من كتاب ؛ إدريس لشكر ….مايسترو الاتحاد الاشتراكي

عبد السلام المساوي

إدريس لشكر في جامعة عبد المالك السعدي بتطوان وفي جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

مرة أخرى ، كما مرات ومرات سابقة ، يؤكد الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الأستاذ إدريس لشكر ، يؤكد حضوره الاعلامي والسياسي والفكري المتميز : يتحدث ويفكر ويرسل رسائل سياسية دالة وهادفة ، بمسؤولية وحكمة ، الى كل من يهمه الشأن السياسي ببلادنا …

بالأمس ( الثلاثاء 4 ماي 2021 ) ، حل الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ضيفا على جامعة عبد المالك السعدي بتطوان ، وقارب في محاضرته ” الدولة الاجتماعية ورهان المستقبل في المغرب ”
وزوال اليوم _ الأربعاء 5 ماي 2021 _ حل القائد الاتحادي برحاب جامعة عريقة ، جامعة تاريخية ، قاطرة النضالات الطلابية في السبعينيات ، معقل القوى الديموقراطية الحداثية ؛ جامعة محمد بن عبد الله بفاس بمركز الندوات والتكوين التابع للجامعة …

الحدث الفكري والسياسي عرف حضورا نوعيا و مكثفا لعشرات المناضلين والأساتذة والطلبة الباحثين …

طبعا ليس سهلا أن يحضر زعيم سياسي الى معبد أكاديمي ؛ فكري وعلمي …فالأمر يحتاج الى كثير الجرأة اا الاتحاد الاشتراكي حزب فاعل في الابداع اليساري
اليسار ، بالرغم من كل الكبوات التي عرفها ، فإنه لم يستسلم ، بل في العالم كله قام بمحاولات ابداع لاستنهاض قوته ، نستحضر هنا محاولة نهج الطريق الثالث مع شرودر وجوسبان وبلير ….
ونحن اليوم ، حزب فاعل في هذا الابداع اليساري ؛ اننا كحزب يساري اشتراكي مغربي ، الحزب الوحيد في الأممية الإشتراكية والتحالف الاجتماعي التقدمي ..
وبفضل تجذرنا في التاريخ والمجتمع ، وبفضل اجتهادنا وابداعنا نسجل أننا نكاد نكون الحزب الاشتراكي الوحيد الذي حافظ على ذاته واستمراره وتوازنه ، في ظل التغيرات والتحولات العالمية التي أقبرت أحزاب اشتراكية عريقة في المنطقة العربية ….
وبالرجوع الى تجربة التناوب التوافقي التي قادها الراحل عبد الرحمان اليوسفي ، نتفهم ضعف تمثيلية اليسار من عدد المقاعد في البرلمان ، وهذا ليس استثناء مغربيا بل تجربة دولية ، ولنا من التجارب الدولية ما يؤكد هذه الأطروحة بوضوح ؛ فالانتقال من المعارضة إلى موقع المشاركة السياسية يؤثر سلبا على شعبية الحزب ؛ فالحزب الاشتراكي الاسباني الذي قاد مرحلة الانتقال الديموقراطي بنجاح ما بعد فرانكو ، تلقى ضربة قوية وموجعة بعد الاستحقاقات الانتخابية ، رغم ما قدمه لاسبانيا من انجازات كبرى ورغم ما حققه لاسبانيا من قفزة تنموية نوعية…ونفس الأمر ينطبق على الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي عرف هزيمة إنتخابية قاسية….
ولم يخرج حزب الاتحاد الاشتراكي عن هذا المنطق المجحف ، لكن بتحد فكري واصرار سياسي ، حافظ على ذاته وحضوره عدديا وسياسيا وفكريا في المشهد السياسي بشكل متميز….
الاتحاد الاشتراكي الذي اقتات المحافظون الدينيون من الفراغات التي تركها خلفه ومن حوله ، دون أن يقدروا على طرح أسئلته الجوهرية، ما زال مؤمنا بأن المستقبل قابل للتدارك ، ولذلك نراه يسعى لاستعادة المبادرة ، لأنه يعرف أن هذا قدره ، وأن استعادة توازن ميزان القوى في المجتمع واجبه الذي لا مفر منه….
منذ سنوات تراجع الاتحاد الاشتراكي كقوة انتخابية ، ليس لأنه لم ينجح في أن يستقطب اليه الناخبين والناخبات ، هو لم يعد انتخابيا لأن الزمن ككل لم يعد زمنه ، منذ ان صار الاسلاميون ( مع أكذوبة ” الربيع العربي ” الزبائن المفضلين لكراسي السلط والتمثيلية…
ويوم تراجع الاتحاد الاشتراكي كقوة إنتخابية لا كقوة سياسية وفكرية وتخلى عن الشارع ، تسلطن الاسلاميون والانتهازيون الذين لا لون سياسي ولا ايديولوجي لهم….الذين لا يهمهم المغرب ولا شباب المغرب…
وهنا كل الحكاية ومكمن الداء الذي يسعى الاتحاد الاشتراكي ، علاجه ، وليس أمامه من خيار اخر غير رفع راية النجاح في وجه الشامتين في حاضره والناقمين على ماضيه .
ازاء ما ألم ببعض مكونات الحقل الحزبي ببلادنا من وهن وتراخ في الاضطلاع بواجباتها الدستورية وركوبها للشعبوية كطريق سهل لربح الانتخابات ، وتغييبها للعروض السياسية ، واللجوء إلى تبادل السب والشتم فيما بينها … فان بلادنا امست في أمس الحاجة الى الاتحاد الاشتراكي ، حزب حداثي ، تقدمي ، قادر على تجسير الفجوة المتفاقمة بين الطبقة السياسية ، الحزبية المنكفئة ، والقوى الشعبية المتحفزة ، من جهة اولى ، وعلى تأمين التجاوب الفعال مع الحاجات الأساسية والترقبات المشروعة للشعب من جهة ثانية ، وعلى استشراف أفق جديد ، وابتكار مقاربات مستجدة ، ومناهج مستحدثة للتأطير السياسي للمجتمع ، وتعبئة قواه الحية ، لمواصلة مسيرة التغيير والتحديث والتنمية من جهة ثالثة .
ان الرهان اليوم واضح للغاية ، غير قادر على مداراة نفسه ؛ هذا الحزب محتاج لكل الاتحاديات والاتحاديين ؛ محتاج للقادرين على الدفاع عنه ، المستعدين لبنائه والصعود به ، المفتخرين بالانتساب إليه ، المصارحين بحقائقه كلها ، صعبها وسهلها ، حلوها ومرها ، لكن المنتمين له لا الى جهة أخرى
الاتحاد الاشتراكي قوة دفع تقدمية ، يسارية ، اجتماعية – ديموقراطية تروم إصلاح وتطوير الأوضاع والمساهمة في رسم خطوط المستقبل ، ومناط تحول في المجالات كافة ، السياسية والمؤسساتية والاجتماعية والثقافية ….
أن الاتحاد الاشتراكي الوفي لتاريخه الوطني ، المتشبع بهويته التقدمية ، المستند إلى جذوره الاجتماعية – الشعبية ، ليشكل في عالم اليوم قوة سياسية ، حداثية ، تنخرط بوعي ومسؤولية في المساهمة في صنع مستقبل البلاد ..
ان الاتحاد الاشتراكي أداة إصلاح وتغيير في الحاضر ومناط تطوير وتحديث في المستقبل ، وان قدراته السياسية والفكرية على التكيف والرؤية البعيدة ، ومؤهلاته النضالية والميدانية ، تجعل منه قوة فاعلة في حاضر البلاد ومستقبلها ، كما كان وقود نضال وتغيير في الماضي البعيد والقريب….
ان الاتحاد الاشتراكي كان دائما مالكا للأفق المستقبلي ومن ثم كان يستشرف المستقبل ويفعل في الأحداث وكان له بعد نظر يجعله يستبق هذه الأحداث ويقود معاركها .
وان بناء الأفق الاتحادي وتجديده مشروط بسيادة الوعي الجماعي ، وبسيادة الارادة الجماعية لدى الاتحاديات والاتحاديين ؛ وأن هذا الوعي الجماعي يجب أن يكون سائدا وفاعلا مستبقا للأحداث وليس مسايرا لها ويكتفي بالتعليق عليها ؛ ان الذكرى الستين التي فتحت هذا الأفق مناسبة تاريخية للاتحاديات والاتحاديين للعودة من أجل بناء فكر اتحادي جديد ؛ بناء ثقافة اتحادية جديدة وتأسيس أفق اتحادي جديد مبني على مشروع جديد …
لقد ترجم الا حتفاء بالذكرى الستين للاتحاد الاشتراكي ارادة سياسية قوية تروم العمل بعزم ومثابرة على اطلاق دينامية ثقافة جديدة ؛ تتجاوب ومتطلبات التحولات المجتمعية العميقة التي تغشى بلادنا اليوم . وترجمت هذه المحطة الجديدة ؛ محطة المصالحة والانفتاح حقيقة التفاعل الايجابي ، البناء بين التوجه النضالي الراسخ للحزب ، ومتطلبات النهوض بالواقع السياسي ، الاجتماعي الوطني .
ان مبادرة المصالحة والانفتاح تستلهم روح وقيم السجل النضالي للاتحاد الاشتراكي من جهة ،وتستشرف من جهة أخرى ، أفق التحول السياسي المنشود في مغرب الديموقراطية والتنمية واوالتقدم
ان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي نشأ وترعرع في حمأة النضال من أجل ترسيخ الديموقراطية ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، ونهج سبل التنمية الشاملة ، وتعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات ، ليشدد التأكيد من جديد على الارادة القوية التي تحذوه على تقوية جذور التواصل وتعزيز ديناميات التفاعل مع القوى الشعبية الحية بالبلاد ، التي يجمعها واياه ميثاق التلاحم المتين والنضال المستميت ، في سبيل الارتقاء بالبلاد الى أسمى درجات النهوض والتقدم ، في شروط الأمن والاستقرار والازدهار .
انها مسؤولية جسيمة ، ومهمة نبيلة ، تسائلان بقوة كافة الاتحاديات والاتحاديين للنهوض بهما ؛ من أجل كسب رهان التقدم والحداثة ، وتوفير حظوظ مستقبل زاهر للأجيال الصاعدة …
ان واجب الوفاء والامتثال للمبادئ السامية والقيم النبيلة التي أسست لميلاد ” الاتحاد الوطني / الاتحاد الاشتراكي ” ، وأطرت مساره السياسي ، ورسخت خطه النضالي في مختلف المراحل والمحطات ؛ ان يعود الاتحاديون والاتحاديات الى الاعتصام بحبل التالف والالتحام ، على قاعدة نفس المبادئ والقيم التي جعلت من حزبهم أنموذجا فذا في الوفاء والالتزام بقضايا الشعب والبلاد ، مهما كلفه من تضحيات و نكران الذات….دظ
ان الاتحاديات والاتحاديين عازمون اليوم ، اكثر من أي وقت مضى ، الانخراط في المعركة المصيرية ، معركة هزم قوى الفساد التي تتهدد المغاربة في امتلاك مصيرهم…وعازمون الوقوف في وجه الشاردين الذين لا يهمهم هذا الوطن ولا ابناء هذا الوطن ، كل ما يهمهم اشباع طموحاتهم الذاتية ومصالحهم الدنيئة ..
والاتحاديات والاتحاديون عازمون اليوم على التصدي لكل من يحاول جرهم الى حسابات سياسوية ضيقة أو حروب شعبوية، وعازمون على الوقوف في وجه كل النزوعات التي تروم إضعاف الاتحاد الاشتراكي ، وهي نزوعات أناس وأحزاب لم يسبق لهم ان ناضلوا من أجل الوطن ، لكنهم اليوم من اصحاب ” الزعامة الطارئة ” ، وهم الذين تخلفوا عن كل المعارك القاسية التي خاضها الشعب المغربي وخاضها الاتحاد الاشتراكي ….فأين كان هؤلاء زمن النضالات المفصلية …اين كانوا حين كان الاتحاديون يواجهون الات الخصوم والاعداء ؟! طبعا ، الجواب جاهز لا يحتاج إلى عناء بحث وتفكير ؛ انهم كانوا على هامش الوجود وخارج التاريخ….
الاتحاد الاشتراكي قاطرة اليسار المغربي ، ومن الخطأ الاعتقاد ان إضعافه يخدم الديموقراطية والتحديث ، وهذه إحدى الخلاصات التي لن تبرح ” متضخمو الأنا والزعامات ” ان يقروا بها على اعتبار أن خيارات التحديث والديموقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون حزب من وزنه …
ان الاتحاد الاشتراكي هو ملك لكل المغاربة وليس ملك نفسه ، وهو بذلك معني ، من وجهة نظر التاريخ ، ليس بمصيره الخاص فقط ، بل بمصير العائلة الديموقراطية كلها والعائلة التحديثية بشكل عام ، وعلى هذا الأساس ينظر إليه كرقم أساسي في أجندة البلاد ، وعلى هذا الأساس أطلق الكاتب الاول ذ ادريس لشكر نداء الوحدة الاتحادية …
لقد أثبت التاريخ فشل كل المحاولات ” أشخاص ومجموعات ” التي ارادت ان ” تقتل ” الاتحاد الاشتراكي
… و التي تخصصت في ( النضال ) من أجل إعلان ( نهاية الاتحاد الاشتراكي ) … و تجاهلت ، عن سبق إصرار وترصد ، الخصم والعدو الحقيقي للديموقراطية والحداثة …
مرت تحت الجسور سيول ، ولم يعد وفيا للفكرة الاتحادية الا الاتحاديات والاتحاديون الصادقون الأوفياء الذين ظلوا على الإيمان المبدئي الاول المبني على الانتماء للاتحاد الاشتراكي فعلا لا قولا….
ان الاتحاد الاشتراكي ليس بنية منغلقة ، ليس أجهزة يتربع عليها زعماء احترفوا السياسة ، ان الاتحاد الاشتراكي بيت مفتوح وحق مشاع لكل المغاربة المؤمنين بقيم الديموقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية…
تدخل الدولة في المجال الاجتماعي جوهر المشروع المجتمعي للاتحاداشتراكي
1_ انه حدث ، حدث بكل المقاييس الأكاديمية والفكرية والسياسية ، أن يحاضر قائد سياسي وفي هذا الظرف الاستثنائي ، في رحاب الجامعة وان يقنع حضورا استثنائيا ؛ انه حضور النخبة ، بل نخبة النخبة ؛ أساتذة جامعيون وطلبة باحثون وفاعلون سياسيون وفعاليات مجتمعية …
ولقد سجل الحضور المكثف والنوعي وسجل الرأي العام ، أن الأستاذ إدريس لشكر كان متميزا ، وكان متفوقا الى درجة أنه تفوق على نفسه …كان متميزا لأن الفضاء متميز ، ولأن المكان ليس ككل الأمكنة …هنا فضاء العلم والمعرفة ، فضاء المنهجية العقلانية والصرامة المنطقية …ليس فضاء للتهريج والشعبوية …ولقد شهد الجميع أن ذ إدريس لشكرا كان ناجحا وكان مقنعا ؛ مقنعا بسلطة المعرفة لا معرفة السلطة ….
الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول ، قدم في هذا اللقاءين معا ، في تطوان وفاس ، العرض السياسي للاتحاد الاشتراكي الذي يتوخى من خلاله تدبير المرحلة المقبلة . ببساطة لأن غياب عروض سياسية مغرية من شأنها جلب المواطن للمشاركة لابداء رأيه حول مستقبل البلاد ، ليس له من معنى سوى اعطاء هدايا مجانية للشعبويين والعدميين وأصحاب ” الركمجة ” الحقوقية واكسابهم أرضيات جماهيرية لا يستحقونها بالمرة .
ان مهمة استعادة المواطنين من أحضان الشعبوية والاعتراب السياسي والعزوف والكيانات المسمومة تبقى هي السبيل الوحيد والأوحد لاضفاء المعنى السياسي على الاستحقاقات المقبلة .
نريد ان تكون انتخابات بعروض سياسية واضحة وواقعية وقابلة للتطبيق وتهم الحاجيات الأساسية للمواطن ، وقد تابعنا في جامعة عبد المالك السعدي وفي جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ، العرض السياسي العقلاني والواقعي الذي قدم معالمه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ذ إدريس لشكر الذي لا ينتظر زمن الحملات الانتخابية لاطلاق وعود وهمية محاطة بسياج من الأكاذيب …
ان الشعبوية كما العدمية ، كلتاهما تمثل عجزا عن إنتاج بديل سياسي واقعي بأرقام واضحة وأجندة زمنية محددة ، وتعكس سياسة الهروب الى الأمام في وجه تقديم أجوبة للطلب المجتمعي ، فيأخذ الحل شكل اللجوء الى خطابات غارقة في التزييف من دون بدائل حقيقية للمجتمع والدولة .
المغاربة في حاجة إلى برامج واقعية واعدة وليس الى بوليميك فارغ يحاول تغطية الشمس بالغربال …
المغاربة محتاجون الى أجوبة مقنعة حول أمراض الصحة وأعطاب التعليم وشبح البطالة وهشاشة السكن ورداءة الأجور ولهيب الأسعار وغول الفساد ، وليس الى دغدغة عواطف المقهورين بخطاب قد يتلاعب بقلوبهم وعقولهم لكن لا يغير أحوالهم نحو الأفضل….
نسجل ان خطاب الأستاذ لشكر في المحاضرتين معا ، أبان عن مهنية عالية بعنوانين بارزين ؛ التحليل والموضوعية … خطاب متماسك ومتناغم تحكمه وحدة الفكر ووحدة الرؤية ….
خطاب مؤسس على ثوابت مبدئية وقناعات سياسية …
خطاب أصيل متأصل يجمع مكوناته ناظم مشترك هو المشروع الاتحادي ؛ الاشتراكي الديموقراطي الحداثي…
خطاب اساسه هو الارث الاتحادي النضالي وبوصلته هو التفكير الاتحادي المبدع والمستقبلي …
خطاب عقلاني ، بعيد عن حماس وانفعالات اللحظة ؛ خطاب عقلاني واعي وهادف يحاصر الشعبوية التي تروم السيطرة على الوجدان بخطاب عاطفي مغالطي والذي تأثيره مؤقت في الزمان والمكان …
خطاب متناسق منطقيا ، يشكل بنية ، فبالرغم من ان محاضرتي الكاتب الأول قاربت مواضيع وقضايا متعددة ومختلفة ، فانها موحدة من حيث الثوابت التي تحمي من الوقوع في التناقض …
الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي يتحدث ويفكر، يتحدث بهدوء وثقة ، مستلهما تاريخ الاتحاد الاشتراكي في المسار والصيرورة ومستحضرا التجربة الذاتية الضاربة جذورها في السبعينيات ….
2_ ان الاتحاد الاشتراكي يجد نفسه في الخيارات الاستراتيجية والمبادرات الاجتماعية والاصلاحات الهيكلية التي يبشر بها جلالة الملك ، ويحث عليها في كل مناسبة وحين ، بل وينكب على الاشراف على الكثير منها .
يقول الأستاذ إدريس لشكر : ان البرنامج الانتخابي للحزب يروم اقرار منظومة شاملة للحماية الاجتماعية وتفعيل نموذج تنموي واقتصادي جديد ، ويكرس البعد الديموقراطي والحداثي …وان ما جاء به جلالة الملك يعتبر ثورة إجتماعية كبرى وحقيقية غير مسبوقة ، فلم يرد في برنامج الحزب ولا في برامج اي حزب من الأحزاب مثل هذا السقف الزمني بالرغم من تواجدها الدائم كمطالب .
يقول الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ” بكل تجرد ، أؤكد ، انه اذا تمت العودة إلى جميع البرامج الانتخابية لكل الأحزاب السياسية بالمغرب ، بما فيها الحزب الذي أتشرف بالانتماء اليه ، لم يصل أي حزب في المغرب من خلال برنامجه الانتخابي الى طرح الحماية الاجتماعية بشكلها التام ، كما جاءت في الخطب الملكية والقرارات التوجيهية الملكية الأخيرة . وبالعودة الى أدبيات الحزب وبرامجه الانتخابية دائما كان الأفق الزمني لكي نكون في حماية إجتماعية كاملة يصطدم بقلة الموارد ومحدودية الميزانيات ، ونظل نتحدث فقط عن أجرأة ثابتة تتطلب عدة حقب وعدة مراحل …
اليوم بهذا القرار الملكي ، الكلفة تتجاوز 51 مليار سنويا ، وهنا من حق الجميع أن يتساءل هل سيكون هناك اصلاح حقيقي للمنظومة الجبائية ، خاصة وأن الحماية الاجتماعية رهينة بمساهمة وأداء كل واحد حسب استطاعته ، خاصة ما بعد الجائحة …
ان فيروس كورونا ، يؤكد الأستاذ إدريس لشكر ، عجلت بالتفكير في الحماية الاجتماعية ، ولم يكن أحد يطرح ضرورة الحماية الاجتماعية لكل المواطنين والمواطنات ؛ ففي الوقت الذي كانت بعض الهيئات السياسية تنادي بخوصصة القطاعات الاجتماعية في التعليم والصحة والتقليل من تدخل الدولة في هذه القطاعات ، برزت الجائحة وفرضت الرجوع الى الدولة والتدخل في المجال الاجتماعي ؛ ان هذا هو ما يشكل جوهر مشروع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ 1959 …
ان جلالة الملك عمل على اطلاق هذا المشروع الضخم المتعلق بالحماية الاجتماعية في الوقت الذي لم تستطع فيه بعض الدول المتقدمة انجازه ، وهو ما دفع بحزب الاتحاد الاشتراكي إلى الانخراط فيه بقوة لانجاحه لأنه جوهر الفكر الاشتراكي الديموقراطي الذي ينادي به الحزب ويناضل من أجله ، وما هذه المحاضرات التي يسهر الحزب على تنظيمها بالمؤسسات الجامعية والفضاءات العمومية الا دليلا واضحا على الرغبة الأكيدة للحزب في انجاح هذا المشروع الاجتماعي الكبير الذي أطلقه جلالة الملك …
يقول الأستاذ إدريس لشكر : ان المبادرة الي اتخذها جلالة الملك كانت مبادرة قوية ، لأنه الشخص الوحيد بالمغرب الذي تجتمع فيه مجموعة من الصفات لاتخاذ هذه القرارات ؛ فجلالته هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ، وهو أمير المؤمنين ، ورئيس الدولة ….هذه الصفات هي التي ساعدت المغرب على تجاوز الكارثة . ويقول الأستاذ إدريس لشكر مخاطبا الحضور : أنتم شهود على الوضعية التي كانت عليها شعوب أخرى أكثر تقدما منا في التعامل مع هذه الجائزة …
وكنتم شهودا على القرارات التي اتخذت في اللحظة والحين ، وبالتالي اجتمعت هذه الظروف والصفات لنجعل جلالة الملك يستعمل كل الصلاحيات الممنوحة له دستوريا ؛ سواء على مستوى إمارة المؤمنين أو رئاسة الدولة أو القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية ؛ لأنه من كان سيضمن عدم تحول المساجد الى بؤر لو لم تكن إمارة المؤمنين ؛ من كان سيضمن ان الضعف الذي عرفه قطاع الصحة سيتلقى الدعم والمساندة من طرف القوات المسلحة الملكية …فضلا عن المبادرات القوية التي اتخذها جلالة الملك بانشائه الصندوق الخاص بتدبير جائحة كورونا لتغطية النفقات الطبية ودعم القدرة الشرائية للأسر ومساعدة القطاعات الاقتصادية المتضررة …في هذه الظرفية أبانت الإدارة العمومية بكل مكوناتها عن قدرتها في التأقلم والإبداع والتفاني ونكران الذات في أداء مهامها ، على الرغم من الصورة النمطية السلبية التي ألصقت بها قسرا ، حيث كشفت الجائحة عن أهمية القطاع العمومي وفعاليته ، بل وحيوية الأدوار التي يقوم بها والتي يستحيل على القطاع الخاص القيام بها …
ويقول الأستاذ إدريس لشكر مذكرا ومؤكدا : ان الخطة التي انخرط فيها الجميع منذ اليوم الأول للجائحة ، لم تكن لتنجح لولا التدخل المسؤول للدولة وثقة المواطن في المؤسسات الوطنية ، رغم أن اقتصاد المغرب على غرار كل اقتصاديات العالم تأثر بالجائزة ، من توقف وشلل مئات الآلاف من المقاولات بمختلف أصنافها ؛ الفلاحية والصناعية والخدماتية …وركود اقتصادي سيفقد المغرب على الأقل سنتين أو ثلاث سنوات من النمو ….
3_قد ظل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ينهل من الفكر الاشتراكي الديموقراطي معتبرا اياه بديلا حقيقيا عن الليبرالية المتوحشة التي تتبنى القضاء على أي تدخل للدولة …
” …وعلى هذا الأساس وانسجاما مع مبادئ الاشتراكية الديموقراطية ، تتعلق المحددات الكبرى المؤطرة للنموذج الانتخابي الاتحادي البديل والناجع بالجاذبية الاستثمارية والعدالة الترابية والتضامن الاجتماعي..”
يومن الاتحاد الاشتراكي بأن الاشتراكية الديموقراطية هي البديل الضروري لمعالجة الاختلالات الاجتماعية ، وإحدى مداخل الحداثة واستدراك التأخر التاريخي ، فالاشتراكية ترتبط بالفضاء العقلي للحداثة ، ومن هنا ، امن الاتحاد الاشتراكي ، بضرورة تحيين الاشتراكية كمثال بفك ارتباطها بنماذج معينة وبالحفاظ على الشحنة الفكرية التي قامت عليها ، أي التشبث بالارضية الحداثية الثقافية للاشتراكية وخلفياتها الفلسفيةالانوانوارية….
يقول الأستاذ إدريس لشكر : ان الاتحاد الاشتراكي هو الحزب المغربي الوحيد الذي تمكنه مرجعيته الإشتراكية والاجتماعية من التواجد داخل الأممية الإشتراكية ثم التحالف الدولي الاجتماعي ..
يقول الأستاذ إدريس لشكر : “منظورنا لدور الدولة التي لا نريدها وفق مبادئنا الاشتراكية وموقفنا المعارض لفكرة تحطيم الدولة ، ان تكون ” جهازا حارسا ” يسمح للصراع الاجتماعي واقتصاد السوق بالتحكم في مصير البلاد . فالدولة التي نريد غير محايدة تقوم بدور تحفيزي واجتماعي لصالح الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا في المجتمع من خلال توفير شروط العيش الكريم والحماية الاجتماعية العادلة والمنصفة . اننا مع الدولة الداعمة للتخفيف من حدة اثار العولمة في انتاج المزيد من الفقر والهشاشة في ظل غياب تنافسية الاقتصاد الوطني القادرة على تحقيق التوازن الاجتماعي .”
يقول الأستاذ إدريس لشكر : ان عددا من شعارات الحزب , خاصة في المجال الاجتماعي ، تتحقق ويتبناها الجميع ، في الوقت الذي كان فيه الاتجاه الليبرالي هو السائد ، واليوم ، الجميع شعر بالحاجة للدولة الاجتماعية الراعية والقائدة لمشاريع التنمية …ونذكر في هذا السياق بدور الصحة العمومية والتعليم العمومي في زمن الجائحة ، ولاحظنا ارتباك القطاع الخاص الذي أبان عن عجز وتهافت كبير…
إدريس لشكر يحاضر في مفهوم الدولة
عقد اجتماعي جديد أكثر عدالة
1_ التصالح مع الدولة
ان الحاجة إلى تأسيس الدولة والتدبير السياسي للدولة فرضته ضرورة إيجاد حلول للمشاكل التي تطرحها الطبيعة أمام الانسان . هذا الأخير مطالب ببناء الدولة للحفاظ على انسانيته ، لأنه بفعل الثقافة ( القوانين والدساتير والمؤسسات ) ، يستطيع ان يعوض ما لم تمنحه الطبيعة اياه ؛ فالسلوك والعلاقات الإنسانية هي نتائج اختبارات سياسية واعية .
ان الدولة مؤسسة سياسية أساسية للفرد والمجتمع ، فغاية وجودها هو الحفاظ على إنسانية الإنسان وتهذيب قدراته وامكاناته الطبيعية ، وتنظيم حياته الاجتماعية . فضلا عن الحفاظ على وحدة المجتمع وتوازنه بما يخدم مصالحها العامة . والدولة القادرة على الإستمرارية هي الدولة الشرعية التي تحاول إقرار الحق والمبنية على تعاقد اجتماعي ، ينظم الممارسة السياسية…
تعيد الأزمات الكبرى الدولة إلى عصرها الذهبي ، الى تلك الحالة التي تشكل حدا فاصلا بين حالة الطبيعة وحالة الثقافة ، وفي حالات الأوبئة ، حيث يسود منطق الغريزة ، يجد المواطنون حصن نظامهم وانتظامهم المنيع ، انهم يعودون للحالات الأولى للتعاقد ، تلك النظريات التي ارساها جون جاك روسو وغيره من فلاسفة الأنوار ، وحيث ذلك المنطق الحاسم ، اما الدولة أو الخراب …
ف” هوبس ” يرى أن الغاية من انشاء الدولة كمجتمع سياسي هي ضمان السلم المدني ومنع الحرب الدائمة بين الأفراد ، فالدولة ما هي إلا نتاج لميثاق تعاقدي بين البشر ، انتقلوا بموجبه من حالة الطبيعة ( حرب الكل ضد الكل ) الى حال المدنية ، وذلك من خلال تنازل كل فرد بمحض ارادته عن جزء من حريته الخاصة أو سلطته أو قوته لصالح رجل واحد أو مجلس واحد ، يخضع له كل أفراد المجتمع ، تضمن الأمن والسلم الاجتماعيين …ويرى اسبينوزا بأن الغاية من تأسيس الدولة هي تحقيق الحرية وتمكين كل مواطن من الحفاظ على حقه الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا ، دون الحاق الضرر بالغير ، وبالتالي فهذه الحرية التي يشير إليها ” باروخ ” هي حرية أخلاقية ، لا تتعارض مع العقل ، بحيث تبتعد عن الحاق الضرر بالاخرين ، كما تحرر الانسان من العنف والخوف …
وتتأسس مشروعية الدولة ، عند جون لوك ، على ضرورة حماية أمن الناس وسلامتهم وممتلكاتهم ( الحياة ، الحرية ، سلامة البدن ، الأرض ، النقود ، المنقولات …) ، وذلك انطلاقا من قوانين مفروضة بشكل متساو على الجميع ، وأي شخص يحاول انتهاك هذه القوانين ، يعاقب بتجريده من بعض او كل تلك الخيرات التي كان من المفروض أن يتمتع بها في ظل الحكم المدني …
ما نعيشه اليوم ، هو تلك العودة الوجدانية والفلسفية الى أصل نشوء الدولة كتعاقد اجتماعي ، الى وظائفها الكلاسيكية : الحفاظ على الحياة ، حفظ الصحة ، حماية الأمن ، توفير الغذاء …
عبر العالم صارت الدولة الفاعل السياسي الوحيد ، وتراجع فاعلو الظروف العادية الى الخلف . تبدو الدولة ، والحالة هذه مثل أم تخاف على أبنائها ؛ تنصحهم تارة ، وتوجههم تارة أخرى ، وحين لا ينضبطون للقرارات التي فيها مصلحتهم ومصلحة الجماعة ، تلجأ الى العنف المشروع ، الذي يتقبله الجميع كعنف مستحق …
ولا يقاوم المواطنون قرارات الدولة في مثل هذه الظروف ، بل يتعبؤون للدفاع عنها والترويج لها ، وأيضا مواجهة من يتمردون عليها …
وبعد ان كان الأفراد يتبرمون من الأساليب القهرية للدولة ويميلون غريزيا نحو التمرد عليها ، من منطلق غريزة الخوف ، برضى تام ، بل ان منهم من يطالب بالمزيد ، وتطبيق العقوبات الأكثر تشددا في حق من يرفضون الامتثال لأوامر السلطة القهرية الأكثر تقديرا وتحية هذه الأيام . فما يميز الدولة الحديثة _ في نظر ماكس فيبر – هو تلك العلاقة الوطيدة التي تقيمها مع العنف ، فهي وحدها التي تحتكر حق ممارسة العنف المشروع الذي لا يتنافى مع كونها تجمعا سياسيا وعقلانيا وقانونيا ، والذي به يتم ضمان الأمن والاستقرار الجماعيين وباقي الحقوق الأخرى . ان الترجمة الفعلية لمفهوم الحق على مستوى الدولة تتجلى في اضفاء الشرعية على ممارسة أي وسيلة عنف داخل ترابها ، ” يجب ان نتصور الدولة المعاصرة كتجمع بشري ، يطالب في حدود مجال ترابي معين بحقه في احتكار استخدام العنف المادي المشروع وذلك لفائدته ” . وقبل ماكس فيبر ، اعتبر كانط ان عنف الدولة ، كيف ما كانت درجته ، هو عنف مشروع ولا يجوز مواجهته بعنف غير مشروع ، لأن ذلك بدون معنى ونتائجه وخيمة . ويستند موقف كانط الى تصور معين للقانون ينظم العلاقات بين الحاكم والمحكومين ، وهو تصور يستبعد نهائيا ” كل قانون مزعوم لخرق القانون ” ويعتبره بدون معنى .
وها هو ” الجهاز القمعي ” للدولة ينزل الى الشوارع لارغام الناس على البقاء في بيوتهم ، الكل يصفق للاجراء المتشدد ، لا أحد يحتج او يشهر دفوعاته الشكلية ، لقد حولت غريزة المنازل الى ” سجون طوعية ” ، وصار ” الجهاز القمعي ” حارس الحياة والامن الفردي والجماعي . من كان يتصور أن يأتي يوم يصير فيه الاجبار على الحد من حرية التنقل خدمة عمومية يطلبها المجتمع ؟
ولم يسبق للدولة ان كانت مطاعة مثلما عليه اليوم ، بل ان انقلابا حادا وقع فيه الوجدان العام حيالها ، قبل عشر سنوات وبعدها بقليل ، كانت الدولة الأكثر إثارة لمشاعر الغضب منها والاحتجاج عليها ، لكنها اليوم تحوز كل الحب والتقدير المتاحين . ان الخوف وغريزة البقاء ، يعيدان صياغة الموقف من أساليبها القهرية ، وبعد أن كانت قساوتها مدانة ، صارت اليوم موضوعات شعبية متزايدة …
2_ تأسيس الدولة وتطورها
يقول الأستاذ إدريس لشكر : “ان مقومات الدولة الحديثة بالمغرب ، بدأت تتشكل مع استقلال المغرب ، حيث تعاقبت الحكومات ، وكان الهدف الأول هو التفاوض مع المستعمر وتحويل الإدارة الإستعمارية الى إدارة وطنية ، إلى غاية 1959 مع حكومة عبد الله ابراهيم ، التي يمكن اعتبارها هي المؤسسة للدولة المغربية ، والدولة الراعية ؛ حيث تم اعتماد العملة المغربية واستقلالية البنك المركزي ، فجيل الستينيات من القرن الماضي لا يزال يتذكر مساواة وتوحيد أبناء المغاربة في التعويضات العائلية ، وفتح عدد من المدارس التي مكنت أبناء المغرب من التعليم العمومي ، لكن ، للأسف ، هذه المشاريع الوطنية المتقدمة أجهضت كلها ، وتوقفت في منتصف السيتينيات ؛ وسيعيش المغرب سياسة التقويم الهيكلي ، ونعيش الأوضاع الصعبة ، ليصل المغرب الى حكومة التناوب ؛ هذه الأخيرة ستحقق الشيء الكثير في مجال الحماية الاجتماعية ؛ خاصة فيما يتعلق بالتغطية الصحية ، وتوسيع التقاعد ، وتوسيع الضمان الاجتماعي ….
أن مفهوم الدولة الحديثة التي ظهرت في القرنين 15 و 16 نتيجة صراعات فكرية واجتماعية عرفتها أوربا ، على أنماط حكم كانت سائدة من قبيل الاقطاع والبوروازية ، لتظهر بعدها الدولة _ المدينة في ايطاليا وفرنسا وألمانيا ثم بعد ذلك الدولة _ الأمة ، التي ساهمت في انفصال الدولة عن الكنيسة لتحل محلها الدولة المدنية ، من خلال تطور الفكر السياسي من ماكيافيلي وجان بودان الى لوك ومونتسكيو وروسو ….وظهور نظرية العقد الاجتماعي ، التي ستفرز لاحقا الدولة الراعية التي تقوم على مبادئ تكافؤ الفرص ، والتوزيع العادل للثروة ، والمسؤولية العامة تجاه من هم غير قادرين على ضمان الحد الأدنى للعيش الكريم …
في تسعينيات القرن الماضي _ يقول الأستاذ إدريس لشكر _ تعرض المشروع الاشتراكي لهجمة قوية من طرف الرأسمالية ، وسادت أطروحة قليل من السلطة للدولة وكثير من السلط لقوى السوق .
ولمواجهة المد العارم لليبرالية المتوحشة تمت صياغة ما اصطلح عليه بالطريق الثالث في عهد الحزب العمالي البريطاني ، الذي لخصه زعيمه آنذاك في مقولته الشهيرة ” ليس هناك سياسة يمينية ولا سياسة يسارية بل هناك سياسة جيدة وسياسة سيئة ” ، حيث توصي هذه المقاربة بحماية إجتماعية تحكمها البراغماتية والتحالف مع قوى السوق ، وفي هذه الظروف يمكن فهم السياسات ، التي طبقتها حكومة التناوب ، حيث ان المنجزات التي حققتها لم تكن مؤسسة دستوريا ولا مؤسسة قانونا حتى جاء الحراك ثم دستور 2011 ، الذي أورد مصطلح الاجتماعية على الملكية ، فلم تبق ملكية دستورية برلمانية ، حيث زادتها ملكية دستورية برلمانية إجتماعية ، في مادته 31 ، الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية تتقاسم أعباء الحماية الاجتماعية بينها ، كذلك نجد أن المادة 33 تربط الحديث بين الشباب والحماية الاجتماعية ، والمادة 35 نجدها تتحدث عن كون الملكية ليست حقا مطلقا ، وهو كذلك مدخل للحماية الاجتماعية ، والمادة 42 نجدها تؤكد أن الملك هو الساهر على حقوق وواجبات المواطنات والمواطنين ، وهذه الحقوق تندرج في سياق الحقوق الاجتماعية ، وبالتالي فإن دستور 2011 يشدد على الحقوق الاجتماعية في عدد من المواد الواردة فيه .
3_حكومة التناوب والتأسيس لدولة الحق والقانون
لقد عمل الاتحاد الاشتراكي على تأصيل المفاهيم وزرعها بذكاء في أرض المغرب ، فعندما يتحدث ،مثلا ، عن دولة الحق والقانون ، فهو يعني بأن هذا المفهوم ليس شعارا يرفع او كلاما للاستهلاك ، بل هو ممارسة وسلوك ، لذلك ناضل الاتحاد الاشتراكي وعمل على نقل هذا المفهوم من مستوى التنظير الى مستوى الفعل ، فمع أواخر حكومة التناوب ، قدم الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي حصيلة العمل الحكومي للمرحلة التي قاد فيها الوزارة الأولى ، ويكفي أن نلقي نظرة موجزة عن المحاور الستة لحصيلته لنتأكد من صدق النظرية والتطبيق وتكاملهما في الخطاب الاتحادي ؛
– ترسيخ حقوق الإنسان وتخليق الحياة العامة ؛
– إصلاح النظام التربوي وتكافؤ الفرص امام التربية والتكوين ؛
-التنمية والاستثمار وانعاش الشغل ؛
– التنمية الاجتماعية والتضامن ؛
– عقلنة تدبير الشأن العام ؛
– تنشيط العمل الديبلوماسي ؛
انها محاور تدل بوضوح على أن الهاجس الأساسي يتمثل في إرساء دعائم دولة الحق والقانون ، وإدخال قواعد جديدة في مجال تسيير الشأن العام ، سواء على المستوى الداخلي او الخارجي .
لقد انطلقت حكومة التناوب من أولويات عامة كانت توجه عملها ؛ انجاح الانتقال الديموقراطي ، انجاح انتقال للغرش ، اعادة هيكلة مؤسسات تسيير الشان العام ،احداث قطيعة مع التجارب السلبية السابقة ، القضاء على الموروثات السلبية …لنلاحظ ان الامر لا يتعلق ببرامج محددة او قصيرة المدى ، ولكن ببرنامج شامل يغلب عليه الطابع السياسي .
لقد كان واضحا منذ البداية ان مهمة حكومة التناوب لم تكن تتعلق بالملفات الصغرى ، ولكن اساسا بوضع البلاد في سكة جديدة .
ان الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي ، هنا ، كان يدشن للعمل التنموي من خلال المدخل السياسي ، المعتمد على إيلاء مكانة خاصة لدولة الحق والقانون وللانسان باعتباره المحور الأساس لكل إصلاح اجتماعي او اقتصادي او سياسي . وهكذا تم فتح ورش متعددالجوانب في مجال الحريات العامة والفردية واصلاح العدل ، والعلاقة بين الإدارة والمواطن ، وتمجيد القضاء من خلال تنفيذ الأحكام وفرض احترامها من الفرد والدولة على السواء ، وفي مجال النهوض بشؤون المرأة ، وحماية حقوق الطفل ، والحد من الفوارق الاجتماعية ومحاربة الفقر ، وفي مجال تخليق الحياة العامة ، ومحاربة الفساد و الرشوة .
وهكذا يتبين وبالملموس ، ان الاتحاد الاشتراكي ، عندما يرفع شعارا او ينتج مفهوما او يطرح برنامجا سياسيا ، فليس بغرض التغليط والتمويه ، الضجيج والبهرجة ، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته ….
ان مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول ….من هنا كانت هذه المفاهيم ، وفي كل مرة ، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود ، الاجترار والرتابة …
4_ وجه جديد للمغرب والمغاربة أخذ في التشكل
يقول الأستاذ إدريس لشكر في الأرضية التوجيهية ” ان الخطة الوطنية المتعددة الأبعاد والتي انخرط فيها الجميع منذ اليوم الأول لم تكن لتتحقق على أرض الواقع لولا التدخل المسؤول للدولة وثقة المواطن في المؤسسات الوطنية ، انه التناغم بين الدولة بمختلف مؤسساتها وسلطتها التنفيذية والتشريعية والقضائية التي تحمي حياة ومصالح مواطنيها ، والمجتمع الذي يلتزم بقرارات واجراءات مؤسساته .
يجب الحفاظ على هذه اللحمة وحمايتها من اي تشويش لأننا أمام فرصة تاريخية قل ما تتاح للأمم ، فرصة إعادة البناء على أسس سليمة ، فرصة ترسيخ المكتسبات وتقوية الخصوصية المغربية . فنحن أمة واحدة متعددة الروافد ….ما نحتاجه اليوم هو كتلة وطنية بيمينها ووسطها ويسارها ؛ كتلة وطنية بقيادة جلالة الملك ، كتلة وطنية تنخرط بوعي ومسؤولية ، تنخرط موحدة لمواجهة هذه الجائحة التي تهدد الوطن والمواطن …
فما حدث بالمغرب هو استجماع الوعي السياسي سواء من طرف جميع النخب ، الثقافية والسياسية والاجتماعية . بدأ الوعي الجماعي يتشكل والتواصل بين مختلف أشكال الوعي ، وهذا ستكون له انعكاسات إيجابية على التجربة التاريخية المقبلة على مستوى التعاون السياسي ، والتعاون بين النخب ، والتعاون الثقافي والعلمي لأن صداه التاريخي سيكون ايجابيا فالخطر يوحد ويبلسم الجراح .
الصراعات السياسية تترك اثارا وجروحا وتجعل الأحقاد السياسية والاجتماعية تتراكم ، وهذا طبيعي حين يحدث في فترات السلم العام ، لكن في لحظات الخطر والتهديد ، الجميع يلين مطالبه واحتجاجاته وتقييماته السلبية .
المغرب اليوم أظهر ، وفي لحظات سابقة ، أنه يمكن في لحظات معينة ، أن يتلاءم فيه الوعي الاجتماعي والسياسي لتقديم المصلحة الجماعية على المصالح الفردية .
يمكن القول ان مفعول الحدث الصادم سيكون مبلسما للوعي التاريخي المغربي نحو مزيد من التفاعل ، ونحو مزيد من عقد اجتماعي أكثر عدالة وأكثر تسامحا وانفتاحا .
انه أول امتحان حقيقي يمر منه المغرب في العهدالحالي . هناك هبة حقيقية اذا تم استغلالها على الوجه الأصح فيمكن أن تعيد الثقة للمغاربة ، لأن هذا الإجماع على انقاذ المغاربة والمغرب قد يكون ، في حال الاستفادة منه ، بداية اقلاع حقيقي نحو البناء . فما كان ينقص حتى الان هو هذا الانخراط في المسؤولية الجماعية . كيف يمكن تحويل كل هذا الى مشروع مجتمعي ؟ بما أننا في زمن الجائحة يمكن التفكير مليا في ما يمكن ان نمنحه لهذا البلد…
ان المغرب اليوم في محك حقيقي ، أثبتنا فيه بالفعل أننا دولة قوية تحترم المؤسسات سواء في صيغتها الدستورية أو القانونية ، وأن عملية تنزيل وتطبيق الحجر الصحي كانت نموذجا واضحا في الثقة ، ودليلا على أن هناك تجاوبا مطلقا ما بين ” المؤسسات ومكونات المجتمع المغربي …
يقول الأستاذ إدريس لشكر في الأرضية التوجيهية ” كاشتراكيين ديموقراطيين ، جعلنا شعار مشروع النموذج التنموي الجديد لحزبنا الذي أعلننا عنه بعد مشاورات ومداولات داخلية في ندوة دولية في أبريل 2018 : ” دولة قوية عادلة ومجتمع حداثي متضامن ” . واليوم وبلادنا على المحك ، يعي الجميع معنى الدولة القوية العادلة : دولة ذات مصداقية تحرص على تحمل مسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها ومهامها كيفما كانت كانت الظروف . ويعي الجميع معنى المجتمع الحداثي المتضامن : فئات مجتمعية متضامنة فيما بينها بغض النظر عن انتمائها الطبقي او الفئوي او الجغرافي أو النوعي .”
ويقول الأستاذ إدريس لشكر في ذات الأرضية ” فمع البدايات الأولى لانتشار جائحة ” كورونا ” ، جسدت الدولة المغربية بقيادة جلالة الملك طابعها الاجتماعي أكثر من أي وقت مضى ، وبشكل جعل بلادنا مضرب الأمثال في مختلف أقطار العالم .
لقد كان للمبادرات الملكية عظيم الأثر في تجنيب بلادنا مأس غير محسوبة العواقب . فقد تفاعلت الدولة المغربية مع تقارير المنظمات الدولية ( منظمة الصحة العالمية ، صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة الأمم المتحدة ) بكل عقلانية ورصانة ، فتوالت المبادرات الملكية بقيام جلالة الملك باستعمال كل ما منحه الدستور من صلاحيات ، سواء على مستوى إمارة المؤمنين ، أو رئاسة الدولة ، او القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية ، لاطلاق المبادرات اللازمة للحد من انتشار الفيروس ، الشيء الذي سهل انخراط كل مكونات المجتمع لمكافحة هذا الداء والحد من تبعاته ، كل من موقعه .
لقد اختارت الدولة المغربية الانسان على أي شيء آخر .
ولنا ان نفخر بقرار انشاء ” الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد _19 ” لتغطية النفقات الطبية ، وتاهيل الاليات والوسائل الصحية ، ودعم القدرة الشرائية للأسر ، ومساعدة القطاعات الاقتصادية المتضررة والحفاظ على مناصب الشغل . صندوق فاقت مداخيله كل التوقعات ، حيث تجاوزت 33 مليار درهم ( 3 في المائة من النتاج الداخلي الاجمالي ) ، بفعل الحس الراقي المتضامن الذي ابانت عنه كل مكونات الشعب المغربي ، كما أحدثت ” لجنة اليقظة الاقتصادية ” لمواكبة انعكاسات الوباء والمبادرة بالاجراءات اللازمة لمعالجتها .”
من بين حسنات فيروس ” كورونا ” أنه اعادت للمغاربة الثقة في الدولة ، فالمغاربة تأكدوا أن هناك دولة تحميهم ، بعدما لاحظوا أن المغرب نجح الى حد كبير في تدبير الأزمة ، كما لاحظوا أن الملك محمد السادس اتخذ قرارات هامة تهدف إلى حماية من فقدوا وظيفتهم ، قرارات ستحمي الشركات التي قد يتعرض بعضها للافلاس بعد الشلل الاقتصادي الذي أصاب عددا من دول العالم ، ومن المؤكد انه أصاب الاقتصاد المغربي أيضا .
المغاربة فهموا أيضا بعد أزمة ” كورونا ” الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات ، ولو بامكانياتها البسيطة ، وأن دور الدولة ليس هو فقط تحصيل الضرائب من جيوب المواطن البسيط والفقير ، ولكن أن تقف الى جانبه أيضا في وقت الأزمات .
المغاربة عرفوا أيضا الأدوار التي يقوم بها الأمن في التوعية والتحسيس وحماية حياة المواطنين ، كما عرفوا أن المغرب يمكنه أن يكون مستقلا عن الدول الأوروبية في تدبير شؤونه الخاصة ، وفي حماية مواطنيه وأنظمته على حد سواء ، فلا مجال لأي جهة خارجية اليوم ان تزايد علينا . صحيح ان وسائل المغاربة وامكانياتهم بسيطة ، لكن الدولة بمؤسساتها وشعبها نجحت في كل الأحوال في تدبير الأزمة ، بقدر المستطاع.
اليوم الدولة أظهرت دورها كدولة رعاية وكمؤسسة تمثل وعي وضمير ومسؤولية المجتمع ، وهي في موقع القيادة ولهذا ظهر وجهها الاخر….
وهنا لا يمكن ان ننسى المجتمع الذي برزت فيه مظاهر جديدة من التضامن والقيم التي كانت تتضاءل من قبل . لقد اكتشف المغاربة الجانب الايجابي في بعضهم البعض ، من خلال العديد من تمظهرات قيم التضامن على كافة المستويات.
اليوم برزت قيم التضامن بسخاء ، وهذا شيء جميل تذكر به لحظات ، هذه طبيعة التاريخ ، كثيرا ما يقلب ظهر المجن ، ويظهر لنا وجوها مختلفة حسب الظروف .

اليوم هناك استجابة المجتمع والدولة والأفراد ، وهنا وجه جديد للمغرب وللمغاربة أخذ في التشكل وان كانت كل التحولات تتم ببطء وتتشكل تدريجيا ، أعتقد أن هذه المسألة ستغني الوعي التاريخي المغربي ، وستجعل المغربي يفصل ويميز بين أبعاد الصراع وأبعاد التضامن ، يمكن أن نسميها ” الأبعاد الإيجابية ” .
اليوم التاريخ يتيح ازدهار وتنامي وتطور هذه الأبعاد الإيجابية الكامنة في عمق الكائن البشري .

وهنا نذكر بما جاء في المذكرة التي قدمها الاتحاد الاشتراكي للجنة النموذج التنموي الجديد ، والتي كانت بعنوان ” دولة قوية عادلة ومجتمع حداثي متضامن ” ؛ “ولعل أهم استخلاص يمكن الوقوف عنده يرتبط بالرؤى والاليات العامة المعتمدة في تفعيل المشروع التنموي على أوسع نطاق ، وخاصة على مستوى تحديد مهام وإدوار الدولة في المسار التنموي الشامل . وهنا ، لا بد من الاشارة الى منظورنا لدور الدولة التي لا نريدها وفق مبادئنا الاشتراكية المعارض لفكرة تحطيم الدولة ، ان تكون ” جهازا حارسا ” يسمح للصراع الاجتماعي واقتصاد السوق بالتحكم في مصير البلاد . فالدولة التي نريد غير محايدة تقوم بدور تحفيزي واجتماعي لصالح الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا في المجتمع من خلال توفير شروط العيش الكريم والحماية الاجتماعية العادلة والمنصفة . اننا مع الدولة الداعمة للتخفيف من حدة اثار العولمة في انتاج المزيد من الفقر والهشاشة في ظل غياب تنافسية الاقتصاد الوطني القادرة على تحقيق التوازن الاجتماعي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *