هدايا سياسية من أحزاب المعارضة لحزب العدالة والتنمية

عبد السلام المساوي

ليس مستغربا أن قوة حزب العدالة والتنمية لم تكن يوما متحصلة من مجهوداته وبنائه الذاتي ، بقدر ما هي ناتجة عما يقدمه له السياق السياسي المفاجئ أو خصومه قبل حلفائه من هدايا مجانية في عز أزماته ، ففي 2011 استغل الحزب الحاكم رياح ما سمي ب ” الربيع العربي ” ، التي أوصلت سفينة الإسلاميين إلى سدة السلطة التنفيذية حيث لم يكن أكثر المتفائلين في حزب المصباح يحلم بها ، وبعد خمس سنوات من التدبير الشعبوي والوعود الزائفة حيث كان السياق مناسبا لتراجع مد العدالة والتنمية ، قبل أن يجد في حزب الأصالة والمعاصرة منقذا له من الموت السياسي بسبب ” زرواليات ” حزب حاول الهيمنة على المشهد السياسي ببشاعة وبكثير من الترهيب وقليل من الترغيب .

واليوم ، قبل شهور من الاستحقاقات يأبى التاريخ الا ان يعيد نفسه للمرة الثالثة ، ويقدم للحزب الحاكم هدايا سياسية بالجملة ، بسبب تهور أحزاب المعارضة التي أخطأت الهدف ، وأطلقت حربا ضد حزب يتقاسم معها جزءا من التاريخ ويتقاطع مع بعضها في الأفكار والأهداف السياسية ، ويمكن أن نؤكد من الان ، قبل فوات الأوان ، أن استراتيجية الهجوم المتهور التي تقودها أحزاب المعارضة تجاه حزب معين في الأغلبية غير مجدية وستؤدي لا محالة الى نتائج عكسية ، لن تخدم بتاتا المصالح الانتخابية لأحزاب الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية ، التي من المفروض أن تبحث عن تقاطعات مع أحزاب إجتماعية تشبهها ، على العكس من ذلك ستخدم هاته الانشطارية الأجندة السياسية لحزب العدالة والتنمية الذي دبر الشأن العام لمدة عشر سنوات دون أن توجه له أسهم المساءلة عن المآسي التي خلفتها قراراته وسياساته .

بالنسبة لحزب العدالة والتنمية فإن الوضع الانتخابي بدا مثاليا فهو يواجه معضلة كبيرة وفرصة في الوقت نفسه . المعضلة أن الوضع العام والتنظيمي يسيران في غير صالحه ، وان انهاك السلطة أصابه في مقتل ، حيث ان حركة الشارع واخطاءه القاتلة وقراراته المجحفة مجتهدة في اضعاف مواقعه . لكن ، في المقابل ، يمكن للحزب الحاكم أن ينجو من حالة الاختناق في ظل سيادة الإنقسامية بين معارضيه الطبيعيين ، ولعل المعارك الخطأ والصراعات الضيقة هي ما قد يحفز اخوان العثماني على الإستمرارية ومحاولة استعادة جزء من الرأسمال الذي بدده الحزب .

وبدل أن تخسر أحزاب المعارضة الكثير من الوقت والجهد للتنكيل بحزب فقط ، على تلك الأحزاب ان تركز اهتمامها على وضع التجربة الحكومية على طاولة التشريح والتقييم ، لتفوت الفرصة على حزب قاد تجربتين حكوميتين ويستعد لثالثة بأخطاء الاخرين …

لقد بدا واضحا أن هناك عجزا مدقعا للمعارضة خلال الولاية الحالية رغم الامكانيات الدستورية التي وضعت تحت أيديها ، بل يكاد المشهد السياسي يخلو من أي شيء اسمه معارضة برلمانية ، باستثناء تحركات احتجاجية شعبية تلقائية ، او مواقف فئوية لتنسيقيات وبعض ممتهني المعارضة الحقوقية والاعلامية ملأت الفراغ الكبير للمعارضة المؤسساتية ، التي يشكل حضورها ضمانة للتوازن في الحياة السياسية .
والحقيقة التي لا غبار عليها ، ان المعارضة الممثلة في البرلمان تعيش موتا سياسيا بطيئا ويكاد يضمحل دورها السياسي ، وهذا من بين الاعطاب التي يعاني منها المشهد السياسي .

لقد غيبت _ يقول الباحث المقتدر سعيد الكيحل _ أحزاب المعارضة الصراع مع التيار المحافظ / التيار الاسلامي الذي يحمل ” مشروعا مجتمعيا ” نقيضا للمشروع المجتمعي الذي تلتقي نسبيا عنده باقي الأحزاب ( اشتراكية وليبرالية ) ، وتركت المجال مفتوحا ومتاحا أمام حزب العدالة والتنمية ليمارس كل أنشطته القانونية وغير القانونية لاستمالة الناخبين ومنافسة باقي الأحزاب في مواقعها التقليدية .

تجاهلت هذه الأحزاب الأنشطة ” الخيرية ” الواسعة التي يقوم بها حزب العدالة والتنمية وذراعه الدعوية والجمعيات المرتبطة بهما . فالحزب وحركة التوحيد والاصلاح يتوفران على اكثر من 15 ألف جمعية مرتبطة بهما ارتباطا عضويا وليس فقط ايديولوجيا فقط ، الأمر الذي يجعل البيجيدي يتصدر كل الأحزاب في عدد الجمعيات التابعة له والتي تتلقى التمويل من المال العام عبر الدعم الذي تخصصه الجماعات الترابية خصوصا تلك التي يسيرها منتخبون ينتمون للحزب ، وكذا الدعم الذي تمنحه عدد من الوزارات لجمعيات المجتمع المدني . وتجدر الإشارة هنا إلى ما تداولته مؤخرا عدد من المواقع الالكترونية من كون وزيرة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة جميلة المصلي ، العضو القيادي بحزب العدالة والتنمية ، تستعد لتوزيع 26 مليار سنتيم على الجمعيات التي أسسها ويقود غالبيتها منتمون للحزب ولجماعة ” العدل والاحسان ” مقابل التصويت على مرشحي البيجيدي في الانتخابات ، يضاف الى هذا الدعم من المال العام ، الدعم الخارجي ، خاصة الدعم القطري للجمعيات التابعة لحزب العدالة والتنمية بهدف تمكينها من التغلغل في المجتمع ( تشتغل بالمجالات المتعلقة بالطفولة أو التخييم او الشباب او المرأة أو ذوي الاعاقة او محو الامية ، او تحفيظ القران ) ومن ثم خلق قاعدة إنتخابية ثابتة لفائدة الحزب تؤهله لتصدر النتائج وتمكنه من مزيد من التحكم وأسلمة المجتمع والدولة معا ، كل هذا الدعم المالي السخي الذي تستفيد منه جمعيات البيجيدي تجاهلته أحزاب المعارضة في بيانها التنديدي…

ان استغلال العمل الخيري للأهداف الانتخابوية سلوك يفترض الإدانة والاستنكار من طرف كل الأحزاب بعيدا عن أسلوب التواطؤ أو تصفية الحساب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *