يسار الإنسياق !!!

علي الغنبوري

لا افهم كيف يصر البعض اليوم على قلب كل المفاهيم النضالية رأسا على عقب ،كيف يسعون جاهدين الى تحريفها و ابعادها عن انساقها و اهدافها التي وجدت من اجلها، و كيف يحولون النضال من الفعل و التأثير و التوجيه و المبادرة ، الى الانسياق و التبعية و الخمول الفكري و الميداني .

ولا افهم كذلك كيف ينخرط جزء من اليسار في هذه اللعبة المبتدلة ، و يلهث وراء صانعيها ، طمعا في كسب بعض النقاط الوهمية ،و كيف ينتقل من الابداع و التحليل العلمي و الموضوعي ، و التأطير المتواصل ، الى حشر نفسه داخل مثلث الشعبوية و العدمية و الفوضوية.

فاذا كان النضال داخل منظومة اليسار يقتضي الاعتماد على التحليل العلمي للواقع المجتمعي ، و الابداع المعرفي ، و الحركية الميدانية المطوقة بمبادئ الحداثة و الديمقراطية، و السعي نحو التأثير في الجماهير الشعبية و توجيهها وفق مشروعه المجتمعي التقدمي ، فلاسف من نعيشه اليوم هو عكس ذلك تماما .

فنحن اليوم نرى كيف يبتعد اليسار عن قيمه و نهجه النضالي ، و يسعى نحو استجداء المواقف النابعة من بعض التعبيرات المجتمعية الفوضوية ، و كيف يبلور رؤاه و تصوراته وفق ما تنادي و تطالب به هذه الانساق المجتمعية .

فاليسار الذي من المفروض ان يؤطر حركة العمال و الفلاحين و الطلبة و المثقفين ، و يبدع تصوراتها و رؤاها و شعاراتها و توجهاتها ، اصبح اليوم يصيح بشعارات جماهير كرة القدم و يجعلها محددا لبرنامجه السياسي و النضالي ، و يتغنى بها داخل مقراته و فضاءاته الحزبية .

نعم هو نفسه هذا اليسار الذي بات يتربص و يكمن لصدور بعض اغاني “الراب” بلغتها “الزنقوية ” ، و يجعلها مقياسا علميا ثابتا لحركية المجتمع و صحوته “الناضجة” ، لتصبح دليلا منهجيا يؤطر ملفه المطلبي سياسيا و اجتماعيا .

تأثير هذا الانسياق او بمعنى اصح الاستيلاب النضالي الذي يعيشه اليسار اليوم ،انتقل من مجرد التبني الى مرحلة التنفيذ و الفعل الواقعي ، حيث شاهدنا كيف يصنع احد قادته ” الجدد” مجده السياسي داخل البرلمان بتيمة دعائية من قبيل ” انا ماشي بهيمة ” في نهل تام من قاموس الشعبوية ، التي تصدى لها اليسار طيلة وجوده السياسي في البلاد، و كيف تحولت هذه الجملة الى مصدر فخر و اعتزاز لمنتسبي هذا اليسار داخل مواقع التواصل الاجتماعي .

زيغ اليسار عن نهجه النضالي المبني على قيمه و اخلاقه المتينة و المبدئية في جوهرها ، قد يكسبه بعض المساحات الهامشية ، لكنه في المقابل سيجعله كيانا اجوف فاقد لهويته و مرجعيته ،تتقادفه الرياح ، يمينا و شمالا.

و هنا لم اجد احسن و أبلغ من وصية الزعيم اليساري الراحل السي عبد الرحيم بوعبيد ، لألجاء اليها ، لتبيان ما يجب ان يكون عليه اليسار ، اذ يقول بوعبيد ” أنتم تعلمون وكلنا يجب أن نعلم، إن الاضطلاع بهذه المهام يتطلب منا الصبر، لأن الأمر ليس سهلا، كما يتصور البعض، بل يحتاج كفاحنا إلى مزيد من التبصر وبعد النظر، وإلى شعور دائم بأن لنا في هذه البلاد رسالة نريد أن نؤديها على أحسن وجه” .

اليسار وجد للتأثير في حركية المجتمع و لخلقها و تأطيرها ، و السير بها نحو التحرر و الانعتاق وفق مبادئه التقدمية و الحداثية المبنية على الديمقراطية و الوطنية ،و لم يوجد ليكون منساقا و تابعا خاضعا لهذه الحركية ، غير قادر على الابداع و المبادرة ، و تقديم الاجابات و الحلول لما يتطلع اليه المجتمع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *