يوميات مشجع مغربي في مونديال روسيا -الحلقة 1-

موسكو – أحمد العناز

كنت دائما أرغب في حضور أجواء مونديال كرة القدم، وأرغب كذلك في زيارة روسيا بلد بوشكين ودوستوفسكي وتولستوي، وجدت بعد البحث أن هناك وكالة أسفار تنظم رحلة لكن عبر ميلانو، سنبيت ليلة فيها ونتجه يوم الغد إلى موسكو.

وكعادتي في الأسفار إلى الخارج لا آخذ معي سوى الحقيبة المسموح بنقلها في الطائرة، لعدة أسباب، أولها ألا أضطر أن أنتظر وصول الحقائب، وهي من لحظات الانتظار التي لا أحبها عادة لما يرافقها من مشاعر سيئة كالخوف من ضياع الحقيبة أو سرقتها كليا أو جزئيا، وكذلك تصبح تلك الحقائب عبء في السفر، وعندما تشتري أشياء من بلد الزيارة تكون قد استنفدت الوزن المسموح لك بحمله، إضافة إلى أن حملك لملابس مغربية معك يحرمك من شراء أخرى في بلد الزيارة تجعلك كلما لبستها تتذكر تلك الزيارة وتسترجع أجواءها.

وصلنا ميلانو ووجدنا المرشد السياحي التونسي الأصل ينتظرنا، أوصلنا إلى الفندق وأعطانا مهلة 20 دقيقة لنهيأ أنفسنا لجولة في المدينة التاريخية.

استعان المرشد السياحي التونسي بآخر مغربي ليساعده في تنظيم الرحلة، حتى لا يضيع أي مسافر في شوارع المدينة العملاقة خصوصا وأن الرحلة ستكون بواسطة المترو.

توجهنا نحو محطة المترو يتقدمنا التونسي ويسير خلفنا المغربي الأشقر، بعد ثلاث محطات كنا في وسط المدينة الأسطوري.

من الصعب أن يتعانق التاريخ مع الحضارة، لكن هذا يحصل في وسط ميلانو عاصمة الاقتصاد والفنون الإيطالية، وتحديدا في ساحة كاتدرائية الدومو، التي تعد القلب النابض للمدينة ومقصد السياح من مختلف دول العالم، هناك يتمازج التاريخ مع الهوية المعاصرة، في معلم يشهد على فن العمارة الإيطالية، ويصنع الدهشة في أعين كل من يزوره لأول مرة.

وتعد الدومو من كبرى الكنائس في العالم، وقد تم بناؤها في عام 1386، واستغرق استكمال بنائها خمسمائة عام تقريبا، وعلى الرغم من طول المدة التي استغرقتها عملية البناء واستكمال مشاريع الإصلاح والتطوير حتى هذه الساعة، فإن ذلك لا يبدو مستغربا لمن يرى الدقة والاحترافية التي تحيط بالمبنى الذي يطل على ساحة شاسعة الامتداد.

وساحة تعني «بيازا» باللغة الإيطالية، وعندما نتكلم عن «الدومو بيازا» فهذا لأنها تقع على مساحة كبيرة أمام الكاتدرائية الضخمة التي تشتهر بواجهتها مثلثية الشكل والمصممة من الطوب والمغطاة بالرخام، فضلا عن النوافذ الزجاجية الملونة، وأبراج الرخام التي يبلغ عددها 130 برجا، بالإضافة إلى 3400 تمثال. وتعد ساحة الدومو ملتقى السياح في المدينة، حيث توجد المقاهي والمطاعم ومحطة المترو ومكتب خدمة السياح والكثير من المتاجر الفاخرة.

من هذا المكان العريق، تبدو تجربة احتساء الكابتشينو الإيطالي فكرة باذخة الترف، حيث تحيط المقاهي بالكاتدرائية شاهقة الارتفاع، وهو ما يجعل مرتادي هذا المكان يغوصون في جماليات المبنى العتيق وهم يتناولون وجبتهم، حيث تضج الفخامة الإيطالية على إيقاع الموسيقى التي يرددها عازفو الطرق الذين ينتشرون ليلا في الساحة، وهم يدندنون المقطوعات الإيطالية الشهيرة، ومن بينها موسيقى فيلم «العراب»، بناء على طلب السياح الذي يعيشون أجواءهم الحالمة مع مختلف الفنون الإيطالية في هذه الساحة الساحرة.

وفي الجانب الأيسر من ساحة الدومو، يقع المبنى الفاخر «غاليريا فيتوريو ايمانويل الثاني»، وهو عبارة عن ممر مزدوج يتكون من رواقين اثنين يلتقيان بزوايا قائمة متقاطعة بشكل مثمن، وقد تمت تسمية هذا المبنى «فيتوريو ايمانويل الثاني» تيمنا بأول ملك لإيطاليا الموحدة، حيث تم تصميمه عام 1861.

ويزخر هذا المبنى الذي يعد من أجمل المباني في العالم، بالكثير من المتاجر الراقية لأشهر الماركات العالمية مثل (لوي فيتون، برادا، أرماني، غوتشي)، بالإضافة إلى مقهى غوتشي الشهير الذي يقدم الشوكولاته المختومة بالعلامة التجارية الفاخرة، وفي مقابله مقهى آخر يوفر جلسات مفتوحة لمرتاديه تمكنهم من رؤية جماليات الغاليريا الفاخر وهم يحتسون القهوة ويتناولون الحلويات الإيطالية الشهية، وعلى رأسها «التراميسو» التي يفتخر الإيطاليون باختراعها.

وفي هذا المبنى العتيق، الذي يُطلق عليه بالإيطالية «غاليريا»، لا يبدو غريبا رؤية بعض العرسان الذين اختاروا هذا المكان لالتقاط صور ليلة العمر، ويلفت نظر الزائر كذلك وجود شركات تجميل عالمية تصور آخر مستحضراتها وعطورها في هذا المكان الذي يرمز إلى الأناقة الإيطالية، حيث تقف العارضات أمام واجهته الأنيقة، في مراحل إعداد إحدى الحملات الإعلانية ذات الطابع الراقي.

وخارج الغاليريا، تمتد الشوارع التجارية من كل مكان، حيث يبدو التسوق لذيذا وممتعا لهواته الذين يتوافدون من مختلف دول العالم إلى ميلانو لاقتناء أفخر ما أنتجته الماركات الإيطالية ذائعة الصيت، حيث تمتد الواجهات الزجاجية للمتاجر العالمية، مما يتيح لزوار ساحة الدومو إمكانية قضاء يوم كامل في التجول سيرا بين هذه المواقع المدهشة، دون الحاجة لاستخدام السيارة، وهو ما يدفع كثيرا من السياح للسكن في الساحة التي تعج بالفنادق، مع الإشارة إلى وجود باص سياحي مكشوف يأخذ زائر المكان في جولة على الدومو بـ: 20 يورو للكبار و10 يوروات للصغار.

وربما أكثر ما يثير الحذر عند التجول في ساحة الدومو ليلا، هو كثرة المحتالين الذين يحاولون استدراج السياح لبضائع رخيصة بهدف الاستيلاء على ما في جيوبهم، إلى جانب باعة الورد الذين يلحون على السياح بصورة مزعجة لشراء ما في حوزتهم، إلا أن ذلك لا يجعل ساحة الدومو مخيفة، حيث تنتشر سيارات الأمن في كثير من زوايا الساحة تحسبا لأي مشكلة قد تحدث مع التوافد الكبير على الساحة.

وبعد هذه الجولة الباذخة التي لم تطل كثيرا ذهبنا إلى مطعم كبير جدا ببوفيه مفتوح بعشرين يورو، وكل ما شئت فقط يجب أن تتوفر على بطن ضخم لتملأه بما لذ وطاب من المأكولات البحرية والبرية والجوية وهو ما لا أتوفر عليه للأسف، انتظرنا آذان المغرب لنلتهم ما اخترناه من مأكولات، عدنا بعدها للفندق الجميل الذي حجزته لنا وكالة الأسفار التي كانت عند وعدها باختيار فنادق ممتازة، يبقى أن نرى هل ستوفي وعدها في باقي الرحلة، وهذا ما سنراه في روسيا بعد الوصول إليها مساء اليوم.

ركبنا الطائرة من ميلانو وبعد عدة ساعات كنا في سانت بطرسبرغ، وأول ما ربطت هاتفي بوافاي الفندق كاد أن ينفجر بتهنئات العيد التي لا أحبها عادة، فهي تتطلب ساعات لتنظيف الهاتف منها، ولأنها أصبحت عادة ثقيلة على القلب، مجرد تقليد ممل يعتمد على نسخ ولصق التهنئات المتوصل بها تفتقد إلى الحرارة العاطفية القديمة أيام كان العيد عيدا.

وبعد التسجيل في الفندق وسماع احتجاجات المشاركين في الرحلة حول نوعية الفندق و اضطرارهم يوم الغد إلى الذهاب لموقع الفيفا لسحب الفان أي دي FAN ID عبر الميترو، خرجت لأشم قليلا من هواء المدينة الساحرة حول الفندق، وعدت بالليل بعد جولة طويلة للسرير الستاليني، فغرف الفندق تعود إلى العهد السوفياتي حيث تكتفي بأقل أسباب الراحة للزائرين.

كانت أحد أسباب توتر بعض المسافرين طول يوم الصيام، فبعد وصولنا من ميلانو لاحظنا أن الشمس لا زالت في كبد السماء في الوقت الذي من المفترض أن تكون قد غربت، وبقي الجميع ينتظر الغروب الذي لم يأت، والليل الذي لم ينزل فقد توقف النور عند نقطة معينة لا يود أن يختفي.

أحمد العناز

تطوعت وسألت صديقي جوزيف الذي يعرف روسيا جيدا، فضحك وأخبرني أنه في سانت بطرسبرغ هناك ما يعرف بالليالي البيضاء التي لا تغرب فيها الشمس.

فقد حل منتصف الليل، لكن السماء لا زالت مضيئة وكأننا في وضح النهار. فبعد فصل الشتاء الطويل، تولد سانت بطرسبرغ من جديد بفضل ليال “بيضاء” تستقطب ملايين السياح في عاصمة الإمبراطورية الروسية السابقة.

شعرت بالدهشة عند النظر إلى الشمس التي تأبى أن تغيب، وأن يكون الليل شاحبا وقصيرا إلى هذا الحد، فهو لا يدوم سوى بضع ساعات.

سانت بطرسبرغ تعتبر من المدن الأكثر قربا من الشمال وينتفي فيها الليل نوعا ما لمدة بضعة أسابيع خلال شهر يونيو، وهو ما يصادف مونديال هذه السنة، وفيما يجد السياح هذه الظاهرة غريبة ومفاجئة، يعتبرها المحليون ولادة جديدة لهم بعد ستة أشهر من شتاء قاتم وعنيف. فجو المدينة يتغير وترتفع الحرارة ويتنزه الناس في النهار والليل.

ويأتي حوالي خمسة ملايين سائح أي ما يوازي تقريبا عدد سكان ثاني أكبر مدينة في روسيا سنويا لمشاهدة هذه الظاهرة بين أواخر شهر ماي ومنتصف شهر يوليوز. فليالي سانت بطرسبورغ البيضاء هي رمز للمدينة منذ تأسيسها والجميع يعتبر أن سانت بطرسبرغ والليالي البيضاء ثنائي لا يمكن فصله.

ولاحظت أن الجمال الروسي السلافي الأسطوري مجرد أسطورة، موجود في السينما فقط، أما الواقع فأغلبهن ذوات ملامح عاملات مصانع، بيضاوات بدون أي سحر أنثوي.

وفي صباح عيد الفطر، كان شيئا عجيبا أن يكون أول أيام العيد في هذه المدينة الشمالية، ينقصنا الطرب الغرناطي المعتاد في التلفزة المغربية وأفواج الزائرين للتهنئة، لكن كل المغاربة هنا كلامهم فقط عن المباراة ضد إيران، وهذه قصة أخرى تستحق أن تروى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. تحياتي لاعز صديق واستادي النابغ والمبدع والفنان