هل يمكن بناء الجزائر الجديدة بأيادي جنرالات فاسدين وملطخة أيديهم بدماء الجزائريين؟

محمد بوبكري
يتساءل الرأي العام عن كيفية عودة الجنرال خال نزار إلى الجزائر وخروج الجنرال توفيق من السجن ودواعيها. فقد سبق أن حكمت المحكمة العسكرية في الجزائر على الجنرال نزار بعشرين سنة سجنا، كما صدرت في حقه مذكرة بحث دولية، حيث استقر به المطاف في إسبانيا التي دخل منها إلى الجزائر. أما الجنرال توفيق فقد تم اعتقاله، حيث صدر في حقه حكم بالسجن لمدة خمسة عشر سنة. وبعد خروج الجنرال توفيق من السجن وعودة الجنرال توفيق إلى الجزائر، أصبح الرأي العام يطرح تساؤلات كثيرة لتفسير هاتين الواقعتين.

من المعلوم أن الجنرال “سعيدشنقريحة” قد وجد نفسه رئيسا لأركان الجيش الجزائري بعد وفاة الجنرال “قايد صالح”، حيث يقول عنه السياسيون والعسكريون المتقاعدون إنه خرج من العدم، فوجد نفسه مضطرا للتقرير في كل شيء، ما جعله لا يعرف كيف يدبر كل ملفات الجزائر في مرحلة جد صعبة. ويقل هذا الجنرال خبرة ودراية عن الجنرالين خالد نزار وتوفيق، ما جعله يكون أضعف منهما بكثير، لأنه عاجز، بإمكاناته الحالية، عن تدبير ما تواجهه دولة الجزائر من صعوبات كبيرة وكثيرة.

نتيجة ذلك، يمكن القول، إن خروج هذا من السجن وعودة ذاك من منفاه الإسباني، لم يكن نتيجة للصدفة، بل إنه إعلان عن تأسيس حلف جديد من الجنرالات، أفضى إلى انقلاب داخل الجيش الجزائري على مرحلة “القايد صالح” ورجالها، حيث تحالف الجنرالان خالد نزار وتوفيق مع الجنرال سعيد شنقريحة، واغتالوا بعض جنرالات “القايد صالح” واعتقلوا بعضهم الآخر، كما قاموا بإقالة وإبعاد كل الضباط والمسؤولين الذين لن يسايروهم، وقد تم الاتفاق بين هؤلاء الثلاثة تحت إشراف جهات فرنسية على الدخول بالجزائر في مرحلة جديدة.

هكذا عاد خالد نزار إلى الجزائر على متن طائرة رئاسية خاصة، حيث قدمت له التحية العسكرية وتم القيام بكل الطقوس الرسمية لاستقباله في مطار الجزائر، التي قام ابنه لطفي نزار بتصوير مشاهد منها ونشرها على صفحات الشبكة العنكبوتية، الأمر الذي أحرج الجنرال سعيد شنقريحة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم تشكيل موكب رسمي لمرافقة الجنرال نزار إلى مقر إقامته الكائنة في الحي الذي يقطنه توفيق وسعيد شنقريحة.

وقد قرر خالد نزار أن يتوقف في طريقه إلى مقر إقامته أمام المحكمة التي حكمت عليه بعشرين سنة سجنا، وأخرج ورقة رسمية تتضمن الحكم القضائي الصادر في حقه، فمزقها أمام الملأ. ويعني تخصيص طائرة رئاسية خاصة لنقله إلى الجزائر، واستقباله رسميا، وتمزيقه للحكم الصادر في حقه، على أن الرجل يريد أن يبرهن للرأي العام أنه ما يزال يحظى بنفوذ كبير، رغم كل ما حصل له. لقد أراد أن يعود إلى الجزائر مرفوع الرأس بدون خوف، ولا خجل، ما يدل على أنه ما يزال يحمل فكرا فروسيا كعادته. أما الجنرال توفيق فهو صديق حميم للجنرال نزار، ولا يقل عنه خبرة ودراية، حيث ينتميان معا إلى جيل الجنرالات العربي بلخير، ومحمد العماري… كما أنهما معا ضالعان في كل ما عرفته الجزائر من مذابح ومآس… خلال ما يسمى بـ”العشرية السوداء. “

ويدل خروج توفيق من السجن وعودة نزار من المنفى على الفراغ السياسي الذي تعيشه الجزائر، حيث ليست هناك دولة، ولو بالمعنى الشكلي، لأنهما انتزعا حريتهما بدون جلسة محاكمة، ولو شكلية، تقرر تبرئتهما. لقد اتخذ قرار تبرئتها الجنرال سعيد شنقريحة بمفرده دون أي احترام، ولو شكلي، للمساطر الجاري بها العمل في هذا النوع من الحالات.

ونظرا لما يعانيه الجنرال شنقريحة من ضعف فكري، حيث لا يملك مؤهلات فكرية ولا ملكات، تمكنه من فهم ما يجري، والقدرة على التفكير في الحلول الملائمة، فقد تدخلت جهات فرنسية للدفاع عن مستقبل مصالحها في الجزائر، فتفتقت عبقريتها على إقناع الجنرال سعيد شنقريحة بضرورة مصالحته مع هذين الجنرالين ليتحملا معه التفكير في تدبير المرحلة.

هكذا، فإن التاريخ يعيد نفسه، حيث عندما خاطب الجنرال ديغول الجزائريين قبل استقلال الجزائر، قائلا: «لقد فهمتكم «Je vous ai compris» «، استشعر الجزائريون العاملون في صفوف الجيش الفرنسي، والذين حملوا السلاح ضد جيش التحرير الجزائري، أن الاستعمار الفرنسي سيرحل، وبدأوا يغادرون صفوف الجيش الفرنسي، حيث تم دفعهم إلى ذلك دفعا من قبل الإدارة الاستعمارية الفرنسية آنذاك، حتى تستمر فرنسا مؤثرة في جزائر ما بعد الاستقلال… وقد قام “هواري بومدين” باستقبال هؤلاء الذين غادروا الجيش الفرنسي، في جيش الحدود، الذي مارس به ثورته المضادة ضد الثورة الجزائرية ورجالاتها.

وكان خالد نزار من بين ضباط الصف الذين غادروا صفوف الجيش الفرنسي. ومنذ ذلك الوقت، ونزار مرتبط بأمه فرنسا إلى اليوم، ما يدل على أن عودته إلى الجزائر وخروج الجنرال توفيق من السجن كان بإيعاز من جهات فرنسية ترغب في أن يستمر حضورها وفي كل مراحل التاريخ الجزائري، وذلك بدافع حماية مصالحها الإستراتيجية في الجزائر. لذلك، فالتاريخ يعيد نفسه في الجزائر. ويفسر إشراف جهات فرنسية على المصالحة بين هؤلاء الجنرالات الجزائريين، وترددَ فرنسا في الاعلان عن اعترافها رسميا بسيادة شرعية المغرب على صحرائه.

وتجدر الإشارة إلى أن الجنرال نزار بدأ يعقد اجتماعات مع بعض جنرالات الجزائر، ومع بعض الوزراء وكذا مع بعض الأحزاب السياسية، وبعض تنظيمات الإسلام السياسي والمجتمع المدني… لذلك، فإن عودته من منفاه الإسباني وخروج توفيق من السجن بذريعة العلاج تدخل في إطار خطة متفق عليها بين جهات فرنسية والجنرال سعيد شنقريحة والجنرالين خالد نزار. لكن ما هو مضمون هذه الخطة؟ وما هي مراميها؟

يبدو لي أن الظروف الصعبة التي تمر منها الجزائر تتطلب تعاونا بين هؤلاء الثلاثة، لأن لهم مصلحة مشتركة في بقائهم متحكمين في خيوط الدولة في الجزائر. فالجنرال سعيد شنقريحة ليس له محيط قادر على التفكير وتطوير الحلول، بل إن محيطه يهابه، ويتخوفون من مصارحته، لأن مناخ الثقة منعدم داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، حيث لم يعد أحد يثق في أحد. فأفراد محيط “سعيد شنقريحة” يتجنبون التقدم بأية اقتراحات مخافة قيامه بتنحيتهم من مواقعهم، حيث يظن المحيطون به أنه قد يصنفهم على أنهم يشتغلون لصالح فلان أو علان. لذلك، فهم يفضلون تنفيذ أوامره فقط دون إبداء أي اقترح قد يجني عليهم. هكذا، فإن المناخ داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية قد أصبح موبوءًا، حيث كادت الصراع والفساد داخلها ان يؤديا إلى تفسخها وانهيارها.

وإذا أخذنا في الحسبان مشاكل الفساد الناجمة عن سوء تدبير جنرالات الجزائر وعدم امتلاكهم لأية مشروع سياسي مجتمعي وعدم اعترافهم بمفهوم الدولة الحديثة، وكذا مختلف المشاكل الاجتماعية التي كادت تخنق أنفاس الشعب الجزائري، حيث قد ينجم عنها حراك اجتماعي كبير، كما أن مناخ المحيط الدولي رافض للسياسة الخارجية التوسعية لجنرالات الجزائر، فإن التعامل مع هذه العوامل وغيرها ربما سيؤدي إلى استقرار الجزائر الذي ترغب فيه بعض الجهات الفرنسية، حماية لمصالحها الإستراتيجية في الجزائر.

لكن ما لا تعلمه هذه الجهات الفرنسية هو أنه لا يمكن إصلاح ما أفسده حكام الجزائر بجنرالات دمويين فاسدين لهم سمعة داخلية وخارجية جد سيئة، كما أنهم لا يؤمنون بالشرعية السياسية، ولا بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وما تقتضيه من تناوب وتعددية وفصل للسلطات ومراقبة ومحاسبة… تبعا لذلك، يبدو لي أن الأمر صعب، حيث ينبغي إقناع الشعب الجزائري، لأنه يرفض الاتفاقات الفوقية بين الجنرالات، حيث إنه لا يثق فيها. وما يهم المغاربة هو استقرار الجزائر والحفاظ على كيانها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *