نزيف الإستقالات من البرلمان يتواصل قبيل الإنتخابات

توصل مكتبا مجلسي النواب والمستشارين خلال الأسبوع الماضي، بعشرات الاستقالات من المجلسين، قدمها نواب ومستشارون برلمانيون قبل اختتام الولاية التشريعية، من أجل الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة بألوان حزبية أخرى غير الأحزاب التي حصلوا بأسمائها على مقاعدهم البرلمانية في الولاية الحالية.

وأفادت مصادر برلمانية بأن الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب، أحال هذه الاستقالات على المحكمة الدستورية للنظر فيها، كما توصل حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين، بدوره بالعديد من الاستقالات قدمها مستشارون برلمانيون، إما لتغيير انتماءاتهم الحزبية أو من أجل الترشح للانتخابات التشريعية الخاصة بمجلس النواب، التي ستجرى يوم 8 شتنبر المقبل.

وسارع هؤلاء البرلمانيون إلى تقديم استقالاتهم من مجلس النواب، قبل فتح فترة تقديم الترشيحات للانتخابات المقبلة، وذلك في إطار التحايل على قانون الأحزاب السياسية، الذي يمنع الترحال السياسي وكذلك الانتماء إلى حزبين في الوقت نفسه، ما كان سيجعلهم مهددين بفقدان مقاعدهم في حال فوزهم في الانتخابات المقبلة. ورغم قبول استقالتهم من مجلسي البرلمان، فإن هؤلاء البرلمانيين تنتظرهم خطوة أخرى تتعلق بتقديم استقالتهم من الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها، وفق مقتضيات القوانين الأساسية لهذه الأحزاب.

وخلافا للقرار الذي أصدره قبل الانتخابات التشريعية لسنة 2011 برفض استقالة 17 مستشارا برلمانيا من مجلس المستشارين، أصدر المجلس الدستوري خلال سنة 2016، قرارا يقضي من خلاله بقبول استقالة 16 برلمانيا من مجلس النواب، ما سمح لهم بالترشح بألوان حزبية أخرى في الانتخابات التشريعية، التي جرت يوم 7 أكتوبر من السنة ذاتها.

وأوضح المجلس الدستوري في قراره أن التصريح بشغور مقاعد بعض النواب بسبب استقالتهم يرمي في النهاية إلى إفساح المجال لشغل المقاعد الشاغرة، فإن تقديم النواب المذكورين لطلبات استقالتهم من مجلس النواب بعد اختتام المجلس لآخر دورة عادية له، وعشية انطلاق العمليات المتعلقة بانتخاب أعضاء المجلس الجديد، يجعل تصريح المجلس الدستوري بشغور المقاعد التي كان يشغلها النواب المذكورون لا يمكن أن يفضي إلى تعويضهم. واعتبر تقديم طلبات الاستقالة المذكورة لا موجب له من الوجهة القانونية الصرفة، في ما يخص أحقية النواب الراغبين في الترشح لانتخابات أعضاء هذا المجلس بغير الانتماء السياسي الذي كانوا عليه خلال الولاية التشريعية المنتهية، إذا ما أثبتوا تقديم استقالاتهم من الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها، وحيث إن هذه الاستقالات جاءت في نهاية الولاية التشريعية كما حددتها الفقرة الأولى من الفصل 62 من الدستور، وليس في ملابساتها العامة ما يخالف حكما من أحكام الدستور ولا مبدأ من مبادئه، لذلك صرح المجلس بشغور المقاعد التي كان يشغلها النواب المذكورون، دون الحاجة إلى القيام بإجراءات تعويضهم.

وكان المجلس الدستوري قد رفض استقالة 17 مستشارا برلمانيا من مجلس المستشارين، كانوا يرغبون في الترشح لانتخابات مجلس النواب التي جرت يوم 25 نونبر 2011، وأوضح أن الدستور بتأكيده على أن «الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي»، وبتخويله للأمة حق اختيار «ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم»، وبإسناده في ذلك للأحزاب السياسية دورا محوريا، سيما في التعبير عن إرادة الناخبين، وبدعوته لأعضاء مجلسي البرلمان إلى الوفاء لانتماءاتهم السياسية ومن خلالها لتعاقدهم مع ناخبيهم، كما تشير إلى ذلك أحكام الفصول 11 و2 و7 و61 منه، إنما يرمي إلى «توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة»، كما ورد في تصدير الدستور.

وأشار المجلس في قراره إلى أن المواطنة تتلازم فيها الحقوق بالواجبات، طبقا لمقتضيات الفصل 37 من الدستور، الذي ينص على أنه «على جميع المواطنات والمواطنين احترام الدستور والتقيد بالقانون. ويتعين عليهم ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات»، خاصة تلك المطلوبة لـ«توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة»، وأَوجب على من يتقلدون مسؤولية عامة أسندها لهم الناخبون، الالتزام بروح المسؤولية والنهوض بالواجبات. وأكد المجلس أن أعضاء البرلمان يستمدون نيابتهم من الأمة (الفصل 60 من الدستور)، مما يطوقهم تجاهها بالتزامات دستورية. واعتبر المجلس أن الاستقالات المعروضة على المجلس الدستوري، بالنظر إلى توقيتها وسياقها وهدفها، يجب اعتبارها سلوكا يهم سير المؤسسات الدستورية؛ مؤكدا أن هذا السلوك يتنافى مع القيم والمبادئ الدستورية الرامية إلى تعزيز المؤسسات الدستورية، من خلال تكريس مبادئ النزاهة والمسؤولية والتلازم بين الحقوق والواجبات، وهو سلوك من شأنه النيل من مصداقية هذه المؤسسات ومن ثقة المواطنين فيها، وتوهين صورتها لدى الرأي العام الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *