البغدادي يكتب: واقع تنفيذ عقوبة الإعدام بين الحفاظ على النظام العام وحماية حقوق الضحايا

محمد البغدادي؛ باحث في مركز الدكتوراه تخصص القانون الخاص كلية الحقوق بطنجة

أضحت تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب منذ سنة 1993 وإلى حدود الساعة محط جدل واسع ونقاش مجتمعي وعمومي حاد في الساحة الوطنية بين اتجاه يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام لكونها غير إنسانية و اعتداء على الحق في الحياة الذي يكرسه الفصل 20 من دستور2011 ويعتبرونها غير رادعة لتنامي الجريمة ولا تعدو أن تكون انتقاما باسم القانون لن ترد الحقوق لذوي الضحايا، وبين الداعين إلى الإبقاء عليها والمدافعين عن استمرارها التي من شأنها حماية حقوق ذوي الضحايا ولكبح جناح المجرمين، وكذا الحفظ على النظام العام وأمن المجتمع ككل، لاسيما في ظل انتشار بعضالجرائم الخطيرة أو البشعة.

ومعلوم أن واقع حال تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب يتسم بمخاض عسير بين الأوساط الحقوقية والقانونية والقضائية سواء تعلق الأمر بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي انخرط المغرب فيها،
واستحضار المناظرة الوطنية للسياسة الجنائية بمكناس سنة 2004 التي نادت بتقليص من عدد جرائم الإعدام و توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2006 التي دعت إلى الإلغاء التدريجي عقوبة الإعدام ، وكذا الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة سنة 2012، هذا فضلا عن الناحية الإحصائية، حيث لدينا 101 من الأشخاص المحكومين بعقوبة الإعدام ومدى دور مؤسسة العفو الملكي في الحد من عقوبة الإعدام ودعوة الملك محمد السادس في المنتدى الثاني لحقوق الإنسان بمراكش سنة 2014 حول ضرورة استمرارية الحوار الوطني والعمومي بشأن الإلغاء التدريجي لعقوبة الإعدام.

وتجدر الإشارة إلى أن الوضع الإحصائي والواقع العملي يبرز بجلاء دور السياسة التشريعية في تقليص وتقييد عدد جرائم الإعدام في القانون الجنائي المغربي ، حيث تم الانتقال من 31 إلى 11 جريمة سنة 2018، وكذا توجه السياسة القضائية في تقليص الأحكام الصادرة في الإعدام، وهذا ما نلاحظه من خلال أن القضاء المغربي يتسم موقفه بالتريث وبالحكمة والاتزان وبالتوافق ولا يصدر أحكام في الإعدام، هذا فضلا عن تراجع واضح لعقوبة الإعدام من الناحية التنفيذية.

وإذا قرار تجميد تنفيذ عقوبة الإعدام هو ليس قرار قضائي وتشريعي يصدر عن القضاء
المغربي، فإن تنفيذها بشكل فوري يكون مرهون بقراري سيادي وسياسي من طرف وزير العدل وفق مسطرة خاصة، وهنا تكمن إشكالية تصادم الحكم القضائي بالإعدام بشكل فوري مع تجميد تنفيذها من طرف وزير العدل.

وما يلاحظ الآن أن موضوع تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب قد أثير مجددا في الساحة الوطنية من خلال قضية قتل طفل عدنان بوشوف بمدينة طنجة الذي تعرض للاغتصاب والقتل ، ثم جرى دفنه على مقربة من بيت العائلة، مما يتعين على الجميع التعبئة والانخراط والتضامن بخصوص هذهالقضية التي زعزعة النظام العام وأمن المجتمع ككل، لاسيما وأننا اليوم يتبين بجلاء صعوبة الحسم بين الاتجاهين في ظل تنامي الجرائم الخطيرة، مع العلم أن إلغاء عقوبة الإعدام من القانون الجنائي يبقى رهينا بالمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وما ينبغي التأكيد عليه أنه لا بد من التفكير مليا انطلاقا من الدراسات العلمية التي تحاول الموازنة بين حقوق الضحايا وحقوق مرتكبي هذه جرائم الخطيرة بدلا من الإنصات لانطباعات و العاطفة وتمثلات الذهنية لدى الشارع المغربي سواء الموروثة أو التي تتشكل من خلال وسائل الإعلام أو من خلال مناقشات التي تكون غالبا يطغى عليها الجانب الديني، وكذا استحضار تجربة الإنسان ومحيطه التي تعبر عن موقفهم من هذه الجرائم البشعة نتيجة الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها لدى أفراد المجتمع، حيث يجب أخذ بعين الاعتبار بين وضع حقوق الضحايا و وضع المتهم أو المدان وفق منهجية و دراسات علمية تستحضر مختلف المقاربات التي من شأنها تحقيق أمن المجتمع ككل وحماية النظام العام ، وذلك من خلال البحث والوقوف عن الأسباب التي أدت بالمتهم لارتكاب هذه الجرائم الذي هو أيضا بلا شك ضحية مخلفات وآثار مجتمع معين، مما يتعين الدولة المغربية إيجاد
مخرج حقيقي ومدخل لزرع الأمن في نفوس المجتمع وإشاعة الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على النظام العام، لكن يبقى السؤال العريض أو الكبير: ما جدوى من إبقاء على عقوبة الإعدام مادامت أنها
لم تنفذ؟ وبعبارة أخرى هل تطبيق عقوبة الإعدام أصبح رادعا للجريمة؟ وهل يمكن لعقوبة الإعدام أن تحد من تنامي وتطور الجرائم الخطيرة أو البشعة في ظل صعوبة الموازنة بين حقوق الضحايا وحماية
أمن المجتمع ككل وضمان الحق في الحياة لمرتكبي هذه الجرائم ؟ ولماذا هذه الإطالة لتحفّظ المغرب في المصادقة على هذا البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسي؟
وهل وجود عقوبة الإعدام من عدمها يحقق الحفاظ على النظام العام وحماية حقوق الضحايا وضمان الحق في الحياة للأفراد؟ وهل العدالة قائمة على التأهيل أو على الانتقام من خلال تنفيذ عقوبة الإعدام؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *