة ” الربيع العربي ” لكي يمارسوا حماقاتهم علينا ، في انتظار أن يخضعوا لسنة الجزر السياسي القريبة جدا .

هناك قصة فرنسية وجيزة وجديرة بالاهتمام بطلها رئيس الجمهورية الفرنسية رينيه كوتيه يقدم فيها تمييزا بين رجل السياسة ورجل الدولة ، ففي احدى المناسبات ذكر له أحد وزرائه اسم زعيم بارز من زعماء الحياة السياسية في فرنسا فاستخف به الرئيس الفرنسي به وقال : ” انه ليس سوى رجل عادي بسيط من رجال السياسة ” . فسأله أحد الحاضرين : ولكن يا حضرة الرئيس ما الفرق بين السياسي ورجل الدولة في رأيك ؟ فأجابه قائلا : الفرق بسيط جدا ، رجل الدولة يريد أن يعمل شيئا من أجل بلاده ، والرجل السياسي يريد من بلاده ان تفعل شيئا من أجله . ولا يكتمل معنى هاته القصة دون استحضار قولة الجنرال ” ديغول ” حينما قال انه لم يأت لحكم فرنسا لمرتين بالشرعية الانتخابية ، بل استدعاه للحكم نداء فرنسا .

3_ان حزب العدالة والتنمية ، حزب مستعد ، في أي لحظة ، لابتزاز جميع المؤسسات دون استثناء ، بطريقة فجة .
حزب يحمل شعار ” أنا وبعدي الطوفان ” ، و ” اما أن أكون بالشكل الذي أريد ، أو لا يكون أحد ” .
نحن في هذا البلد يجمعنا حب وطن المغرب ، وحب الأمة المغربية ، وهو مسبق على الانتماء العابر لأي ” حزب ” ، مهما بلغ صوت عويله والصراخ كل الافاق .
4_ من حق العثماني ومن معه ، ان يروا أن الاتحاد تبدل وان الاتحاد تغير…و.. شيء واحد ليس من حق العثماني نسيانه ، انه وحينما كان الاتحاد اتحادا مثلما يقول اليوم ، كان هو وأصحابه يفضلون الاعتكاف في المنازل ، وقراءة الورد ليل نهار ، واداء الصلاة خفية ، والتستر على كل العلاقات .. ايامها كانوا يقولون عن الاتحاد انت حزب ( الملحدين واليساريين الضالين والعلمانيين الملعونين باذن الله تعالى ) ، وكانوا يعتقدون ان ( التعاون ) ضد الاتحاد مشروع وشرعي ، بل هو وجه من اوجه نصرة الله تعالى !!!
حزب العدالة والتنمية حزب صنع في دهاليز الإدارة ، خصوصا إدارة الداخلية في عهد ادريس البصري ، صنع لمحاصرة الاحزاب الديموقراطية الحداثية ، من خلال التشكيك في مشاريعها وأطرها ، والصاق تهم الزندقة والكفر والالحاد بكل مناضل يساري ، ديموقراطي وحداثي …
في ظروف تاريخية عسيرة شجعت الدولة ” الإسلام السياسي ” في لبوسه الدعوي والحزبي ، ووفرت له شروط الاشتغال والانتشار بهدف مواجهة اليسار الديموقراطي …واستغل الإسلاميون هذا التشجيع ” للتسرطن ” في المجتمع …وستتنبه الدولة الى خطر هؤلاء مع أحداث الدار البيضاء المؤلمة في 16 ماي. 2002 ; فتبين لها انها تحصد ما زرعت …ان اليسار كان يؤطر الجماهير لتفجر حناجرها في التظاهرات الاحتجاجية ، اما الإسلاميون فيدجنون هذه الجماهير لتفجر اجسادها …
هل يحق للعثماني ،هل يحق لمن كان أداة من أدوات القوة الثالثة في الخروج عن المنهجية الديموقراطية ، سنة 2002 ، ان يستشهد اليوم بالمجاهد عبد الرحمان اليوسفي ، ليضفي مصداقية على خطابه ويدعي بأن اليوسفي يصفهم ب ” الحلفاء الموضوعين ” !!!!!
5_هل العثماني يعرف عبد الرحيم بوعبيد حتى يستشهد به ليعطي لنفسه شرعية نضالية ، ألا يتذكر بأن عبد الرحيم كان يعلم أنهم يعملون على تأسيس حزب إسلاموي على دماء عمر بنجلون ؟
” واذكر ربك اذا نسيت ” ونذكر العثماني وهو اليوم ” يمجد ” اليوسفي … كان لديكم 42 مقعدا في تلك السنة المشؤومة ( 2002 ) ، وكان لكم موقف دفع في اتجاه التأزيم ، وتوحيد اليمين ، الذي يحن الى تعطيل المنهجية الديموقراطية وسيادة صناديق الاقتراع . رغم كل ما حدث ، حصل الاتحاد الاشتراكي على اكبر عدد من الأصوات ومن المقاعد ، فقد عمل حزب العدالة والتنمية ، ” حزب تأمين الخروج عن المنهجية الديموقراطية ” ، على تصريف موقف التعطيل من خلال تشكيل تحالف ثلاثي اصدر البيان ” التاريخي ” في التهديد بالدخول في أزمة سياسية !!! مع حزبي الاستقلال والحركة الشعبية ، إذا ما تم تعيين اليوسفي ، أي بلغة أخرى ، إذا ما تم احترام المنهجية الديموقراطية !
هل ينكر العثماني ومن معه الانقلاب على المبدع السياسي للمنهجية الديموقراطية ، بلغ حد شيطنة اليوسفي وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، المدافع الوحيد – وقتها – عن المنهجية الديموقراطية …وتحويل القضية النسائية الى فتنة مجتمعية…!!!
6_ قبل الاستحقاقات التشريعية في 7 اكتوبر 2016 ، وفي إطار التحضير للائحة الوطنية المخصصة للنساء والشباب ، كان الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي متميزا …كان استثناء …حرم على نفسه وعلى جميع اعضاء المكتب السياسي ترشيح زيجاتهم وأولادهم وبناتهم ، اخوانهم وأخواتهم …وكانت تكفي قراءة سريعة لأغلب اللوائح الحزبية الأخرى ليتبين انها مؤثثة بزيجات الزعماء وبناتهم وأخواتهم ، بما في ذلك تلك الأحزاب التي تدعي محاربة الريع والفساد … وهنا نتحدث عن حزب ” البيجيدي ؛ حامي الدين رشح زوجته ، أفتاتي رشح زوجته …بنكيران وظف بنته في الأمانة العامة للحكومة …منح للأبناء والبنات في تركيا وألمانيا و….منح المناصب السامية للأقارب والمريدين والتابعين وتابعي التابعين ….
قرار إدريس لشكر كان متفردا ورائدا ….صفق له الاتحاديون والاتحاديات …قرار لم يتم تسويقه كما يجب ، لأن الجميع كان ينتظر عكس ما حدث ! خصوصا أولئك الذين احترفوا الإساءة إلى الاتحاد الاشتراكي وقيادته …
واذا كنا نسجل ايجابا موقف الكاتب الأول ، لأنه ، ومنذ المؤتمر الوطني التاسع ، قطع مع الريع الحزبي ، فإننا نسجل عليه متسائلين بأي حق يتم عدم ترشيح احدى بنتيه او احد ولديه وهم من خيرة الأطر الاتحادية الشابة …أنهم يستحقون بجميع المقاييس …كل او على الأقل أغلب الاتحاديات والاتحاديين كانوا يتوقعون ، بل منهم من كان يطالب بالحاح وصدق ترشيح خولة ، الا ان إدريس كان له رأي آخر وخولة غير معنية ….
ومرة أخرى يبقى مقعدها شاغرا في المؤسسة التشريعية كما في مؤسسات أخرى …وكنا سنربح جميعا كفاءة مقتدرة …فقط يجب التحلي بشجاعة الاعتراف والانصاف …
في المخيال الشعبي ، الذي يزكيه الواقع ، أبناء وبنات ” الكبار ” يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب …يكبرون ولا يحملون هما …متكئين ومختالين بتدخلات الأب ووساطته ، بنفوذه وجاهه !
وفعلا قرصن الكثير منهم مناصب كبرى وما يستحقون ! ابن فلان وبنت فلان …هذه سيرهم الذاتية وهذه مفاتيحهم !
وهنا أيضا يشكل إدريس لشكر استثناء ….ومرة أخرى نسجل له هذا النبل ، ولكن أيضا نسجل عليه …لا للتدخل المجحف والظالم ، لا للوساطة ، لا للزبونية ….لخولة مؤهلات وقدرات تغنيها عن تدخلات الأب…
ليطمئن الجميع ، خولة لا تنافس أحدا على موقع أو منصب …بكفاءتها واصرارها ، صنعت نسيجها المميز…
تقوم فلسفة خولة في الأداء الحزبي على مبدأ الانتماء ، فهي مشبعة بهذا المبدأ وترى أن الشعور بالانتماء هو مكمن الإحساس بالمسؤولية ومحرك المردودية وحافز الغيرة على الوطن وبطارية المبادرة والتفاني في القيام بالمهام المطلوبة ، بل إنها تعتقد واثقة ان الانتماء الحقيقي للوطن يبدأ من الانتماء الصادق لللحزب الذي يمثل حقل خدمة الوطن….
خولة مناضلة اتحادية ومواطنة وطنية…انها اتحادية تنتمي مطاوعة لكنهت لا ترضخ …اختيارا لا قسرا …تنسجم بيد أنها لا تذوب …هي ذات فرادى واختلاف …تحوم سماوات العالم الرحاب ولا تهيم ، وتعود مثقلة بالتجارب والمعارف لتبشر بغد جميل لمغرب جميل …
لا يمكن أن تحشر في زمرة ” اولاد وبنات لفشوش ” ، فهي ليست منهم ، لأنها محصنة ، ولكنها تعرف ان الطريق ألغام وكوابيس …وقائع وانفجارات ..دسائس واشاعات …لهذا تمضي بحكمة وثبات …تفضح الكوابيس وتنبه الى صخبها …تنبه إلى الاغراءات وتحذر من مخاطرها …لترتفع إلى مقام المسؤولية الملتزمة ….وليست منهم لانها رضعت الاناقة والانافة في معبد الشجعان …فاسمحوا لي ان أعلنها صاحبة قضية…
وما يسجل لادريس لشكر أنه يشكل استثناء مرة أخرى …فهو لا يشبه الزعماء السياسيين ورجال الأعمال والمال ، أولئك الذين استنزفتهم طموحاتهم الانانية ومصالحهم الشخصية ، البحث الذي لا ينتهي عن المناصب ومراكمة الثروات ؛ اهملوا الأسرة فانحرف الأولاد والبنات وتاهوا لأنهم ، ومنذ البداية ، كانوا بدون بوصلة …والنتيجة كانت ” اولاد وبنات الفشوش ” الذين نتابع انحرافاتهم في المواقع والصحف والمحاكم ….
لشكر ليس من هؤلاء ولا من أولئك …انه مختلف …نعلم انه مارس السياسة في سن مبكرة ، في سنوات الجمر والرصاص والجحيم ، والانخراط في حزب الاتحاد الاشتراكي كانت عواقبه وخيمة …ونعلم انه راكم مسؤوليات حزبية وسياسية مختلفة ومتعبة …ولكنه لما قرر وعزم على الزواج ، ادرك بوعي ان هذا التزام ومسؤولية ، وأن تربية الأولاد والبنات مسؤولية كبرى وثقيلة …وكذلك كان …
زعيم سياسي ولا ينسى أنه اب…
7_شرع عدد من رموز العدالة والتنمية في مغادرة قيادة سفينة الحزب الحاكم بمبررات متعددة ، بعدما ظلت هاته القيادات تستفيد من عائدات مسؤولياتها السياسية طيلة عقد من قيادة الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية .
في حقيقة الأمر هذا السلوك ليس غريبا على حزب جعل من الإزدواجية منهجا في التدبير ، بل منتظرا ان تجري إعادة رتق البكارة السياسية في الربع ساعة الأخيرة من حزب يتقن الهروب بأي شكل من الأشكال من تحمل المسؤولية السياسية عن أدائه الفاشل حتى ولو أدى الأمر إلى الاختباء وراء قضايا بعيدة عن المعيش اليومي للمغاربة .
والسؤال اليوم لماذا يقفز كل الغاضبين اليوم من سفينة الحزب الحاكم التي تتجه بسرعة نحو الغرق ؟ ولم يفضل القادة ( الرميد ، الازمي…) الانسحاب من هذه السفينة بدلا من البقاء فيها إلى آخر دقيقة وتحمل مسؤوليتهم ؟ ولماذا لم يحاول هؤلاء الهاربون انقاذ ما يمكن انقاذه لتفادي وصول تجربة حزبية الى القعر بعدما خرقوا سفينتهم بأيديهم ؟
المغاربة كانوا سيتفهمون ان عددا من رموز الحزب الحاكم قرروا تجميد عضويتهم او الاستقالة من الأمانة العامة أو من الحزب أو من الحكومة أو….بسبب قرارات الحزب الكارثية التي اتخذت في مجالات الصحة والشغل والتقاعد والأجور والديون والضرائب وسوء تدبير الجائحة ، لكن لاشيء من القرارات الحكومية المجحفة حركت قادة ” البيجيدي ” ودفعتهم للاستقالة ، بل ظلوا ينتظرون وصول مشجب كقضية فلسطين ليعلقوا عليه فشلهم في التدبير الحكومي .
طبعا لن تنطلي حيلة الهروب على الرأي العام ولن تبيض القرارات البشعة التي اتخذها الحزب طيلة عقد من الزمن .
المغاربة لم يتعاقدوا مع الحزب الحاكم منذ ولايتين على تحرير القدس ، بل حصلوا من الحزب الحاكم على التزامات برفع نسبة النمو الى 5 في المائة وتحقيق نسبة بطالة في حدود 8 في المائة ، وتقليص الفوارق في الدخل ومحاربة الفقر والهشاشة من خلال إصلاح منظومة الأجور العمومية ، ومحاربة الاقصاء الاجتماعي ودعم الفئات ذات الاحتياجات الخاصة ….
طبعا لا شيء من هاته الوعود تحقق بعد عشر سنوات عجاف ويبقى الحل هو الاختباء وراء التطبيع لانقاذ ما يمكن انقاذه !!!!7_فوضى الرسائل
8_ في فوضى الرسائل وكثافتها ، وسرعة انطلاقها وبثها ، لن تظفر ، في النهاية ، الا برسالة ستظل راسخة في الذهن ، هو بالضبط ما يحاول حزب العدالة والتنمية القيام به ، عبر ” تقنية ” التلويح بالاستقالات والتراجع عنها .
الرسالة بوجهين : واحد ” نحن ضد التطبيع ، وما جرى في القصر الملكي بالرباط ، فرض على الحزب من فوق ، والثاني ” القاسم الانتخابي مؤامرة ” .
أما المرسل اليه ، فهي ” القواعد الثابتة والمتحركة الناخبين ” التي تنتظر أي ” سبب ” يقنعها بأن الحزب لا يمكن أن يتنازل عن ثوابته !
الوجه الأول من الرسالة أساسي جدا في بنية تفكير حزب ديني ، ولمح اليه عبد الإلاه بنكيران ، الأمين العام السابق ، في أول خروج له بعد استئناف العلاقات مع اسرائيل ، وهو يمد طوق نجاة الى العثماني ، وسط أمواج متلاطمة من الانتقادات كادت تعصف به ، لكن بنكيران اعتبر ، بدهائه ، أن ما فعله زميله ليس سوى امتثال لأمر صادر عن الرجل الأول في الدولة .
وبعد هذا الخطاب ” التوجيهي ” ، انطلقت عمليات تبييض سيرة الحزب في شكل تصريحات ملغمة من قيادات وازنة ، ثم استقالات من القيادة السياسية ( عبد العزيز عماري ، المقرئ أبو زيد ) ، وما تلاه من انسحابات واستقالات بالجملة لفروع في عدد من المناطق !!!.
وبعد أن تأكد ” عقل ” البيجيدي من ترسخ ” فكرة ” أن التطبيع ” اختيار دولة ” ، ولا علاقة له بمبادئ الحزب وثوابته ، عقدت دورة للمجلس الوطني ، وصدر عنها بيان الى الرأي العام الداخلي ، جدد فيه ” إدانته ورفضه المطلق لما سمي صفقة القرن وتنبيهه لمخاطر التطبيع على المغرب ” .
وحتى يقطع الحزب دابر أي امتداد لفكرة التطبيع وسط وزراء رحبوا بإعادة استئناف العلاقات مع اسرائيل وعبروا عن رغبتهم في زيارتها ، كان لا بد أن يستعمل ” بيجيدي ” مدفعيته الثقيلة ، عبر تسريب ” مخدوم ” لطلب استقالة مصطفى الرميد ، وزير الدولة في حقوق الانسان والعلاقة مع البرلمان ، من الحكومة ، ثم بعدها مباشرة ، تسريب استقالة رئيس المجلس الوطني من منصبه ، ومن عضوية الأمانة العامة .
9__يرتبط فشل الإسلاميين بطبيعة تصورهم للديموقراطية التي اختزلوها خلال ممارستهم للحكم كمعادل وحيد لصناديق الاقتراع ، حيث صارت الشرعية الانتخابية هي سندهم في الحكم كطريق للاستفراد ، ولالغاء المعارضة في التفكير والتدبير ، ولذلك أصبح المشترك في خطاب الإسلاميين هو التصريح بأنهم إفراز لصناديق الاقتراع ، وبالتالي فأي طعن في الحاكمين وسياساتهم هو طعن في الديموقراطية .
ان هذا التحصن بصناديق الاقتراع يخفي ايمانهم بأن العملية الديموقراطية هي مجرد مرحلة انتقالية في نظرهم لإقامة الخلافة الإسلامية ، وتصدق في هذا السياق ” ديمقراطية المرة الواحدة ” .
كان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت موفقا الى حد بعيد حينما رد على هجومات نواب حزب العدالة والتنمية ضد الولاة والعمال بالقول ” باركا من البكاء فأنتم تعرفون أن ما تقولونه غير صحيح ” ، والحقيقة أن جملة لفتيت على بساطتها كانت مانعة جامعة ، لوقف جلسة اللطم الجماعي التي يمارسها ” البيجيدي ” مع اقتراب كل استحقاقات إنتخابية ، والبحث عمن يعلق عليه قادة الحزب الحاكم جرس فشلهم المسبق ، بينما هم لا ينتبهون الى ان ثقافة التباكي السياسي أصبحت حيلة بالية وسط الرأي الذي يعي جيدا تهافت خطاب المظلومية .
لا نحتاج هنا الى سرد الكثير من وقائع المظلومية التي يكررها الحزب الحاكم ببشاعة ويحاول توظيفها على رأس كل محطة إنتخابية لربح الأصوات والمقاعد بدون تعاقد برنامجي ، فقد أصبح من المعلوم بالضرورة كما يقول الفقهاء أن يسخن قادة حزب العدالة والتنمية محركاتهم الانتخابية بانتاج خطاب لشيطنة المؤسسة القضائية ورجال الإدارة الترابية وخلق معارك مفتعلة تجاه الولاة والعمال واتهامهم بمحاولة استهداف منتخبيه والنيل من شعبيتهم ، واظهارهم بمظهر الغول الذي لا هم له سوى الانتقام من حزب الإسلاميين .
والحقيقة أن الحزب الحاكم إعتاد على الاسترزاق بالبكاء السياسي الذي يجنبه المساءلة والمحاسبة عن تدبيره الكارثي للشأن العام سواء كان وطنيا أو محليا ، لكن ما لا يفهمه ” البيجيدي ” ان الكثير من المياه جرت تحت جسر الدولة والمجتمع ، فلم تعد الدولة بمؤسساتها الدستورية رهينة ابتزازه ومقايضته كما وقع في الولايتين السابقتين ، ولم يعد المجتمع قابلا لاستهلاك خطاب الديماغوجية والشعبوية التي فوتت على المغرب عقدا كاملا من التنمية ورجعت بنا سنوات الى الوراء بعد استنزاف مجهود وطني في معارك سياسوية عادت بالويلات على أوضاع المغاربة .
الذين يعتقدون أن الحياة السياسية والحزبية في المغرب ابتدأت مع حزب العدالة والتنمية _ رحم الله ع الكريم الخطيب وغفر لادريس البصري وأطال عمر البقية الباقية ممن شاركوا في فعل الولادة القيصرية للحزب اياه _ لا يعرفون أنهم يعيشون في بلد / أمة ، عاش قرونا وقرونا قبل أن يفكر حسن البنا في انشاء التنظيم العالمي للاخوان المسلمين الذي استلهم منه البعض سيرته السياسية .
لا يدرك حزب العدالة والتنمية في هذا المنعرج الذي يمر منه المغرب لبناء دولة قوية وفاعلة في المنتظم الدولي أنه يضيع فرصتين حقيقيتين ، الفرصة الأولى تضييعه للتحول إلى حزب سياسي مدني يتعاطى مع الأحداث والقضايا بحس سياسي مرن وعقلاني وليس بايديولوجية عقدية تعيقه في التوصل إلى اجتهادات واقعية . أما الفرصة الثانية فهي التحول إلى حزب بمواصفات وطنية فكريا وترابيا والقطع مع الفكر الأممي الذي يؤمن بالدولة الإسلامية العابرة لحدود الدول . فلم يعد الأمر يحتمل وجود حزب سيفه مع المغرب وقلبه مع أعداء الوطن ، الوقت وقت حسم ولا مجال لوضع رجل هنا ورجل هناك.
الحاجة اليوم ماسة لأحزاب مواطنة ، جادة وجدية تؤمن بالوطن وبالمصالح العليا للوطن ، أحزاب تواكب هذا الابداع الملكي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ، وهذا الابداع المغربي في مجال مقاومة الخيانة والانفصال واللصوصية بوطنية وبتقدير حقيقين ، تقفل الباب على المتسللين سهوا إلى ميدان السياسة ، وهم كثر …لن ينسى ” بيجيدي ” عادته القديمة ، ولن يفرط في سلاح أثبت فعاليته في جمع الغنائم ، قبل وابان كل المعارك الانتخابية التي دخلها ، إذ أصبح المفروض في نظر الحزب استباق كل نزال انتخابي ب ” تبوريدة ” يستعرض فيها غلبته على الداخلية .
استغل ” صقور ” ” بيجيدي ” ، انعقاد مجلسهم الوطني ، لصب الزيت على النار ، من خلال العودة إلى ” ابتزاز الدولة ” ، عبر اصدار بلاغ شديد اللهجة ، باستئناف المغرب علاقته باسرائيل ، واقرار أمريكا بمغربية الصحراء .
وأطلق ” صقور ” الحزب نيران مدفعية الابتزاز صوب الولاة والعمال ، لأنهم انتقدوا طريقة تدبيرهم ” السيئة ” للمجالس المنتخبة ، ولم يجدوا بدا من احياء شعار إسقاط الاستبداد والفساد ، كأن المغرب كان دولة الحزب الوحيد ، ولم تتصارع الأحزاب على شفافية ونزاهة الانتخابات .
مرة أخرى ولغة الابتزاز السياسي لمخاطبة الدولة واطلاق حملة إنتخابية سابقة لأوانها ، مرة أخرى يعود اسلاميو المؤسسات لطريقتهم البشعة في ممارسة الضغط والتلويح بقضايا حقوق الانسان واستهداف العمال والولاة والتشهير بالقضاء كما لو أنه حركة جذرية تعمل خارج الأطر المؤسساتية للنظام السياسي .
مرة أخرى يفضل الحزب الحاكم لعب دور الضحية في كل ما يجري وأنه حزب لا حول ولا قوة له أمام جبروت قوى غير مرئية بالعين المجردة .
مرة أخرى يعود حزب المصباح لهوايته المفضلة بازدواجية الخطاب التي ظلت تلازم تدبيره جزءا من السلطة طيلة عقد من الزمن ، فهو مولع بالتواجد في كل الأمكنة في نفس الوقت ، يريد الزبدة وثمن الزبدة ، يعشق ملذات السلطة وصولجان المعارض ، ولذلك فهو دائم البحث عن المبررات التي تسمح له بممارسة الشيء ونقيضه . وهي قضية عودة العلاقات المغربية _ الإسرائيلية لم يجد برلمانه من ملاذ للهروب من المسؤولية سوى اشهار جدار الاختباء وراء الملك واشهار ثقافة الإكراه من دلالات فقهية وتاريخية ، لرفع الحرج عنهم بمبرر أن العثماني وقع تحت ضغط الإكراه وبالتالي فمعظم تصرفاته أكره عليها مما يبطل عنه تبعاتها السياسية .
الجميع يدرك أن حزب العدالة والتنمية لا تهمه حقوق الإنسان او مالات التطبيع او القوانين المتعلقة بالاستحقاقات ، ما يهمه هو الحفاظ على مصالحه الانتخابية وزبنائه الذين يصوتون عليه ، حتى لو أدى به الأمر إلى التشهير بالمؤسسات الدستورية التي يقودها منذ عقد من الزمن أمام أعداء الوطن قبل أصدقائه .
ان الأقنعة التي لبسها الاسلاميون طويلا ، وخدعوا بها الكثير من المغاربة ، سقطت أخيرا وظهرت حقيقة عقيدتهم الخبيثة ، عقيدة الدمار والتشتيت ووهم الخلافة الذي لم ولن يتحقق . وقضية فلسطين او الأصل التجاري الذي بنوا عليه مجدهم لم يعد ممكنا تخدير عقول البسطاء بها . وبالدارجة المغربية : ساعتهم سالات …ولم يعد لدجلهم أي تأثير لأن المغاربة بدؤوا يكتشفون ، ولو متأخرين من هم أصدقاؤهم الحقيقيون ومن هم أعداؤهم الحقيقيون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *