موسم الهجرة إلى الشمال المغربي المحتل

منعم وحتي

إن المشاهد اليومية المُؤلمة، لابتلاع البحر لمئات مُضْطَهَدِي الضفة الجنوبية من حوض البحر الأبيض المُتوسط، والذين يتشكلون في الغالب من النساء و الشباب، خصوصا مع سُعَار حكومات شمال الحوض وتهديدها المتكرر بقصف مواقع انطلاق الهجرة، تٌحِيلُنا إلى الدراسة التاريخية لمرحلة زاهية من رخاء التبادل بين أطراف حوض المتوسط، فترة تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، إبان حُكْمِ الفينيقيين لموانئ المتوسط.

فَلْيَعْلَم الكولونياليون الجُدُد لأوربا والإسبان خصوصا، أن الفينيقيين بنوا حضارة بالحوض المتوسط، بفتح علاقات تبادُل مُتكافئة مع سكان الموانئ ومُدُنها، على قاعدة الوُدِّ والربح المتبادل، ما مَكّنهم من تشييد حضارة تجارية، سهلت مُرور البضائع وتقاليد المَدنية لِمُدُنِ المُتوسط، فكانت الزيوت والنبيذ والحبوب والعسل والتوابل والحِلِيِّ والنسيج المزركش،…. تَجٌول بِحٌرية بين المٌدنِ، كانوا رائدي الجُغرافية والملاحة والزخرفة بامتياز، بل لقد أعطوا الاستقلالية لدُويلات الحوض لتُدبر أمورها، بدون خلق دولة مركزية ضاغطة، حيث كان التسيير محليا، ولم يَنْزَعٌوا إلى الغريزة الاستعمارية، مما أعطى غِناً وتنوعاً حضاريا للفترة الفينيقية، حيث كان السكان المحليون طرفا مهما في العملية التجارية، إلى درجة أن الديانة المعتمدة كانت بنفس درجة التنوع الحضاري، فقد اعتنقوا ديانة ثلاثية مبنية على المرأة، الشاب والعجوز، اختلاطا بين القوة، الخصب والحِكْمَة، فلماذا تَلْفَظ أوروبا شبابنا ونساءنا، ولماذا تصر إسبانيا وأوروبا عموما، على اعتبار دول الجنوب والمغرب بالضبط دركيا فقط لحماية حدود وأمن الإيبيريين.

فَما بال حُكام شمال الضفة ينتهجون سياسة استعمارية جديدة، أمام شباب ونساء مُحْبَطين، يَئِسوا من فساد واستبداد وبطالة دُوَلهم، بل يحاولون الفرار من لعنة الحروب المُدبرة من طرف تجار سلاح الشمال بإفريقيا، فلا حبوب ولا زيوت، فهم يشعلون النار حماية لمصالحهم حول آبار البترول.. فتعازينا طرابلس كُنتِ منارة الفينيقيين، حضارة وتجارة، صِرْتِ خرابا مُدبرا بين أنياب الناتو وهمجية وعصبية الداخل، فكيف لا يصير بطن الحوت ملاذا آمنا والموت وراءنا.

لقد وصل حجم تأثير الفينيقيين، إلى أن الحروف الأبجدية السَّهْلَة التي يَسَّرَتْ علاقاتهم مع الشعوب، كانت المصدر الأساس لكتابة اللغات : اللاتينية، اليونانية والعربية. أما ساسة أوروبا فاختاروا مَسْلك قَصْفنا، استغلالنا واستعمارنا في إطار شعاراتهم البراقة حول العلاقات شمال ـ جنوب، أليس التبادُلُ المتكافئ والتنمية الحقيقية واحترام الجوار وإنهاء احتلال مدننا وجزرنا مَدخلا للحل. وحتى نبقى في إطار تقييم الذات أيضا، فليعلم حُكَّام دول الهامش بالبحر الأبيض المُتوسط، أن الإحصائيات تؤكد أن نسبة متدنية جدا من مُحاولات الهجرة للشمال، سُجِّلت إبان اندلاع الانتفاضات الإقليمية، لأن الشعوب أحست بإمكانية التغيير من الداخل، فتشبت الشباب والنساء بالبقاء في بلدانهم للمُساهمة في الحراك العام من أجل الديمقراطية، لكن بعد مُؤامرات الداخل والخارج، أكيد أن جو الإحباط العام بعد تمركز سلطة الاستبداد في نفس الأيدي بحوض المتوسط، وإجهاض البناء الديمقراطي، والحروب الطاحنة، سيؤدي ذلك لا محالة إلى ارتفاع مُهول لموجات الهروب إلى شمال الحوض. ورغم ذلك فحُكام الضفتين في انسجام تام لاغتيال أي هُبوب لرياح الديمقراطية، قد يُضِيعٌ مصالحهم.

فيما يخص الأزمة الأخيرة بمدينة سبتة المحتلة، فليعلم القاصي والداني، أن المدينة تراب مغربي، وحدودها ممتدة مع المدن المغربية، فأنت على مرمى حجر من مدينة الفنيدق للمرور لسبتة، والغابات مفتوحة منذ مدة على التهريب السري فكلها أراض مغربية ممتدة على بعضها، ومياه البحر -بحرنا- متداخلة، فهي مياه مغربية، فقط لقد وضع الاستعمار الإسباني حدودا وسياجا استعماريا داخل ترابنا، الآن لقد سمح المغرب بحرية المرور بين أراضيه، بعد أن كان يمنعه بلعب دور الدركي، هذا هو المستجد البسيط بالنسبة لنا والمؤرق للاحتلال الإسباني. فعلا هناك مأساة إنسانية في الرغبات الجامحة للمرور للمدينة المحتلة، لكن الأكيد أن الجزء الأكبر أيضا من المسؤولية ملقى على المحتل الإسباني، فلا تفريط في أي قطعة أرض مغربية، ونتمنى أن لا تكون الخطة سحابة صيف، فعلى كل المغاربة الاستعداد لدخول مدينتينا المحتلتين سبتة ومليلية لفرض أمر واقع على الضفتين. وستصبح إذاك الرسالة أقوى من الشعب المغربي لمناورات إسبانيا على حدودنا وصحراءنا المغربية، من أجل فرض أمر واقع لا يمكن أن تتراجع عليه لا الدولة المغربية ولا إسبانيا الكولونيالية، بعودة المدينتين المسلوبتين لحضن الوطن.

ملحوظة لها علاقة بما سبق :
– نحتاج فعلا إلى قراءة جماعية لرواية الكاتب السوداني الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”.
– لقد عمل الإغريق و الرومان على محو الذاكرة الحضارية للفينيقيين، فهل تستطيع الكولونيالية الأوربية محو ذاكرتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *